السبت، 15 أغسطس 2015

ثقفني اون لاين : لماذا لا نحب مصر؟

“بعد العيد مفيش كحك” مثل يضرب للدلالة على عدم فائدة الحديث عن أمر فات أوانه، فالكحك يصنع ويؤكل قبيل العيد وفي أثنائه، أما إذا انقضى العيد لا يُصنع الكحك، ومن ثم لا يؤكل.

وهنا لن أخالف المثل، سأتحدث بعد العيد عن قناة السويس الجديدة التي لم يتوقف الحديث عنها خلال الأسابيع الماضية، وصاحب افتتاحها صخباً شديداً، ولكن من منظور مختلف لا يهم فيه الزمن إن كان قبل الافتتاح أو بعده.

الآن ربما هدأ الصخب حول القناة أو التفريعة أو الترعة أياً كان وصفها ، وكذلك سجال الأرقام بين السلطة التي رفعت التوقعات بأن العائد الاقتصادي سيصل إلى 100 مليار دولار ووصفت المشروع بأنه تاريخي وأنه هدية مصر للعالم .. وحاولت بكل طاقتها أن تثبت لمؤيديها من خلال الإعلام المحلي الذي تتحكم به تماماً أن العالم يقف مبهوراً أمام إعجازها الهندسي والاقتصادي، وبين معارضي الانقلاب الذين قللوا من جدواها مستدلين بتصريحات خبراء وتقارير وسائل إعلام عالمية أكدت أن القناة محددوة الجدوى ، بالإضافة لاستشهادهم بمواقف لرؤساء سابقين كالسادات ومبارك تمت في عهدهم تفريعات بنفس الطول وأحياناً أطول ولم يقوموا بنفس “البروباجندا”.

 

 

كل هذا انتهى تقريباً.. السجال انتهى، وحفلة الافتتاح انفضت، والرقص في الميادين توقف. في هذه اللحظة الهادئة يجب أن نسأل أنفسنا سؤالاً مهماً هو محض اتهام لكل من يعارض الانقلاب:

 
لماذا لا نحب مصر؟

هذا ما تقوله السلطة ومؤيدوها .. طوال أسابيع سبقت افتتاح القناة يطرحون نفس السؤال علينا من خلال الشاشات والصحف ويردده المؤيدون في الشارع والمواصلات .. ويبحثون عمن يجيبهم .. عن أسئلة لم يكن متوقعاً من -وجهة نظرهم- أن يسألوها يوماً.

لماذا نغضب من حفر القناة التي تعزز من مكانة مصر إقليمياً وستكون باب خير لها؟

لماذا تضايقنا مظاهر احتفالات الناس التي عمّت كثيراً من الشوارع والميادين ؟

 

لماذا لا تخفق قلوبنا وأعلام مصر ترفرف.. والموسيقا الوطنية تُعزف؟

 

 
لماذا نقلل من حجم هذا الانجاز الضخم ؟ ونُصرّ على تحقير الجهد الكبير الذي بُذل؟

لماذا لا نفرح لمصر؟!

أليست هذه بلادنا .. ألا نفرح لها إذا أنجزت .. ونعتز بها إذا انتصرت؟ لما كل هذا الغلّ ؟ وكل هذا القدر من الكراهية ؟ أين الانتماء للوطن ؟ وأين “الخير” الذي كنا نريده لأبنائه ؟ هل حقاً نكره مصر؟ هل نتمنى في قرارة أنفسنا ألا ينمو اقتصادها .. وألا يعود مشروع التفريعة بالنفع على مواطنيها ؟

لماذا نريد أن تبقى مصر في القاع متأخرة متخلفة قاسية ؟ هكذا يسألنا -باستنكار ودهشة شديدة- المصريون الوطنيون الذين يرون في السلطة الحاكمة منبعاً صافياً لحب الوطن ومثالاً للتضحية من أجله .. العسكر بالنسبة لهم قديسون.

و يسألنا الأسئلة نفسها آخرون لا يؤيدون السلطة وفي الوقت ذاته لا يشغلهم الصراع السياسي الحالي ، لقد تبين لهم أننا نكره مصر ونتمنى لها الشرّ ! أظن أن الإجابات على هذه الأسئلة ستكون إجابات بدهية .. لكن من الضروري أن نذكر أنفسنا بها، فما أحوجنا أحياناً أن نوضح الواضح ونعرف المعروف .. حتى لا تنحرف بوصلتنا ونضل طريقنا ونفقد أهدافنا.
ودعونا نتفق أن أسئلتهم منطقية حتى وهي مصحوبة بالاستنكار والتعجب، فذاك منطقي أيضاً
لكن ربما يكون الأكثر منطقية هى إجاباتنا على هذه الأسئلة.

• فنحن كنا نتمنى نجاح هذا المشروع أو غيره في ظل نظام مدني ديمقراطي ، وأمانينا المعلنة بعدم نمو اقتصاد مصر الآن ، وتأخرها في أي مجال – رغم أنها تبدو أماني شريرة – لكنها مؤقتة مرهونة بوجود حكم عسكري قيد الحريات وانتهك حقوق الإنسان ولا يبدو معه أي أفق للتغيير، لذا فأي إنجاز صغير يعود على المواطن مباشرة ، سيكون له أكثر من مفعول السحر في التغطية على حقوق أكبر خاصة بالمجال العام وحقوق الإنسان أو في الحفاظ على موارد وثروات الوطن.

• أي نمو اقتصادي في ظل انقلاب- خلافنا معه مبدئي وقيمي – سيصب في صالح اكتسابه شريعة جماهيرية وتأييد شعبي.. يسعى كل معارض لهذا الانقلاب أن يحول بين سلطة عسكرية فاشية ارتكبت جرائم قتل جماعية وبين تحقيقه.

• حالة الانتشاء التي تتملكنا عندما نرى إضرابات عمال أو مظاهرات موظفين ضد ممارسات النظام ليست سعادة بألمهم أو شماتة في ضياع حقوقهم.. لكن لأننا من زاويتنا نرى (آخرين) غيرنا أدركوا أن الحكم العسكري الذي استحوذ دون شريك على ثرواتنا وخيرات بلادنا لن يعطيهم كما يعطى لمن يلبسون زيهم العسكري نفسه وينتمون لمؤسساتهم.

• وكلما قامت مشروعات تحافظ على مصالح أمريكا والغرب في مصر وتبقيها في دائرة استثمارهم المرجو منها .. كلما استمر دعمهم للنظام القائم بالأسلحة والمعونات العسكرية وسيغضون الطرف عن أي انتهاك لحقوق الإنسان وأي ضياع لحقوق الشعب حتى لو أدخل نصف الشعب المعتقل، وبقى النصف الآخر يخدم في هذه المشروعات، فالدول لا يحركها إلا مصالحها، وهذا هو الدافع الأول والركيزة الأهم في العلاقات الدولية بين الدول.

 
• هذه المشروعات والوعود الاقتصادية هي محل شك بالنسبة لنا .. فمتى عرفنا بدقة عوائدها؟ ومتى اطلعنا على دراسات جدواها ؟ ومتى استطعنا الرقابة عليها؟ ومتى صدقت أصلاً ؟ جهاز علاج الإيدز والمليون وحدة سكنية والمليون فدان والعاصمة الجديدة وغيرها من وعود خيالية لم تتحقق ولم يعتذر النظام عن فشله في الوفاء بها ولن يعتذر.

 

• نرجو من أعماقنا ألا ينجح القائمون على السلطة الآن وألا تنجح مشاريعهم، لأنهم خلطوا عمداً بين الوطن والنظام السياسي وأنفسهم .. أرادوا أن يرسخوا حالة من التوحد بينهم جميعاً.. أي إنجاز حتى لو مشروع تخرج طالب في هندسة ينسبوه لأنفسهم .. كل ما يحققه المصريون تم بفضل وجودهم، من يحبهم فهو يحب الوطن ومن يعارضهم فهو يخون الوطن.

نحن نحب مصر .. لكن لا نحب أن يَصلُح عمل من يفسدونها
نحن نحب مصر .. لكن لا نصدق من يكذبون عليها
ولا نحب الإفراط في الوهم .. والتمادي في تصديق الأمل الكاذب

نجاح السلطة في أي مجال .. هو نجاح يضر الوطن حتى وإن بدا على المدى القريب عكس ذلك.

The post لماذا لا نحب مصر؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست