رغم كل ما يحدث وما وصلت إليه الأحوال في مصر إلا أن رائحة الثورة تنبعث حولي. ويبدو أن القدير قد أراد لنا الخير رغم كل ما حدث وكل ما سارت إليه الأمور. البدايات دائمًا عندما تتشابه تتشابه أيضًا في النهايات ولعل تجربة ثورة يناير وما بعدها قد صار تاريخيًا يجب أن ننظر إليه بعين أخرى.
كلمة السر كانت “شباب مصري” لم تكن أحزاب لم تكن تيارات بل كانت شباب. جيل بأكمله شعر بالوحدة وسط أسرة انشغل عائلها بالسعي وراء الرزق، وانشغلت الأم ببرامج الطعام والمسلسلات. استطاع أن يتواصل ويضع الألم فوق الضحكة والسخرية من الواقع المرير عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي.
وجد بها الكثير ممن هم على شاكلته في وحدته. شعر أن الحياة ليست ذات معنى دون أن يكون هناك هدف أو انتماء. فرض قيم جديدة وأفكار جديدة وشخصيات جديدة بل ولغة جديدة لا يدرك معناها إلا من كان ينتمى لتلك الفئة فقط. إذا عدنا للوراء بضع سنوات، سنجد أن الرماد كان يخبئ النار أسفله. لم يدرك جيل الخمسينات والأربعينات أن هناك جيل قادم كالمارد سيغير وجهه العالم ويجعل الرقاب تنحني أمامه. جيل كان يهاجم ويتهم باللامبالاة والسطحية الفكرية والتفنن في إضاعة الوقت والعمر عن طريق العبث على ما يسمى “الكمبيوتر”.
في نفس الوقت الذي كان هذا الجيل يشكل المجتمع الجديد، فكريًا وثقافيًا وحضاريًا. تمرد الجيل الحالي على المفاهيم القديمة فأنشأ من خلال اتصاله واستخدامه لتكنولوجيا التواصل الاجتماعي ما يسمى بروابط “الأولتراس”. وغير شكل مدرجات الكرة وتفنن في إبهار الجميع، وأعاد الروح للرياضة بعدما أرسى مفاهيم جديدة في “التشجيع والانتماء” وأبهر الجميع.
تمرد على سيطرة فنان أو اثنين أو ثلاثة من محتكري السينما، ووضع مفاهيم جديدة ومصطلح جديد ووجوه جديدة. ورفع شباب إلى مصاف النجوم وقام بدعمهم، والناظر إلى حال سينما التسعينيات والثمانينيات ويقارنها بسينما الألفية الجديدة سيدرك الفرق جيدًا، وسيدرك ما فعله جيل الثمانينيات والتسعينيات في عالم شباك التذاكر.
جيل أدرك قيمة الدين في حياة المجتمع فتدخل بكل ثقله ورفع مشايخ الدعوة وقتئذ لمصاف نجوم المجتمع فأصبح الداعية كنجم السينما وفتى الشاشة الأول، وحانت الالتفافة منه إلى الوطن، وتدخل في الحياة السياسية لرفعة وطنه وعلو شأنه.
قال كلمة عجز عنها أجيال كاملة “لا” صرخ بها في وجه نظام كان الكثيرون يظنون أن نهايته ستكون مصاحبة ليوم القيامة. اجتمع وانتفض وصرخ بها مدوية لم ترهبه طلقات الرصاص ولا سجون المعتقلات ولم يستمع إلى محبط.
لقد قرروا أن يهزوا أركان الوطن، ويحملوا بلدهم على أكتافهم ويفقزوا بها عشرات الخطوات إلى الأمام. جيل أكتوبر ليس بأفضل منهم حينما استرد “سيناء”، فقرروا أن يستردوا الوطن بأكمله. دولة بأكملها تعداد سكانها فوق الـ “88 مليون نسمة” تعيش بلا شرطة.
يهب أبناؤها لحمايتها ويسطروا بحروف من نور تاريخًا جديدًا في سجل انتصاراتهم. وكالعادة، صراع الأجيال، لم تتغير النظرة إلى هؤلاء الشباب باتهامهم بأبشع الاتهامات. خيانة، عمالة، فجور، ضياع، عدم فهم، إلخ. وسقطت الأقنعة عن كثيرين في الفن والرياضة والسياسة.
أعظم جيل في تاريخ الوطن يصاب بالإحباط. تسرق انتصاراته، تضيع هويته، يحارب من الجميع، ونتيجة لحالة التخبط والإحباط أصبح يستخدم كل مفرداته للتعبير عن نفسه مره أخرى، تصدرت أفلام الإسفاف والعري شباك التذاكر، كأنما هو عقاب للمجتمع، خلت مدرجات الكرة.
تركوا العمل السياسي تاركين فراغًا لم يستطع أحد أن يعوضه حتى الآن وأصيب الجميع بالتخبط، والآن، أرى عجلة الزمن تدور مرة أخرى، أرى لغة جديدة للتواصل، مفاهيم جديدة للتعبير عن مكنون الصدور، طرق أخرى وشفرة معلنة ولكن غير معروفة للأجيال السابقة.
تمرد جيل الشباب مرة أخرى، وها هو ينبذ عن بعضه التعصب وتقترب صفوفهم من التلاحم ثانية، ويعاود الكرّة من جديد، ويرفع نجومًا شبابًا مرة أخرى، ويغير في معالم المجتمع من جديد، والأهم من هذا، قريبًا سيربأ الصدع وانشقاق الصف، ويعود لرفعة وطنه من جديد.
فكما تتشابه البدايات، لا بد أن تتشابه النهايات، أعلم جيدًا أنهم استوعبوا الدرس جيدًا بعد أحداث الثورة وما حدث كانت حكمة من الخالق “عز وجل”، حتى نميز الخبيث من الطيب، ولقد أدركنا.
وسنعود.
The post رائحة الثورة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست