في خيالاتي المتعددة – أحلام اليقظة – حين أكون صاحبة شخصية باسلة لا غبار عليها، أو شخصية غامضة ذات كاريزما مميزة؛ أجدني دائمًا من خلال تلك السيناريوهات الحالمة – التي ابتكرها – في مواجهة حتمية مع تحديات عظيمة، والآلام مديدة لا تنتهي، وصراع بطولي حتى مع الموت ذاته! وبالطبع أكون المنتصرة دومًا في تلك البطولات الوهمية التي أهرب إليها أغلب الأوقات من صخب ورتابة الحياة الواقعية، ومن المحيطين بي.
في أحلام اليقظة نحن أبطال شجعان اقوياء وأذكياء، وذوو طاقة إيجابية لا تنتهي مهما كانت المصاعب، ونعرف ما العمل، وكيف القيام به على أحسن وجه، نهزم الموت والآلام والأمراض، ونهزم حتى الوجه الآخر المظلم من أنفسنا!
ولكن ما أن تواجه هذه الأمور الصعبة في حياتك الواقعية، فلن تصدق مدى ضعفك وهشاشتك وانعدام استعدادك الفعلي لمواجهتها وحدك، وهذه الأمور الطارئة أو الصعبة حتمًا سوف تصيب أي إنسان في مرحلة ما من حياته هذه.
والمرض وحده أسوأ وأحلك خصوم الإنسان منذ الولادة حتى الممات، وهو كفيل بجعلك تتخبط بقوة في حياتك كالسمكة التي أخرجت من الماء لتوها، وهي لا تعلم ما الذي جرى لها أو أين أصبحت!
وقد مررت هذه الأيام بنكسة صحية ونفسية جعلتني أرغب في أرعب لحظة منها في الموت السريع والانتهاء من كل هذا الألم والعجز الفظيع الذي شعرت به لحظتها.
وكانت ردة فعلي واستجابتي لهذه النكسة في العالم الواقعي مختلفة جدًا مقارنة بتلك الأحلام و الخيالات البطولية مع الأسف الشديد، صور وأشخاص وأحداث وهموم ومصائب مرت على رأسي فجأة دون وعي مني لتزيد من رعبي وتوجسي وألمي رغمًا عني، تساؤلات وأفكار ملعونة لا أعلم من أين تظهر لي، وأنا في تلك الحالة العاجزة.
إنني أكتب هذه التدوينة وأنا ما زلتُ أعُاني بعضًا من هذيان العجز والمرض، إن النوبة التي مررت بها جعلتني أشعر بالذعر الفظيع، وما أيقنته ساعتها أنني كنت عاجزة تمامًا عن مساعدة نفسي، وتهدئتها بالرغم من قوة شخصيتي، وإلمامي ببعض المعرفة والحلول تجاه أعراض المرض الجسدي، ونوبات القلق والهلع، كان كل عضو في جسدي يشكو ألم مختلف عن العضو الآخر، بالإضافة إلى الضيق والرعب الذي كان يجثو على صدري كالجبل العظيم، فلم أستطع مواساة أو حتى احتواء ألم أي جزء من مما كنت أشعر به، أو أن أتدارك حتى ما سبب كل هذا السواد المقيت والألم المتواصل الذي كنت أغرق فيه في تلك اللحظات والسويعات التي بدت لي أنها طويلة للغاية وتمتد لدهر لن ينتهي أبدًا.
تكلمت مع الله عز وجل وقتها، أولًا بالنبرة المتوسل الضعيف الذي يريد الشفاء العاجل والخلاص: ساعدني يا رب، اشفني يا رب، لا تتركني يا الله هكذا!
ثم بعدها بنبرة العاجز الغاضب: لماذا يا ربي لماذا؟ لماذا خلقتني وجعلتني أتألم هكذا؟ لماذا أوجدتني أصلًا في دنيا فانية، وجعلتني أواجه ما أواجه؟ وأنت تعلم أنني ضعيفة هشة عاجزة فلماذا تحملني ما لا طاقة به!
لأدخل بعدها في نوبة بكاء متواصلة، ومحاولات يائسة في تحرر نفسي من وطأة الشعور بالرعب والعجز، مع تردد هذه الجملة طوال الوقت كلما استطعت: الله معي وأنا مع الله.
لو لا وجود أختي مريم وأمي في تلك اللحظات؛ لكانت حالتي أصعب بكثير، وبعدها بالطبع تواجد أهلي من حولي وتواصل صديقتي أسمهان عبر الهاتف، الذي سهل علي الأمر، وأشعرني بالمحبة والأمان وبالقوة والقدرة على المقاومة والصبر.
ومن تجربتي هذه أقول لكم: لا تتركوا صغاركم أو كباركم أو أصدقاءكم أو حتى أنفسكم بلا عون ومساندة صادقة منكم أو من الآخرين، مهما كان ذلك الشخص – في نظركم – قوي الشخصية وصبورًا تجاه مصاعب هذه الدنيا وويلاتها.
ابقوا معهم طوال فترة محنتهم واصبروا عليهم، اسندوهم؛ فهم كالغصن الضعيف الذي سوف ينكسر بسهولة حتى من نسمة عابرة، قولوا: كل شيء سيكون على ما يرام، وإن لم يكن …فنحن معك هنا طوال الوقت، ولن نتركك وحيدًا مهما حدث.
كونوا لطفاء معهم وبجانبهم طوال الوقت، و لا تكثروا من النصائح وعبارات العتب، مثل: أنت لا تذكر الله كما يجب، أنت لا تأكل طعامك بانتظام، أنت لا تنام في الليل، والآن أنت تحصد نتائج أفعالك وأسلوب حياتك…إلخ!
وإلا فالأفضل أن تبقوا بعيدين عنهم، لأنكم تزيدون الطين بلة، ويزيدون الحالة سوءًا، حتى وإن كنتم صادقين في كلامكم، وكان عتابكم ناتجًا عن خوفكم وعطفتكم وحبكم تجاههم.
– وإن كنت تشعر بشيء – عزيزي وعزيزتي – من التعب الجسدي أو النفسي المتكرر أو بالحالة المزاجية المتقلبة رغمًا عنك، فلا تتجاهل الأمر، وتظن أنه شيء عاديًا أو تعتقد أن بإمكانك احتوائه بعد أن يكبر ويصبح مشكلة جدية، لا تستهين بالعوارض والإشارات التي تصدر عن جسدك أو عن حالتك النفسية، فنتائج وخيمة. واعلم أنك لا تحب النصائح والإرشادات من أشخاص لا يعرفون عنك شيئًا، وأنا مثلك تمامًا، ولكن بحق نفسك عليك ولأجل عائلتك ومن يحبونك ويهتمون لأمرك أطلب المساعدة ولا تردد أبدًا، وثقف نفسك جيدًا حول هذه الأمور لتتعلم كيف تدرك وتعرف وتساعد نفسك جيدًا وتساعد من حولك أيضًا.
وتذكروها دائمًا: مرض ليلة واحدة يعادل صحة عام كامل.
The post حين سقطت عاجزة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست