(غير المغضوب عليهم ولا الضالين).
لو تأملنا في ما وراء معاني سورة الفاتحة فسنلحظ أن كل آية شطر من إجابة، وأن كل آية إجابة في حد ذاتها أيضًا،وسؤالها الغرض من الحياة؟ إن العباد الذين تضرعوا لله بالدعاء ليهديهم الصراط المستقيم أرادوا ذلك الصراط الذي أنعم به على من اهتدوا إلى نوره عز وجل وحازوا عفوه ورضاه، واستفاضوا في دعائهم راجين الله أن لا يكون ذلك الصراط الذي سار عليه الصابئون من رحمته والضالون عن عبادته والمطرودون من دائرة الرضا واليسر، والحالة عليهم لعناته وغضبه إلى يوم يبعثون وللصراط أوجه عدة من ناحية الدين واللغة، فمن أحد المعاني أن الصراط هو القرآن، فمن اتبعه وسار على نهجه وتفقه فيه واجتهد في الإحاطة بأحكامه وعلومه واتخذه منهاجًا ودستورًا ينظم به حياته وشؤون أمره ويحافظ به على علاقته بربه وسنة رسوله، يستقيم صراطه، وإن لم يفعل فإن صراطه لا يتصف بصفة الاستقامة، والصراط هو عبادة الله واتباع سنن الرسول، فمن أحسن العبادة صار صراطه مستقيمًا وإلا فإنه ينحرف ويحيد عن المقصود.
أما الصراط من الناحية المادية في وجوده والروحية من حيث الإيمان به: فهو الطريق الذي يسير عليه العباد يوم الحساب، فيسير عليه أشد الناس ورعًا وهدىً وإيمانًا كسرعة البرق وثقته، والأقل منهم درجة كسرعة الرياح وخفته، فباختلاف منازل الإيمان والدرجات يختلف يسر المرور وعسره، ويتفاوت شكل الصراط ومادته وتمهيده، وتختلف ثقة المرور وسرعته؛ فأما الذي لا منزلة له ولا درجة ووقع في حضيض القاع وانحطاطه، فإنه يسير على صراط أحدّ من السيف فلا يلبث البدء حتى ينتهي سيره وتبتدئ رحلة استضافته غير المرحبة في النار فيقع وتتبادله ألسنة لهيب الجحيم، سأختصر كل ما يمكن ذكره بخصوص هذا الأمر بحديث من أحاديث رسول الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم «فيمر أولكم كالبرق، قال قلت: بأبي أنت وأمي، أي شيء كمر البرق؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم. حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء رجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا قال وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة (الكلاليب حدائد معطوفة الرأس)، مأمورة بأخذ من أُمرت به، فمخدوش ناج (المخدوش من تمزق جلده بفعل الكلاليب) ومكدوس في النار (من وقع في النار فوق سابقه). والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون خريفًا».
فيلزمنا أن نعلم أن أصول الدين وركائزه وطريق الجنة وطريق النار يحيط بهم سقف واحد وهو سورة الفاتحة، فهي فاتحة الكتاب، وبدء الحياة، وفاتحة بساتين الجنة وعطاؤها. فيا عباد الله، إن حياتنا بئر جاف، فإن ملأناه بعبادة الله حق عبادته، وزدنا عليه رطائب الخلق وعلم العقل وصفاء القلب وطيب اللسان وخير الجوارح، رويناه وجعلنا منه نبعًا فياضًا بالخير والمحبة نعمر به بساتين الدنيا والآخرة، وإن جعلنا نلقي فيه الكفر بالله وعصيانه، وزدنا عليه شرائر الخلق وجهل العقل وفقر الفكر وشوائب القلب وسوء الكلم وأذى الجوارح، تكدسوا فوق بعضهم البعض حتى تثور حياتنا كبركان متفجر فتملأ الأرض بضبخان وضباب يميت القلوب، ويحيي الشياطين ويهدم ما في دنيانا وأخرانا من عمران كان له أن يكون حجة لنا يوم القيامة، فندخل يوم الحساب لا خير فينا بل الشر والفساد فحسب.
فلنقرأ الفاتحة ولنستقم يرحمني ويرحمكم الله.
The post الفاتحة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست