الخميس، 29 يونيو 2017

ثقفني اون لاين : الأزمة الخليجية على طاولة التنس

اندلعت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي منتصف الأربعينيات وحتى التسعينيات من القرن المنصرم، وطالت هذه الحرب حلفاء كلتا القوتين العظميين، وتشكَّلت التكتلات السياسية، وبات العالم في حالةٍ بائسةٍ من الانقسامات والاستقطابات المهلكة.

في الصين عام 1949، قفز الشيوعيون على السلطة ممثلين في جيش التحرير الشعبي، يقودهم ماو تسي تونغ Mao Zedong مستفيدين من انتصار جيشهم على حكومة الكومينتايغ الوطنية Kuomintang المناهض للشيوعية بقيادة شيانج كاي شيك Chaing Kai-shek المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية. فكان بديهيًّا بعد تصدُّر الشيوعيين المشهد السياسي الصيني أن يقطعوا العلاقات الدبلوماسية التي زوّدت فرقاءهم الداخليين بالدعم ضدهم.

ظلت العلاقات مبتورة لحين إشعارٍ آخر، ارتمى ماو تسي تونغ خلال تلك الفترة بين أحضان أصنام الشيوعية الكبار جوزيف ستالين، وجورجي مالينكوف، ونيكيتا خروتشوف، وحتى ليونيد بريجينيف إذ اقتادت الأقدار مصير العلاقات الصينية الأمريكية لعهدٍ جديد. كان ذلك في أبريل/ نيسان 1971، حيث تقام بطولة العالم لتنس الطاولة على الأراضي اليابانية في الفترة من السادس حتى السابع عشر من أبريل.

في أول أيام هذه البطولة بادر الفريق الصيني بدعوة نظيره الأمريكي -بصورةٍ ودية – لزيارة الصين عقب انتهاء البطولة مباشرةً، العرض الصيني كان يشمل الفريق الأمريكي بكل مرافقيه. كان الفريقان ينزلان بنفس الفندق، وخلال خروج الفريق الصيني من موقع البطولة شوهد اللاعب الأمريكي جلين كوان Glenn Cowan وقد تأخر عن حافلة فريقه؛ فما كان من اللاعب الصيني تشوانغ تسي تونغ إلا أن بادر بدعوة كوان لاستقلال الحافلة الصينية إلى الفندق. وثقت الصحافة هذا العرض الودي وارتأت فيه تعبيرًا نبيلًا عن النوايا الحسنة؛ فالرياضة تجمع الشعوب وليست أداةً لتمزيق أواصر العلاقات بين الدول، هذه رؤية العقلاء وإن اختلفت هذه الرؤية في بعض العقول الضيقة أو المتزلفة.

في وقتٍ لاحق في ذات اليوم وُجِهَّت دعوةٌ رسمية للفريق الأمريكي لزيارة الصين، أقل ما توصف به هذه الدعوة أنها تاريخية؛ ذلك أنها المرة الأولى منذ عام 1949 يُسمح فيها لمواطنين أمريكيين بدخول الصين. في العاشر من أبريل دخل لاعبو المنتخب الأمريكي لتنس الطاولة الصين وبرفقتهم أزواجهم والحكام الأمريكيين والصحافيين، وقوبلوا بحفاوةٍ منقطعة النظير من الشعب الصيني بمختلف أطيافه وتوجهاته، وفي اليوم التالي لدخولهم الصين أقيمت مبارة ودية بين المنتخبين كان شعار الفريق الصيني فيها: «الرياضة أولًا.. المنافسة ثانيًا».

أثناء الزيارة التي امتدت حتى السابع عشر من أبريل، زار المنتخب الأمريكي المعالم الصينية الخالدة يصحبهم المنتخب الصيني، وتعرَّفوا على الحضارة الصينية، واستمتعوا بمشاهد بديعة في سور الصين العظيم وقصر الصيف وغير ذلك. في الرابع عشر من أبريل وقبل مغادرة المنتخب الأمريكي للأراضي الصينية، قفزت العلاقات بين البلدين قفزةً خيالية إذ رفعت الولايات المتحدة الأمريكية الحظر التجاري المفروض على الصين. انبرى السياسيون في البلدين في سلسلة متصلة من الاتصالات والمشاورات بغية تحقيق المزيد من التقدُّم في العلاقات الدبلوماسية، كلِّلت هذه المباحثات بالقمة الأمريكية الصينية وتمَّ خلالها تحديد فبراير 1972 موعدًا لزيارة ريتشارد نيكسون للصين؛ ليصبح أول رئيس أمريكي يزور الصين.

كسرت كرة التنس صمت إرسال قوتين اقتصاديتين وأذابت جبلًا من الجليد كاد أن يهشِّم العلاقات بينهما كما دمَّر سفينة تيتانيك من قبل، لتأتي حكمة البعض بحلٍّ ذكي وبعيدًا عن دبلوماسية بعض الأبواق الإعلامية الرخيصة التي تنفث السم في عقول العوام. جاء الحل على طريقةٍ مدهشة جسدت بحقٍّ ما يلوك البعض به لسانه ليل نهار أن «الرياضة رسالة حبٍ بين الشعوب»، وتراه يتطاول دون أن يتمعَّر وجهه على مراسل قناةٍ رياضية تمتلك حقوق بث مباريات فريقه. تأتي الرياضة لتُصلح ما أفسدته السياسة وكان يأبى البعض إلا أن يلوي عنق الرياضة لتكون درجةً على سلم صعوده وتزلُّفه، أو بغية التعبير عن وطنية مفتعلة.

كسرت كرة التنس صمت الإرسال بين الصين الشيوعية الاشتراكية والولايات المتحدة الأمريكية الرأسمالية، واعجب معي، لم يفلح الإسلام الذي يجمع بين الأشقاء أن يمنعهم من القطيعة في شهر الله المعظَّم، والأشد نكايةً أن تصدُر «الفتاوى المُعَلَّبة» بأن من لم يتبع نهجَ المحاصِرِين فلا صيام له! ضجَّ الناس بالكنيسة لتلاعبها بهم في القرون الوسطى؛ فانسلخوا عن عباءتها، وانضوى الناس تحت لواء الإسلام لأنهم لم يجدوا فيه حكمًا للهوى على سلطان الدين، وقد صدع أعظم الخلق بالحق فلم يغضب لنفسِهِ مرة وكان يغضب لله، تابعه على نهجه الخلفاء الراشدون ومن انتهج طريقهم وسلك دربهم. أين من يقطع أوصاله بيده ثم يرمي أخوه بجريرةٍ هو بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب؟

من دون شك أن الإسلام أكبر من الترهات التي يعزف عليها البعض، والإسلام أقوى من الجميع فنحن بالإسلام وليس الإسلام بنا. إن كان اتفاق الشرق مع الغرب لمصالح اقتصادية؛ فإن حتمية جمع الإخوة في الدين واللسان والنسب أولى. أفرزت الأزمة الخليجية كما نعهد في كلِّ أزمة مجموعة من الدروس والعبر، ومن بين تلك الدروس ظهور من بكى ممن تباكى، وكشفت الشعوب العديد ممن يحسنون القول الطيب في الرخاء، ثم يعتريهم الصمت المطبِّق في النوازل، ويتناسى هؤلاء فقه النوازل وفقه النصيحة وقول الحق بين يدي سلطانٍ جائر.

لعلَّ البعض ينتفع بقول عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه: أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض، ولعلَّ البعض ينتفع بقول القائل:

وإذا تركت أخاك تأكله الذئاب ** فاعلم بأنك يا أخاه ستستطاب

ويحينُ دورُك بعده في لحظةٍ ** إن لم يجئك الذئب تنهشك الكلاب

ويبقى سؤال آخر: هل هنالك وقت أكثر مناسبة من الآن لتتداعى علينا الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها؟ وهل تتقادعنا الأزمة الخليجية الحالية تقادُّع الفراش في النار دون أن يحرك أحد منا ساكنًا؟ ولأنني لست من أنصار القنوط وأرى الأمل بين أنياب هذه المُلِمَّة؛ فإنني أدعو أصحاب العلاقة من الساسة أن يفطنوا إلى أن الشقاق والخلاف لا بدَّ له من نهاية، والنهاية ينبغي أن تلتمس الصالح العام، وأن نُعجِّل بها ونعقل قوله تعالى: «وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» وليكن الاستماع لقول المصلحين لا لقول المغرضين. وللإعلام الذي ينفث في نارٍ ستأتي على الأخضر واليابس إن شبَّ لهيبها أقول: «وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ».

The post الأزمة الخليجية على طاولة التنس appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست