في عامي السابع والعشرين حملت للمرة الثالثة، كان حملًا مريحًا مقارنة بالحملين السابقين. ومع بداية الشهر السابع، أخذ بطني يكبر بسرعة لم أعهدها، لم أعد أستطع النوم إلا إذا كنت في وضعيه تشبه الجلوس، وأنفاسي تزدحم ولا تكاد تكفيني، أخبرني الطبيب أن كمية السائل الأمنيوسي الذي يحيط بالجنين، أكبر من الطبيعي، وأصبح يزداد بشكل مضطرد مع تقدم الحمل، دون أن يستطيع تحديد السبب، وقبل نهاية الشهر الثامن بأيام ثلاثة، استيقظت على سائل دافئ يتدفق مني ويغرق ملابسي وفراشي، هُرعت إلى المشفى، وبعد أقل من ساعة كنت في غرفة العمليات مشقوقة البطن يخرج الطبيب طفلتي ليحميها من خطر يحدق بها.
مكثت صغيرتي منار في الحاضنة أسبوعين تحت العناية المكثفة، لقلة وزنها، وصعوبةً في التنفس لديها، واصفرار جلدها وأغشيتها المخاطية لدرجة قد تسبب لها التسمم، وفي يوم خروجها من المشفى، كنت سعيدة جدًا، فها هي ذا صغيرتي الحبيبة تتعافى، وسأعيدها إلى بيتي لتملأه فرحًا بومنارها وصوتها وحركتها، إلا أن السعادة خرجت برفقتي من بيتي وأبت أن تعود معي مرة أخرى.
من دون مقدمات، وجه لي طبيب الأطفال صدمة قاسية أوجعت نفسي وتركت في قلبي جرحًا غائرًا، «صغيرتك منغولية»، ليس لديك خيارات كثيرة لتفعليها، ستبقى قدراتها العقلية متدنية، فلا تتوقعي منها الكثير، حافظي على صحتها، فهي بحاجة للرعاية أكثر من أي طفل طبيعي آخر، «الله يعوض عليك».
قال كلامه بطريقة غاية في الفظاظة، متناسيًا أنه يُكلِّم أمًا عن ابنتها، أصدر الحكم علي وعليها بسرعة، وسارع إلى إعدام قلبي الرقيق، كلماته انطلقت كأنها قذيفة انفجرت في قلبي، وحطمته، رفضت كلامه بكل ما أوتيت من قوة، ولم أكلف نفسي عناء الاستماع لبقيته، وتوجست شرًا عندما مالَ إلى زوجي يهمس في أذنه، فضممت صغيرتي إلى صدري وهربت بها إلى بيتي أحبها وأرعاها وأشبع أمومتي بها وأحميها من تهمة يريدون إلصاقها بها.
ما أجمل عينيك المستديرتين يا حبيبتي!، ما ألذ فمك الصغير! ما أروع بياض بشرتك!، ما أنعم شعرك!، كم أنت جميلة وتشبهين جدتك يا منار!، ولكن: ما بال كف يدك عريض وليس في باطنه سوى خط واحد، وأصابعك قصيرة، تكاد تتساوى جميعها في الطول؟، ما بال رأسك صغيرًا، ورقبتك عريضة من الخلف وقصيرة، ولسانك عريض تخرجينه معظم الوقت خارج فمك، أتكونين جائعة يا حبيبتي؟، لِمَ عينيك مسحوبتان للأعلى وكأنك أسيوية العِرق؟ ما بال أصابع رجليك متباعدة عن بعضها وكأنها أصابع تعود لرِجل بطة؟. ما بال جسدك هش لا يقاوم نزلات البرد، فلا تكادين تتشافين من واحدة حتى تدخلي في أخرى عند أي تغير في الطقس، حتى غدا الشتاء وكأنه كابوس رعب لي ولك؟. ما بال عضلات جسدك ضعيفة، سببت لك تأخرًا في الحبو، والجلوس، والوقوف، والمشي، وحمل الأشياء؟ لماذا تتقلبين في نومك كثيرًا وتتنفسين بصعوبة خلاله حتى أنني أسمع شخيرك عن بُعد، ولا ترتاحين إلا عندما أتركك تنامين على مخدة مرتفعة؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير أمست تؤرقني وأخذت أبحث لها عن إجابات، أيكون المجهول الذي يسميه الناس بالبلاهة المنغولية هو ما ينتظرك يا درة روحي في هذه الحياة التي لا ترحم ضعيفًا، ولا تستر عيبًا، ولا تجبر كسر إنسان؟ لا بارك الله فيمن سماها بهذا الاسم البشع الذي يؤلم قلبي أكثر من القصور الذي تسببه للإنسان!
كبرت صغيرتي، وغدت كالنسمة في رقتها وهدوئها واستجابتها لما أعلمها، وكانت تمضي يومها بين الورق والأقلام والألوان، ترسم خليطًا من الألوان والأشكال العشوائية، وتركب بألعابها التركيبية أشكالًا كثيرة تساعدها في تنمية عضلات يديها، وكبر معها خوفها من الظلام، والأصوات العالية.
ودخلت صغيرتي المدرسة، وفي اليوم الدراسي الأول ضفَّرت لها شعرها، ووضعت لها احتياجاتها في حقيبتها المدرسية، وأرسلتها للمدرسة بعد وصايا ونصائح أمليتها عليها وكلي أمل أن تمر أيامها في معاركة البيئة الخارجية بسلام، وعدت أدراجي أنتظر عودتها.
مر العام الدراسي الأول دون مشكلات كبيرة تذكر، رغم الكثير من المنغصات التي تكدر العيش، مثل استهزاء الطالبات بها ومناداتهن لها بالبلهاء وكأنها لا اسم لها، وعدم احترام المعلمات لها وتجاهلهن لها وكأنها من صنف أقل من البشر، وسرقة طعامها وأدواتها المدرسية، ومصروفها، وهكذا، إلى أن كان ذلك اليوم الذي كانت فيه في الصف الثالث، ففي يوم شتائي دافئ تأخرت عن العودة للبيت، وبدأت وتيرة القلق ترتفع لدي بازدياد عدد دقائق تأخرها، وبعد عشرين دقيقة اتصلت بوالدها، وانطلقنا نبحث عنها، فإذا بمجموعة طالبات من مدرستها يحاصرنها خارج سور المدرسة، يضحكن منها، ويجبرنها أن تمشي على أربعها فوق الأرض الطينية الموحلة كالحيوانات، وأن تموء وتثغو وتنبح، كانت تنفذ أوامرهن بالحرف الواحد، تعلو ثغرها ابتسامة خوف ملأت نفسي حنقًا على مجتمع لا يعترف بإنسانية الإنسان إلا إذا كان قويًا يدرأ الظلم عن نفسه بقوته الخاصة.
بذلت مجهودًا جبارًا في تعليمها الحروف والأرقام، ثم الكلمات، والعمليات الحسابية البسيطة، كانت تتقدم ببطء، لم أيأس، كنت أشجعها وأدعمها نفسيًا، وأؤكد لها دائمًا أنني أثق بها، وأؤمن بقدرتها على النجاح، وغدت حبيبتي منار قادرة على القراءة ثم الكتابة، وكم كنت أسعد بكل تقدم تحرزه.
في عامها الدراسي السابع، بدأت تحيض، فلم تدرِ كيف تعتني بنفسها، وانطلقتْ تخبر والدها وإخوتها وكل من زارنا في ذلك اليوم عن ما حدث معها، مسببةً لي الإحراج، وبذلت جهدًا كبيرًا في تعليمها أن خصوصياتها لا يجب إطلاع أحد غير ماما عليها.
أصاب منار حزن واكتئاب بعد زواج أخويها، وبقائها وحدها معي في البيت، وأصبحت كثيرة البكاء، تلح عليَّ بأسئلتها: ألن أتزوج أنا أيضًا؟ ألن أجد رجلًا يحبني ويطلب الزواج مني؟ ألن أرتدي ثوب الزفاف؟. فأحتار في كل مرة وأقول لها: بلى يا حبيبتي سيكون ما يسعدك بإذن الله. وأعود لنفسي متسائلة: أيمكن لمن هي مثل منار أن تتزوج حقًا؟ هل يمكنها أن تنشئ أسرة؟ وأجيب نفسي في كل مرة: أنا لست متأكدة.
ساعدت منار لتتعلم فن التطريز، وسرت معها خطوة بخطوة حتى أتقنته، وأخذت تصنع مطرزات تراثية فائقة الجمال، يشتريها منها المهتمون بهذا الفن الجميل، ومع كل قطعة تنتجها أرى الفرح يتلألأ في عيونها.
والآن وقد أصبحت منار في السابعة والعشرين من عمرها أقول: كانت منار كتابي المهم والمليء بالأسرار والمشاعر المتضاربة طوال السبعة والعشرين عامًا الماضية، خططت كلماته بجهودي المضنية، ومشاعري الفياضة أملًا في أن أنجح في أداء رسالتي وأن يرضى الله عني، وأستطيع أن أقول بأنني فعلت معها الكثير وليس كما قال طبيب الأطفال: «ليس لديك الكثير لتفعليه»، الحمد لله، فعلت وفعلت.
The post أنت لستِ بلهاء يا حبيبتي appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست