الأربعاء، 28 يونيو 2017

ثقفني اون لاين : قطتي علمتني (9).. الأمومة الموقوتة!

ملحوظة:

هذه السلسلة من المقالات مشاهدات حقيقية رأيتها من خلال تعاملي مع عالم القططة، سجلت ما رأيت بأسلوب أدبي سهل وقارنت بين عالم الحيوان وعالم الإنسان.

الأمومة الموقوتة

القطة شأنها شأن بني الحيوان لا تملك من الدنيا كلها شيئًا!، فهي لا تختزن زادًا ولا مالًا، إلا شيئًا واحدًا قد يرزقها الله به فتشعر أنها امتلكته فتحفظه وتتولى رعايته وتضن به عن أعين البشر! إنه أولادها!، فساعة ولادة القطة لأبنائها ساعة تحول في حياتها كلها، لحظة تملك فيها شيئًا بعد أن كانت لا تملك أي شيء! ساعة سيكون فيها لها شيء تحرص عليه وتحميه وتخبئه، ساعة تتغير فيها الطبيعة القطّية من كائن تمتلكه الأَثرة إلى كائن مُؤْثِر!، نقطة تحول من كائن ليس له قضية في حياته إلى كائن له شيء يعيش من أجله، إنها الأمومة تتجلى في مشهد القطة وهي تحتوي أبناءها الرّضع، تسقيهم لبنها بانتظام وتوفر لهم الدفء والحماية بقدر طاقتها الضعيفة، ولكن إلى متى تستمر تلك الأمومة الحانية؟، إن تلك الأمومة بكامل مشاعرها وعظم عاطفتها لا تلبث أن تنتهي بعد عدة أشهر، بعد أن تنتهي مدة الرضاعة وتتيقن الأم من تمام الفطام حينها تنتهي مهمة الأم الشفوق وتُكتب الصفحة الأخيرة في رواية الأمومة في عالم القططة!، إذا كبر الصغار واشتدت سيقانهم وأكلوا كما يأكل الكبار فما الداعي لاستمرار دور الأمومة الشاق المكلف؟!، تصير الأم الحنون وحشا كاسرًا مكشرًا عن أنيابه!، تزمجر وتغذمر لتنهر أبناءها عن أن يقتربوا من لبنها، آذنة بأنه قد بدأ فصل جديد في حياة الأبناء، إنه فصل الاعتماد على النفس وتحمل التكاليف ومجابهة الدنيا القاسية المريرة!، تبرهن على حقيقة مشقة الحياة بالفعل لا بالقول، فحين يجد الأبناء الجفاء من الأم يعرفون جفاء الحياة الرغدة وإقبال حياة المشقة والكَبد،ويالَقصر مدة الرفوه لدى القططة وطولها لدى أطفال البشر الذي يتحملون المسئولية في العشرينات من عمرهم اليافع!، ولكن شدة الأم مع بناتها الهريرات لا تقف عند هذا الحد ـ أعني حد منعهم من لبنها – بل يطغى إلى أكثر من ذلك حين أضع الطعام لها ولأبنائها فأرى كل معاني الإيثار الأمومية مهدرة أمام ناظريّ حين تبخبخ في وجوههم وتزجرهم بعينيها المتقدتين وتقف تأكل وحدها دونهم وهم ينظرون إليها في وَجَل ينتظرون أن تنتهي من الطعام ليأكلوا بعدها! وكأن مشهد (سي السيّد ) السينمائي يتجلى على أرض الواقع بلا مبالغة أو تهويل!، بل أبلغ من هذا المشهد ما رأيتُه بعيني حين وَلَدتْ قطتان في نفس الأيام، فأنجبت الأولى أربعة وأنجبت الثانية هريرة واحدة، ولكن القطة الثانية على ما يبدو لا تريد أن تتحمّل مسئولية الأمومة والرضاعة ولا تريد أن يَنقص وزنها فماذا تفعل يا ترى؟، أخذت وليدتها الوحيدة ووضعتها بين هريرات الأم الثانية ثم ولّتْ هاربة!، إي والله استودعتها لدى الأم الأخرى وهربت! ثم لم تلوِ عليها بعد ذلك، وكلما مرتْ قريبًا من مهد الهريرات الرضيعة لم تلق نظرة واحدة على وليدتها وكأنها تبرأت منها إلى الأبد!!، أرى هذا المشهد وأسمع قول أحمد شوقي حين يقول:

الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَـــيا … بِالرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيــــراقِ

الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِـــــذَةِ الأُلى … شَغَلَتْ مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ

أرى تلك الأم بعيني وأسمع كلام شوقيّ بأذني وأحار بين مشهد العين ومسمع الأذن فتستجيب يداي فأضرب كفّا على كفّ!!

ورأيتُ مشهدًا بشعًا في عالم القططة حين أنجبتْ قطةٌ وليدة ًصغيرة ًوأرادتْ أن تأكل لتطعم نفسها وتوفر اللبن لوليدتها فتشاجرت مع قطة أخرى على الطعام ولكنها – أي الأم – زاحمتها واستطاعتْ أن تفوز بالطعام دونها فماذا تفعل القطة المنافسة لتنتقم منها – وقد كانت أما من قبل ياللمصادفة! – انتهزتْ فرصة انشغال الأم بالطعام فخطفتْ ابنتها الرضيعة وألقتها في مكان بعيد لتمزق قلبها على ابنتها المسكينة!، رأيتُ هذا المنظر بعيني وأنا مشدوه فما كان مني إلا أن أحضرت القطيطة الرضيعة إلى أمها وأنا أنعي معاني الرحمة في هذا الزمان!!

والسؤال الآن بعد كل هذا أين الأمومة؟!، لا تفهموني خطأً فما زلتُ مقرًّا أن هنالك بقايا من الأمومة كامنة لدى أمهات القططة، ولا أدلّ على هذا من أن القطة التي تزجر ابنها وتريه العين الحمراء في الصباح وفي المساء بلا ذنب سوى أنه كبر وشبّ – رأيتُها بعيني تقترب من ابنها النائم الساكن – لاحظ أثناء نومه فقط! – وتلحسه وتمسح رأسه حنانا وحبّا!!، ألا يدل ذلك على أن الأمومة تستمر وتبقى بقاياها وإن كانت جوهرا لا مادّة ؟!!، وألا يدلّ أكل ُ القطة الأم لابنها الرضيع حين يموت على أنها تريد أن تحافظ عليه وتستودعه بطنها بعد رحيله بروحه؟! أيّا كان رأيك فإن القطة الأم حين يداهم أبناءها الرضّع الخطرُ البشري – وأطفال البشر هم أخطر كائن على القطيطات الرضيعة! – فإنها لا تزيد على أن تموء وتصرخ بأعلى صوتها تستغيث دون أن تقترب من الأعداء ودون أن تعرض نفسها للخطر فهي أقل شجاعة من أن تضحي بنفسها حتى وإن كان الثمن أبناءها!! هكذا رأيت بعيني وإن كنت أوقن أن الأم يتمزق قلبها على أبنائها ولكنّ قلة الحيلة وسيطرة العجز أحيانًا يصنعان الجُبن والخوف!!

The post قطتي علمتني (9).. الأمومة الموقوتة! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست