(1)
في البداية أوضح أن الغرض من هذه المقالة ليس الإساءة إلى أي دولة أو إلى أي شعب، وإنما هي محاولة للبحث في مسألة مصيرية تعرض للشعب المصري حاليًا.
(2)
ولا شك أن التراب الوطني غال عند كل دولة وكل شعب، لكن مفهوم التراب الوطني والتعامل معه يختلف من دولة إلى أخرى ويتداخل فيه العامل الجغرافي والتاريخي والسياسي بطريقة حاسمة.
(3)
المكون الرئيسي للشعب المصري هم سكان الدلتا والصعيد من الفلاحين، وحتى سكان المدن فمعظمهم من الأصول الريفية، والقبائل العربية التي استوطنت الصعيد قد تمصرت بمرور الوقت وحازت نفس صفات الفلاحين بالإضافة إلى بعض الموروثات البدوية مثل الأخذ بالثأر وغيره، وتبقى القبائل البدوية على أطراف الوادي في سيناء والصحارى الشرقية والغربية يمثلون نسبة ضئيلة من سكان البلاد، وعند الفلاحين فإن قيمة الأرض تتماثل مع قيمة العرض، والفلاح يحسب أرضه بالمتر، ولو قلنا بالسنتيمتر لما تجاوزنا، يقال: فلان حداه قيراطين أرض بيزرعهم ويجري على عيلته، والقيراط حوالي 175 م2، وعندما يقسم الإرث بين الأبناء فإنهم يتحدثون عن الأسهم، والقيراط 24 سهم، فالسهم 7.25 م2، وهكذا فالفلاح يعرف أرضه بالقيراط والسهم وليس بالكيلومترات، لذلك قال السادات –ذو الأصول الفلاحية- مخاطبًا مجلس الشعب عام 1971 أننا لن نفرط في (سنتيمتر) واحد من سيناء.
(4)
بينما المكون الرئيسي للشعب السعودي هو القبائل البدوية، وعند البدو حب المكان والموطن بصفة عامة، لكنه مرتبط بمكان القبيلة، فهو مكان متحرك وليس مكانًا ثابتًا، يقول الشاعر:
أمر على الديــــــار ديار ليـلى … أقبل ذا الـــــــجدار وذا الجـدار
وما حب الديار شـــــغفن قلبي … ولكن حب من ســـــــكن الديار
وقد تكون ديار ليلى اليوم هنا وغدًا هناك، والقبائل تتحرك وراء الماء والكلأ، فالمكان لا يشكل عندها نقطة حياة أو موت، وبينما يحسب الفلاح المصري أرضه بالقيراط والسهم فإن المرتحلون في البادية قد يغادرون مكانهم ولا يعودون إليه أبدًا ولا يشغل بالهم.
(5)
وقد أيد التاريخ هذه الرؤية للحدود بين مصر والسعودية، فبينما تكون حدود مصر ثابتة تقريبًا عبر التاريخ، خاصة في حدها الجنوبي والشرقي، فإن حدود الدولة السعودية عبر عصورها الثلاث متغيرة، ولا تحكمها إلا منطق القوة، فحدود كل دولة منها هو ما وصل إليه السيف والمال، وهكذا الحال مع القبائل البدوية، فإتساعها هو فقط قرين قوتها ونفوذها، والأرض لا تمثل نقطة شرف، فإذا قوي السيف وفاض المال اتسعت الرقعة دون النظر إلى حقوق الآخرين، وإذا انكسر السيف وانحسر المال ضاقت الرقعة دون أي أسى على التراب الوطني.
(6)
وإذا ركزنا الحديث عن الدولة السعودية الثالثة فإن حدودها الحالية هي ما وصل إليه سيف الملك عبد العزيز دون أي ادعاءات تاريخية حقيقية بما هو داخل الحدود، ودون أي أسى حقيقي على ما هو خارج الحدود، فلم يكن هناك ادعاء تاريخي يبرر أن يكون الحجاز في قبضة الملك عبد العزيز، لكن سيف الملك حازه فكان كذلك، ولم يكن هناك ادعاء تاريخي بحائل التي كانت في حوزة آل رشيد، ولا بالأحساء التي كانت في حوزة العثمانيين، ولا بنجران وجيزان التي كانت تتبع اليمن، لكن سيف الملك حاز كل هذا، وفي المقابل حاول الملك انتزاع واحة البريمي فاستطاع سلطان عمان إجلائه عنها برعاية إنجليزية، وفي النهاية انتهى الأمر، دون أي رغبة في نزاع أبدي حول الأرض بدعوى أنها جزء من الوطن، من في السعودية الآن يتحدث عن واحة البريمي أو يقول إنها ينبغي أن تعود للسعودية؟!، وفي المقابل هناك منطقة (خور العيديد) التي تثبت جميع خرائط العالم ملكيتها للإمارات وتجعل لها حدودًا مع قطر، بينما تسيطر السعودية عليها وتجعل المنفذ الحدودي مع الإمارات قبلها، فمن في السعودية الآن يتحدث عن الخرائط وعن إعادة خور العيديد للإمارات.
(7)
من هنا كان تفريط الحكومة المصرية -التي تنتمي لشعب تشكل الأرض وكل سنتيمتر فيها جزءًا من وجدانه- في جزيرتي تيران وصنافير التي لم يكن للدولة السعودية أي سيادة عليها ولا رفع عليها العلم السعودي مطلقًا ولا حاربت من أجلها وتركزت عليها قواتها، وذلك بدعوى وجود خريطة هنا أو هناك تثبت ملكية السعودية لها وهي التي لا تأبه أصلًا بالخرائط ولم تتشكل دولتها تبعًا لخرائط إمتدت السيادة إليها وإنما العكس، فقد جاءت الخرائط لتقرر ما وصل إليه سيف الملك عبد العزيز أو ما قصر عنه سيفه، بل توسعت الدولة حتى عن الخرائط كما هي حالة خور العيديد، من هنا كان التفريط إجراميًا ومعيبًا.
(8)
وفي المقابل يبدو اهتمام الحكومة السعودية فجأة بالجزيرتين مشبوهًا جدًا، فالأرض بحد ذاتها كما ذكرنا لا تمثل قيمة ما في الوجدان السعودي إلا بمقدار ما قد تحتوي من ثروات أو تقدمه من سيطرة، وليس بمنطق الفلاح المصري أن الأرض عرض، ولكن بمنطق البدوي أن أرض المقام هي الأمثل والأربح، فما الذي ترجوه الحكومة السعودية حاليًا من هاتين الجزيرتين حتى تضغط على مصر بهذه الطريقة المهينة وتأخذهما بما يشبه الابتزاز؟!، نظريًا ليس فيهما ما يغري أو يفيد السعودية، اللهم إلا فيما يقال عن ارتباط هذا بتدويل الممر الملاحي لمصلحة إسرائيل، في مقابل الرضا الإسرائيلي ومن ثم الأمريكي عن الترتيبات الجديدة في الدولة السعودية، وعلى هذا تكون الحكومة المصرية قد مدت الجملة الشهيرة على استقامتها، (فأعطت ما لا تملك.. لمن لا يستحق.. لمصلحة من لا يستحق).
The post قضية التراب الوطني بين مصر والسعودية appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست