السبت، 3 يونيو 2017

ثقفني اون لاين : بين ربيع الطفولة وربيع الجمود

مُنذ حُلول الربيع والشوق يُلهب صدري لربيع الطفولة، حينما كنت أذهب مع صَديقيَّ لنتجول في حقول القرية فنقطف الثمار لنسد جوع الظهيرة بعد صباح طويل قضيناه في المدرسة، وكنَّا نختص منها ثمار التوت الأحمر اللذيذ.
احترفنا حينها تسلق الأشجار فأطيب التوت وأكثره نضجًا يتركز في أعلى الشجرة -ككل الطيبات صعبة المنال-.

حينها كانت فطرتنا المستكشفة في أوج شدتها، فكنا نجمع القواقع على أطراف القنوات ونصنفها تصنيفًا بدائيًا خاصًا بنا، ولم نترك نوعًا من حَشَرات التربة وعناكبها إلا وتعرَّفنا على شكله ووضعنا له اسمًا مُستوحى من شكله بعيدًا عما أسماه الناس، حتى أننا كنا نعد أرجل الديدان لنفرق بين أم أربع وأربعين والدودة الألفية، أما النباتات فكان لها الحظ الأكبر من استكشافنا وساعدنا في ذلك معرفة يوسف الواسعة بها فقد كان يساعد أباه البستاني في عمله.

واليوم ها أنا ذا واقف على أطراف القرية أتامل مكان الحقول وأحاول جهدي استعادة صورتها العذبة الماثلة في ذاكرتي ولكن تظل الصورة مشوشة.

فمدخل ذلك البيت يقف مكان شجرة التوت التي طالما وقعت من فوقها، وهذا البيت ذو الإطلالة الجميلة قد احتل حقل الثوم الذي اعتدنا الشرب من ماكينات الري فيه، وهؤلاء الشباب المتبارون بالكرة قد شيد ملعبهم حيث كنا نجمع القواقع ونصنفها، أما مجموعة السيارات الفارهة الواقفة هناك فهي تقف على أطلال حوض الري -مصيفنا الريفي الجميل- الذي طالما احتمينا بمياهه الباردة العذبة من نفحات الجحيم في يوليو وأغسطس.

لكن الأرض ليست وحدها المتغير هنا بل نفسي تحولت أيضًا حتى أني لم أعد أعرفها!

اختفت روحي الفضولية المستكشفة الساعية إلى المعرفة دومًا وحل محلها شبح ممل رتيب يذاكر ما يدرس له فقط ولا يتعب نفسه بالتحرك خلف أي معلومة درسها ولو قيد أنملة، ويا ليت الأمر اقتصر على ذلك، لكن روحي العنيدة المغامرة التي علمتني صعود أشجار التوت رغم سقوطي الكثير وإصاباتي البليغة جراءه؛ فقدت هي الأخرى في دوامة الحياة العادية المملة فأصبحت بليدًا أكتفي بالمحاولة لمرة واحدة ثم أستسلم وربما لا أحاول أصلًا، حتى إن روحي المبدعة التي ابتكرت مع صديقي تصنيفًا بدائيًا للقواقع وتعرفت على عشرات الأنواع من النباتات والحشرات قد تلاشت فأصبحت نسخة من ستة مليارات نسخة تستوطن الأرض، أصبحت ترسًا كملايين التروس المجبرة على الدوران بحجة نظام التعليم ودوامة الحياة والواجبات التي تتطلب العمل والمال…إلخ.

تشوهت فطرتي الطفولية فأصبحت جامدًا كربيع قريتي الآن..

لكن كيف؟ ومتى حدث كل هذا؟

فيروس شبيه بالالتهاب الكبدي الوبائي (سي) تفشى في مجتمعاتنا منذ زمن، ولا زال يأكل أرواحنا حتى الآن دون أن نشعر وما يموت لا يجد ما يحل محله فتأثيره في اتجاه واحد فقط الموت ولا شيء غيره.

يصيب الإنسان عند اختلاط دمه بنظام الحياة الأحمق الذي فرضه الناس على أنفسهم فيغرقه أولا في دوامة الدراسة لأجل العمل، والانتظام فيها لأجل التفوق، والالتزام بما في الكتب وعدم التفكير بعيدًا عنه لأجل الدرجات النهائية والالتزام بنظام التعليم لأنه لا بديل عنه، ثم يخرج منها إلى دوامة العمل لأجل المال والاجتهاد في العمل لأجل الترقية فهذا ما سيجلب المستقبل الأفضل (على حد اعتقادنا).

وأثناء كل ذلك وبالتدريج تَجْمُد روح الإنسان كما يتليف الكبد بفعل فيروس سي وما يتليف لا يعود لسابقه أبدًا كما درسنا في علم الأمراض.

لكن!

قد تقاوم بعض الخلايا السليمة وتأخذ في الانقسام لتعويض التلف وهو ما حدث معي حينما اهتزت روحي شوقًا لربيع الطفولة. وعلى خلاف الالتهاب الكبدي فالعلاج ممكن ومتوافر بدون استئصال عضو أو زراعة آخر، فقط تحرر من قيودك!

ادرس لأجل العلم والفائدة لا للدرجات والشهادات، كن شغوفًا بالعلم لا مجبرًا عليه وإن فشلت في شيء مرة غامر المرة الأخرى وتحدى الحياة لا تكن بليدًا اعمل وأنتج واخترع لعمارة الأرض وخلافة الله عز وجل فيها لا للمال والترقية والمكانة الاجتماعية.

حينها ستعود أزهار ربيعك تتفتح من جديد وستسقط بنايات الرتابة والبلادة والجمود.

The post بين ربيع الطفولة وربيع الجمود appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست