منذ تأسيس الجامعة العربية في 22 مارس (آذار) 1945م مر العمل العربي المشترك بفترات متفاوتة بين استقرار وحروب وأزمات داخلية جابهتها الدول الأعضاء أو هجمات خارجية تعرض لها الوطن العربي. بيد أن الثابت في كل فترات العرب في النصف الثاني من القرن العشرين كان عدم الاتفاق لا جماعيًا ولا مثنى مثنى بين الحكومات ذات السياسات والأجندة المختلفة.
تلك التجاذبات العربية العربية كثيرًا للأسف ما تفاقمت لتصل إلى مرحلة الدسائس والمؤامرات بل ووصلت إلى صراع علني، بيد أن كل تلك الخلافات التي طبعت علاقات بعض الدول مع بعضها البعض تم السيطرة على أكثرها ضمن أطر الخلافات الثنائية ولم يُسمح لها بالتوسع لتلهب الأخضر واليابس وإن كانت قد دخلت أروقة الجامعة العربية فلم تكن تخرج متفاقمة على الأقل، وكانت تبقى مجمدة في إطار الخلاف الثنائي. والفضل في ذلك كله يرجع لتوازن سياسي داخل الجامعة فرضه توزع القوى والتأثير بين دول عربية مختلفة السياسات والتوجهات.
وقد يستغرب القارئ من العنوان وقد يتساءل عن أي جامعة الحديث هنا ولم رثاء ما كان على الدوام ميتًا.
والحق مع القارئ إذ إنه على الأرجح عايش إخفاقات الجامعة العربية حيث لم تكن الجامعة العربية فعالة في توحيد العمل العربي على أي صعيد لا الاقتصادي ولا الثقافي ولا الشعبي، ناهيك عن السياسي، وبالتأكيد لم تفلح الجامعة في الوقوف ضد التدخلات الأجنبية المستمرة من الدول الكبرى التي كانت وبالًا على المنطقة ولا حتى هي أفلحت في تسجيل اختراق بسيط لدفع القضية الفلسطينية دفعًا حقيقيًا مهما كان بسيطًا.
نعم كان المواطن العربي ينظر بعين الريبة وأحيانًا بعين الهزء لاجتماعات المسؤولين العرب رغم كل ما يصاحبها سنويًا من طبول إعلامية رنانة ومخاض يجعل الجاهل أو يكاد يتوقع ميلاد الجمل فلا يرى غير فأر وئيد.
كله صحيح، ولكن وبما أن المطر لا يسوء أكثر إلا حين تحسبه لن يفعل فقد أتت أمطار العرب سيولًا جارفة في شتائهم الذي حسبوه ربيعًا لردح من زمن فجاء السيل من ضمن ما جاء على أواخر ما كان من توازنات عربية داخلية. توازنات كان لها الفضل في تقييد السياسة العربية عن أن تجمح لطرف دون آخر وتفرض نوعًا من الكبح على الصراعات فتمنعها أن تخرج للعلن أو إن خرجت تمنعها عن أن تكون كصراع الثيران الهائجة التي لا تنردع عن شيء وإن كان فيه هلاكها.
هل كان كان يمكن للجامعة العربية في وجود التوازنات التقليدية أن تسمح بمقاطعة لبنان المعلنة عام 2016 وهل كانت الجامعة العربية لتقبل – في صمت معيب – أن يتم حصار دولة خليجية برًا وبحرًا وجوًا؟
يكاد يُجمع كل مشاهد – من وجهة نظر الدبلوماسية وبصرف النظر عن الشأن الداخلي – على أن جامعة الدول العربية اليوم هي ليست نفس الجامعة التي كانت في حضور أنظمة كنظام معمر القذافي وصدام حسين وحسني مبارك، وليست هي قطعًا بنفس القوة التي كانت حين كان اليمن ينعم بهدوء نسبي على الأقل تحت سلطة رجل واحد هو عبد الله صالح وكانت سوريا بعيدة عن كل مظاهر التوتر تحت حكم قيادتها الوحيدة.
لقد كانت مصر مبارك على الدوام تلعب دورًا كبيرًا في المنطقة ولطالما جمع بين الدورين دور الدولة الوطنية سليلة حروب التحرير المصرية والعربية، وبين دور النظام السياسي البراغماتي الذي يشكل جزءًا من التوازنات الدولية مهما شكل هذا الدور الأخير من عتب من معارضين داخليًا أو خارجيًا، لكن مصر وعلى مرأى من الجميع وبفعل أدوارها شكلت قطبًا قويًا في العمل العربي داخل الجامعة وخارجها ما أدى أن تكون قطبًا غير تابع لسياسات دولة معينة داخل المنطقة.
جاء شتاء 2011 بالقشة التي قصمت كل أسنمة البعير وها هي اليوم الجامعة بسنام واحد ليس بالضرورة يخدم المصالح العربية المشتركة بقدر ما يقع تحت سطوة الإملاءات المسطرة من سلطة واحدة يدفعها غياب كل أنظمة التوازن، وفي ظل الغياب التام للكتلة المغاربية والذي لا يمكن إيجاد تفسير له سوى عجز أنظمته عن تكوين سياسة واضحة لبلدانهم وللمنطقة.
نعم لقد كانت الجامعة العربية غير فعالة في السير بالمنطقة للأمام ولكننا اليوم نكتشف، من ضمن كل ما نكتشف؛ أنها على الأقل كانت تمنع المنطقة من السير إلى الوراء.
The post أيا يُتم العرب من بعدك أيتها الجامعة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست