الأربعاء، 28 يونيو 2017

ثقفني اون لاين : لماذا لا نتفق! 

لا أعجب أبدًا حينما أتأمل إنجازات الحياة المدنية، الرقى، التقدم الصناعي والأخلاقي في كوكب اليابان خلال بضعة عقود تلت الحرب العالمية التي دمرت البنى التحتية والبشرية، ولا حينما أرى أرض الأحلام وعاصمة صناعة القرار العالمي الولايات المتحدة ، والانتقال من عهود العبودية والحروب الأهلية الطاحنة التي أجرت أودية من الدماء بقدرها خلال عقود لم تكن قبلها الولايات المتحدة  شيئًا مذكورًا على مستوى الدول أو الأمم، بل لم يكن في الخيال حتى أن ما وصلوا إليه قد يتحقق لأمة تم تأليفها  من بعض الأفراد والأسر التي تم جلبها عنوة لأغراض الخدمة والعمل في المزارع كعبيد أو لغرض استخدامهم كجنود في الحروب، دون أن يكون لهم الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية أو الحقوق، لكن ما وصلوا إليه في نهاية القرن العشرين شيء مذهل، وغيرهم من شعوب العالم الأول، فرنسا والثورة التي كانت نقطة تحول في تاريخها، وانظر إلى قصص تحول نظائر تلك الأمم والشعوب، تحولات وضعتهم موضع قوة، شعوب تنتج وتزداد غنى وعزة ومنعة مع مناخ يتيح الابتكار والرفاهية.

 إن المكونات الأكثر فعالية فى تكوين رد فعل مجتمعي إيجابي موحد، أو بالأحرى اتخاذ قرار شعبي يضمن نهضة المجتمعات و تحقيق المبادئ الثورية الأساسية: الحرية/ العدالة/ الكرامة، ومحصلاتها من  زيادة الإنتاج، والاستقرار المعيشي؛ مما يضمن رقي وتقدم الجنس البشري، بل الإبداع الذي ينقل الأمم من محل التبعية إلى مقام السيادة، هي مكونات بديهية بسيطة في معناها، قوية في آثارها، ومن أهمها في المجمل مكونين قد بنيت عليهم الأمثلة السابقة.

فنموذج اليابان

قد يكون المكون الرئيس في نجاحه هو عامل الأصالة، أصالة الثقافة والفكر الناتجين من أصالة العرق الياباني، فالمعروف تاريخيًا أن اليابان هي أمة أصيلة العرق، أي: ليست هجينة من أمم أو شعوب أخرى، فبالرغم من الحروب والصراعات التاريخية بينها وبين أطراف أخرى، إلا أنها استطاعت أن تحتفظ بأحادية العرق؛ مما يجعل العقل الجمعى متقارب الفكر والمبادئ، والنفس متقاربة من حيث الفطرة وتشابه السلوك الناتج من التوارث الجيني، تحكمهم نفس المبادئ ويتبعون نفس العقيدة ويرتضون بقائد منهم يثقون أنه يعبر عن هويتهم وإرادتهم، فبالتالي من البديهي أن تجد الشعب الياباني متناغم منسجم داخليًا مثل تروس الآلة التي تعمل بتوافق ناتج عن تشابه أسنان تلك التروس، ولا عجب أن ترى الشعب الياباني يخرج من الحرب العالمية ينفض الغبار عن ثوبه ويبدأ رحلة البناء وصناعة الحضارة بخطى واثقة وطمأنينة أنهم لن تخذلهم أصالتهم.

المكون الثاني الذي يأتي مثاله فى التجربة الأمريكية هو مكون المصلحة المشتركة، فإن لم يكن الداعم لتكاتف الشعوب هو اشتراكهم في نفس الأصل ورابطة العرق، حل محله رابط التضافر من أجل الحرص على المصلحة المشتركة، واستشراف المستقبل بنظرة ذكية من خلال رؤية تتحقق من خلالها مكاسب مشتركة للجميع، وتضمن مستقبل أفضل وأكثر إشراقًا للأجيال القادمة، حتى تستطيع تلك الأجيال أن تغير وجه الواقع بثقة وثبات غير عاديين، وهذا ما أثبتته التجربة الأمريكية خلال رحلة الشعب الأمريكي من العبودية والتخلف وغياب العدالة والتنازع والاقتتال، وصولًا إلى قمة بناء الحرية والتقدم والرقي والعدالة، مناخًا يضمن لأهله أقصى مكاسب على المستوى المعيشي والحضاري والإنساني.

أما إذا نظرت إلى أم الدنيا، أرض الفرص الضائعة، فلا تجد فيها فرصة لوجود أحد هذين المكونين، فمع توالي الحقب الاستعمارية على مصر، وكثرة الاحتلال واختلاط الأنساب، وذوبان الأعراق الأجنبية في النسيج المصرى، لم يبق عامل الأصالة متوفرًا، فلا تجمعنا نفس الرؤى أو الأهداف أو المبادئ أو العقائد، وبالتالي لا تحركنا نفس الدماء والحاجة، فتجد أممًا في ثوب أمة ممزق، نتج عن ذلك أنانية غير عادية لدى فئات الشعب، فأصبح كل فريق لا يرى إلا أهدافه ولا يدعم إلا أطماعه وطموحاته الخاصة أو من يحققها له.

أما المكون الثانى المتمثل في التكاتف من أجل المصلحة المشتركة، حتى ولو من باب الحرص على مستقبل الأجيال القادمة، فإني غير متفائل بتوفره في شعب كهذا، لا يعرف طريقًا للفكر، ناهيك عن نسبة الجهل التي ليست في صالحنا إطلاقًا،

لهذا أرانا لا نتفق.

The post لماذا لا نتفق!  appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست