عند كل ثورة أو انقلاب أو انتفاضة شعبيّة في الشرق العربي دائمًا ما تظهر الدول الغربيّة وفي مقدّمتها أمريكا بمظهر الصديق المتعاطف مع مطالب وحقوق الشعب العربي، واقفة إلى جنبه تدّعي دعمها له، والأخذ بيده، لحين وصوله إلى مقصده.
لكن هل هي حقًّا كذلك؟
هذا تمامًا ما حدث عند بداية القضيّة السورية؛ حيث أبدت أمريكا ثمّ الدول الأوروبيّة تأييدها للثورة السورية من خلال تأييدها للحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية.
لا تخفى على أحد التصريحات الأمريكية والأوروبيّة بتشجيع المعارضة السورية ودعم مواصلة أعمالها ضد النظام الإجرامي في سوريا حتّى أن أمريكا وبعض الدول الأوروبيّة أرسلت قوى ترتبط بها إلى قواعدها في البلدان المجاورة لسوريا لقيادة وتدريب المعارضة السوريّة.
من موقف أمريكا الذي اتسم بالغموض منذ بداية القضيّة السورية، تارةً تهاجم النظام الإجرامي بشراسة بتصريحاتها وتعلن تمسّكها بدعم المعارضة وتارةً تهدّد المسؤولين في النظام عن أعمالهم الإجرامية وتهدّد الحكومة السورية بفرض عقوبات سياسيّة ووضع قيود خارجيّة وتارةً تغيب كليّاً عن المتطورات في الساحة السوريّة كما في الفترات القليلة التي سبقت فوز ترامب.
إلى موقف الدول الأوروبيّة الذي غالباً ما نراه يسير وراء الموقف الأمريكي، حيث أبدى رغبته في تنحّي نظام الأسد عن الحكم في سوريا، وفرضت الدول الأوروبيّة عقوبات اقتصاديّة على نظام الأسد، وشيئًا من المقاطعة السياسية، بالإضافة إلى تقديم الدعم الإغاثي والمساعدات الإنسانية للمعارضة والشعب السوري.
فرنسا وضّحت أنّه من المستحيل التوصل إلى أيّة تسوية مع النظام المسؤول عن العدد الهائل من القتلى في سوريا ودائمًا ما نراها في الإعلام تحرّض على وقف الأعمال القتالية في سوريا والحثّ على إيصال المساعدات الإنسانية للداخل السوري.
أيضًا ألمانيا أخذت موقفًا معارضًا للتدخل الروسي في سوريا، وأبانت استعدادها لاستقبال اللاجئين السوريين وتقديم أي مجهود للتخفيف عن معاناة الشعب السوري.
ولبعض الدول الأوروبيّة كإيطاليا وبريطانيا واسبانيا مواقف مماثلة لفرنسا وألمانيا، لكن بصورة أقل وضوحًا أمام الإعلام العالمي.
جميع الدول السابقة بيّنت ضرورة القيام بعملية انتقال سياسيّة للحكم في سوريا، وأظهرت استعدادها لعقد المؤتمرات للبحث في وقف الأعمال العدائية كخطوة أوليّة والبدء بمفاوضات تقود للانتقال السياسي.
والجدير بالذكر لم تشهد القضيّة السوريّة تدخلًا عسكريًا لأي منها.
من جنيف الأول والثاني والثالث والرابع وجلسات مجلس الأمن الدولي إلى ميونيخ إلى الأستانة أخيرًا، ناهيك عن المباحثات الدوليّة في ملف القضيّة السوريّة، لا نرى إلا العجز الواضح في إيجاد حلول للأزمة السوريّة ولم نعايش إلا تفاقم الأوضاع في الدّاخل السوري وزيادة معاناة شعبه وتهجيره وتصاعد وتيرة العنف والإجرام، بل تفاقمت الأزمة لتصبح دوليّة يتنافس فيها كل من روسيا التي تريد الحسم لصالح الحكومة السوريّة وأمريكا التي تريد وضع الأزمة تحت قراراتها، بالرغم غموض مواقفها.
لا يمكنني الجزم إلا بأمرين اثنين، الأول هو خلبيّة مواقف الدّول التي تدّعي دعمها للقضيّة السورية، فلم نر مجهودًا حقيقيًا واحدًا يبذل في سبيل إنهاء الصراع الدائر في سوريا ومحاسبة الطرف المسؤول عن الأعمال الإجراميّة.
أمّا الثاني فهو ضعف موقف المعارضة الخارجيّة السوريّة في الآونة الأخيرة فبعد أن نجحت في جلب مواقف دوليّة تدعم القضيّة السوريّة أوائل انتفاضتها بدأت بشكل واضح تفقد تلك المواقف شيئاً فشيئاً وبعدها اقترابها من موقف سياسي مؤثّر في مجلس الأمن الدولي ثم غياب موقفها كليًّا.
السنة الفائتة الأخيرة للقضيّة السوريّة كانت مأساوية بكل المعاني فقد تم تهجير الآلاف قسرًا من أوطانهم، وارتكبت بحق الشعب السوري عدّة مجازر دمويّة لا إنسانيّة آخرها مجزرة الكيماوي في خان شيخون، وتصاعد التدخل العسكري الروسي مع ازدياد التواجد الإيراني في سوريا.
كلّ هذا وسط صمت دولي تام ممن كان – وما زال – يدّعي صداقة القضيّة السوريّة ودعم مطالبها وحقوقها الإنسانيّة ضد النظام الإجرامي وأعماله المشينة بحق الإنسانيّة.
لا .. عذرًا .. فالسياسة الغربيّة كشفت بنفسها كذب قراراتها وتذبذب مواقفها وخلبيّة عواطفها تجاه من يعاني الظلم والاضطهاد بشكل روتيني يوميًا، ولم يعد يكاد يوجد مسوّغ للتبجّح بالدفاع عن الإنسانيّة والكرامة والحريّة.
The post السياسة الغربيّة والقضيّة السوريّة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست