كثير منا لا يعرف العلاقة التي كانت تجمع نجيب محفوظ وسيد قطب ونشوب الاختلاف بينهما فيما بعد، أبحث في هذا المقال عن كيف تكونت العلاقة بينهما؟ وكيف انتهت باختلاف التوجهات الفكرية.
البداية
كانت مقالة نقدية كتبها الناقد سيد قطب عن رواية «كفاح طيبة» التي صدرت عام 1944 في لجنة «دار النشر للجامعيين» التي أنشأها عبد الحميد السلحدار عام 1913، وكانت تضم نجيب محفوظ، على أحمد باكثير، علي أحمد، عادل كامل، محمد عبدالحليم، أمين يوسف غراب، صلاح ذهني وسيد قطب.
أعلن فيها قطب – الذي كان يعده البعض في ذلك الوقت التلميذ الأنجب في مدرسة العقاد الأدبية- عن ميلاد روائي يملك ناصية الكتابة وتحريك الحدث الروائي باقتدار، وهذا ما أعلنه قطب في مقدمة مقاله حيث يقول: «أحاول أن أتحفظ في الثناء على هذه القصة فتغلبني حماسة قاهرة لها، وفرح جارف بها! هذا هو الحق، أطالع به القارئ من أول سطر، لأستعين بكشفه على رد جماح هذه الحماسة، والعودة إلى هدوء الناقد واتزانه. ولهذه الحماسة قصة لا بأس من إشراك القارئ فيها: لقد ظللت سنوات وسنوات أقرأ ذلك التاريخ الميت الذي نتعلمه في المدارس عن مصر في جميع عصورها، والذي لا يعلمنا مرة واحدة أن مصر هذه هي الوطن الحي الذي يعاطفنا ونعاطفه، ويحيا في نفوسنا وأخلادنا بحوادثه وأشخاصه، وظللت أستمع إلى تلك الأناشيد الوطنية الجوفاء التي لا تثير في نفوسنا إلا حماسة سطحية كاذبة؛ لأنها لا تنبع من صلة حقيقية بين مصر وبيننا، وإن هي إلا عبارات صاخبة، تخفي ما فيها من تزوير بالصخب والضجيج».
ويختم سيد قطب مقالة. «ولقد قرأتها وأنا اقف بين الحين والحين لأقول: نعم هؤلاء هم المصريون، إنني أعرفهم هكذا بكل تأكيد، هؤلاء هم قد يخضعون للضغط السياسي والنهب الاقتصادي، ولكنهم يهبون حين يعتدي عليهم معتد في الأسرة أو الدين هؤلاء هم المصريون الخالدون، هؤلاء هم ثقة عن يقين.
لو كان لي من الأمر شيء لجعلت هذه القصة في يد كل فتى وكل فتاة، ولطبعتها ووزعتها على كل بيت بالمجان، ولأقمت لصاحبها الذي لا أعرفه حفلة من حفلات التكريم التي لا عداد لها في مصر، للمستحقين وغير المستحقين.»
فسيد قطب كان من أكثر المتحمسين للتوجه الجديد في الكتابة عند محفوظ؛ فنراه ينشر مقالاً في مجلة «الرسالة» عن رواية «القاهرة الجديدة» لنجيب محفوظ مشيدًا ببنائها ويعتبرها فتحًا جديدًا في الرواية العربية؛ حيث يقول: «على النقد اليقظ، لولا غفلة النقد في مصر، أن يكشف أن أعمال نجيب محفوظ هي نقطة البدء الحقيقية في إبداع رواية قصصية عربية أصيلة ، فلأول مرة يبدو الطعم المحلي والعطر القومي في عمل فني له صفة إنسانية، في الوقت الذي لا يهبط مستواه الفني عن المتوسط من الناحية الفنية المطلقة، فهو من هذه الناحية الأخيرة يساوي أعمال توفيق الحكيم في التمثيلية».
كانت كتابات سيد قطب هي التدشين النقدي الأول لأعمال محفوظ، والتي وضعت النقاد في حرج؛ حيث إنها كانت سببًا رئيسيًا في شهرة نجيب محفوظ، وكان لها دوي كبير في عالم النقد، وكان قطب آنذاك نجمًا كبيرًا، وصاحب مقام رفيع في الكتابة الأدبية عمومًا، وله كتب أحدثت نقاشات واسعة على مستوى الحياة الثقافية المصرية والعربية، وكانت مقالاته اللافتة تملأ الصحف والمجلات، فمنذ بدايته القوية على صفحات جريدة البلاغ الوفدية، لم ينقطع عن الكتابة للصحف والمجلات المتخصصة مثل مجلة «الشئون الاجتماعية»، وغيرها، هذا فضلاً عن معاركه المدوية مع كبار الكتاب آنذاك مثل محمود شاكر، ومحمد سعيد العريان، وغيرهم، بالإضافة إلى أن المنبر الذي كان يكتب فيه سيد قطب، كان أعلى المنابر الثقافية والصحفية في ذلك الوقت، وهي مجلة الرسالة.
يقول الناقد رجاء النقاش في كتابة «في حب نجيب محفوظ»: «وكان أول ناقد عربي انتبه إلى أدب نجيب محفوظ هو الناقد الكبير الراحل سيد قطب»، وقال رجاء النقاش إن نجيب محفوظ نفسه يردد كثيرًا بوفائه المعهود والأصيل، أن سيد قطب هو أول ناقد يلتفت إليه وينتبه إلى أدبه.
كان نجيب محفوظ يتابع جيدًا ما يكتبه سيد قطب عن رواياته، حيث قال عنه مع رجاء النقاش: «ميز سيد قطب في تلك المرحلة تحرره وذكاؤه وموهبته الأدبية، خاصة أنه كان من تلاميذ العقاد المخلصين، والعقاد على ما أذكر هو الذي توسط لدى النقراشي باشا لإرساله في بعثة دراسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكنت أعده لسنوات طويلة من رواد الاستنارة والفكر الجريء المتحرر».
وكتب محفوظ مقالاً في مجلة «الرسالة» في عددها رقم 616 الصادر في 23 أبريل 1945 ناقدًا لكتاب قطب عن «التصوير الفني في القرآن»، وهو مقال أشبه بالرسالة الأدبية، بما يحمله من ود وتقدير وعرفان، جاء فيه: «قرأت كتابك «التصوير الفني في القرآن» بعناية فائقة؛ فوجدت فيه فائدتين كبيرتين: أولهما: للقارئ، خصوصًا القارئ الذي لم يسعده الحظ بالتفقه في علوم القرآن والغوص إلى أسرار بلاغته، بل حتى هذا القارئ الممتاز لا شك واجد في كتابك نورًا جديدًا ولذة طريفة، ذلك أن كتابًا خالدًا كالقرآن لا يعطي كل أسراره الجمالية لجيل من الأجيال مهما كان حظه من الذوق وقدره في البيان، فللجيل الحاضر عمله في هذا الشأن، كما سيكون للأجيال القادمة عملها، والمهم أنك وفقت لأن تكون لسان جيلنا الحاضر في أداء هذا الواجب الجليل الجميل معًا، مستعينًا بهذه المقاييس الفنية التي يألفها المعاصرون ويحبونها ويسيرون في وادي الفن على هداها ونورها، إن عصرنا من الناحية الجمالية عصر الموسيقى والتصوير والقصة، وها أنت ذا تبين لنا بقوة وبإلهام أن كتابنا المحبوب هو الموسيقى والتصوير والصورة في أسمى ما ترقى إليه من الوحي والإبداع، ألم نقرأ القرآن؟ بلى وحفظنا في زمن سعيد مضى ما تيسر من سوره وآياته، وكان ولا يزال له في قلوبنا عقيدة وفي وجداننا سحر، بيد أنه كان ذاك السحر الغامض المغلف، تحسه الحواس ويهتز له الضمير دون أن يدركه العقل أو يبلغه التذوق، كان كالنغمة المطربة التي لا يدرى السامع لماذا وكيف أطربته؟ فجاء كتابك كالمرشد للقارئ والمستمع العربي من أبناء جيلنا يدله على مواطن الحسن ومطاوي الجمال، ويجلي له أسرار السحر ومفاتن الإبداع، كان القرآن في القلب فصار ملء القلب والعين والأذن والعقل جميعًا.
ويضيف محفوظ: «أما أخرى الفائدتين: فهي لك أنت! لأن الكتاب في جملته إعلان عن مواهبك كناقد، إنك تستطيع أن تعبر أجمل التعبير عن أثر النص في نفسك ولا تقف عند هذا فتجاوزه إلى بيان مواضع الجمال في النص نفسه، وما يحفل به من موسيقى وتصوير وحياة، ثم تستنطق الموسيقى أنغامها وضروبها وتستخبر الصورة عن ألوانها وظلالها، وتستأدي الحياة حرارتها وحركتها ولا تقنع بهذا كله! فيقرن ذهنك بين النص والنص حتى تظفر وراء الظواهر بوحدة، وخلف الآيات بطريقة عامة تجعل من الكتاب شخصًا حيًا ذا غاية واضحة وسياسة بارعة وخطة موضوعة تهدف جميعًا إلى الإعجاز الفني، فتناله عن جدارة، فهذا ذوق جميل وتذوق عسير وفكر نفحة فلسفية.
والآن اسمح لي أن أوجه إليك سؤالاً وأن أسوق ملاحظة، أما السؤال: فإنك تحدثت عن التصوير والتخييل والتجسيم والتنسيق الفني وكل أولئك روح الشعر ولبابه قبل أي شيء آخر، أفلم يخطر لك أن تحدد نوع كلام القرآن على ضوء بحثك هذا؟
وأما الملاحظة: فعن الفصل الذي خصصته للنماذج الإنسانية، فقد وجدت فيما استشهدت به من آيات ما يعبر عن طبائع بشرية وسجايا نفسية لنماذج إنسانية، فالنموذج الإنساني بمعناه العلمي شيء أشمل من هذا، وهو قد يحوي الكثير من هذه الطبائع، كما قد يحوي غيرها، والمهم أنه يعرضها على نحو خاص يتفق مع مزاجه الأساسي، والنماذج الإنسانية محدودة المعرفة على اختلاف تقسيم علماء النفس لها، أما الطبائع فلا حصر لها فلعلك قصدت الطبائع لا النماذج.
هكذا كانت العلاقة بين نجيب محفوظ وسيد قطب، علاقة قائمة على فكر موضوعي، وفهم الأفكار وتحليلها من خلال نقاش قائم على جدل عقلي متوازن.
الاختلاف
كان الاختلاف بسبب التوجهات الفكرية لكل منهما؛ فسيد قطب انضم لجماعة الإخوان المسلمين واختلفت أفكاره وكتاباته عن السابق.
زار محفوظ قطبًا، وتحدث عن هذه الزيارة قائلاً: «ذهبت إليه رغم معرفتي بخطورة هذه الزيارة، وبما يمكن أن تسببه لي من متاعب أمنية، وفي تلك الزيارة تحدثنا عن الأدب ومشاكله، ثم تطرق الحديث إلى الدين والمرأة والحياة، كانت المرة الأولى التي ألمس فيها بعمق مدى التغيير الكبير الذي طرأ على شخصية قطب وأفكاره، لقد رأيت أمامي إنسانًا آخر حاد الفكر متطرف الرأي، ويرى أن المجتمع عاد إلى الجاهلية الأولى، وأنه مجتمع كافر لا بد من تقويمه بتطبيق شرع الله انطلاقًا من فكرة «الحاكمية»، وسمعت منه آراءه دون الدخول معه في جدل أو نقاش حولها، فماذا يفيد الجدل مع رجل وصل إلى تلك المرحلة من الاعتقاد المتعصب».
ويضيف محفوظ: «عندما سمعت بخبر اشتراك قطب في مؤامرة قلب نظام الحكم وصدور حكم بالإعدام عليه لم أتوقع أبدًا تنفيذ الحكم، وظننت أن مكانته ستشفع له، وإن لم يصدر عفو عنه فعلى الأقل سيخفف الحكم الصادر ضده إلى السجن المؤبد على الأكثر، وخاب ظني ونفذ حكم الإعدام، وبرغم الخلاف الفكري بيني وبين قطب، فإنني كنت أعتبره حتى اليوم الأخير من عمره صديقًا وناقدًا أدبيًا كبيرًا كان له فضل السبق في الكتابة عني ولفت الأنظار إلىّ، في وقت تجاهلني فيه النقاد الآخرون».
ولتأثري بشخصية سيد قطب وضعتها ضمن الشخصيات المحورية التي تدور حولها رواية «المرايا» مع إجراء بعض التعديلات البسيطة، ولكن الناقد المدقق يستطيع أن يدرك أن تلك الشخصية فيها ملامح كثيرة من سيد قطب.
يقول نجيب محفوظ: «إنه اليوم أسطورة وكالأسطورة تختلف فيه التفاسير، وبالرغم من أنني لم ألق منه إلا معاملة كريمة أخوية إلا أنني لم أرتح أبدًا لسحنته ولا لنظرة عينيه الجاحظتين الجادتين، وقد عرفته في صالون الدكتور ماهر عبد الكريم في أثناء الحرب العظمى الثانية، كان في الثلاثين من عمره يعمل مدرسًا للغة العربية في إحدى المدارس الثانوية، وينشر أحيانًا فصولاً في النقد في المجالات الأدبية أو قصائد من الشعر التقليدي، كان أزهريًا، لا علم له بلغة أجنبية، ومع ذلك أثار اهتمامي واحترامي بقوة منطقه وهو يناقش أشخاصًا من المعروفين بثقافتهم الواسعة واطِّلاعهم العميق على اللغات الأجنبية. وامتاز بهدوء الأعصاب، وأدب الحديث، فما احتد مرة أو انفعل، ولا حاد عن الموضوعية. فاقتنعت بحدة ذكائه، ومقدرته الجدلية، واطلاعه الواسع، رغم اعتماده الكلي على التراث والكتب المترجمة.
هكذا بدأت العلاقة، وهكذا انتهت، ولا يختلف كثيرون على مكانة سيد قطب ونجيب محفوظ، ولكل منهما توجهه الفكري، ولكن نرى جميعًا الفرق في التعامل مع سيد قطب ونجيب محفوظ؛ فالأخير يحظى بحفاوة عارمة، والآخر يستمر مسلسل التهميش عليه وعلى كتاباته وما أضافه، ويتم تشويهه في كل ذكرى تأتي له، ترى سيأتي اليوم الذي يأخذ فيه سيد قطب حقه في الحفاوة عما قدمه وأضافه إلى الفكر الثقافي العربي، أم سيستمر مسلسل التهميش عليه وعلى كل من يحمل فكرًا إسلاميًّا؟!
The post ما بين سيد قطب ونجيب محفوظ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست