منذ نعومة أظفاري، وبصفتي فتاة وُلدت للشرق الأوسط وبه، كانت دائمًا ما تتردد على أذنيّ تلك الكلمات التي تنمّ عن أني خُلقت ليفرحوا بي في بيت زوجي أو كما يطلقون عليه «بيت العدَل»، وللحق لست أعرف سرّ هذه التسمية، هل هي مشتّقةٌ من الاعتدال؟ حيث يَرَون أنه سبيل اعتدال أفكار وسلوك الفتاة، وهل يعني هذا أن الفتاة تظلّ مُعوجّة حتى يأتي الذي يجعلها تعتدل؟
كلما كان يتقدّم بيَ العمر كنت أتصادم مع حادثة من نوع غريب على عقلي وفطرتي، فتياتٌ تُقتحم طبيعتهن بمنتهى القسوة، يُقتحم كل ما يشير لأنوثتهن وكأنها وصمة عار، فمن اقتحام شعرها الذي يُقصّ كعقاب وحتى اقتحام فروجهن بختانٍ لسن في حاجة إليه وبطرق غير آدمية؛ حتى إنني أذكر حين سمعت تلك المرأة تقول إنه: «لو مقطعناش من البت حتّة، البت تجري ورا الجدع!» أهكذا يهون الجسد ويكون الحديث عنه كأنه جماد لجماد؟!
ثم أكبَرُ، وتنزع فتاة من صفنا الثالث الإعدادي انتزاعًا، لأنها ستتزوج! تتهامس الفتيات متعجّبات من حدوث ذلك، تمامًا كما تهامسن عن تلك الفتاة التي تمت خطبتها في الثانوية، كعادة الفتيات يحببن القيل والقال حتى لو كان في أمور شائكة تتعلق بالزواج والحب، مراهقات يهمسن بكلمات تتوهّج بها صدورهنّ، أتعجّب لماذا يتهامسن ويتساءلن؟ حدثتني أمي عن ذلك ولا أجد حرجًا في أن يعلمن! فتاة تعرف عن الحب والجنس في الثانوية؟ مستحيل!
هي نفس الفتاة التي قد يتم التحرّش بها، فتخاف لأنها لا تعلم، ولم يُتِح لها أحدٌ أن تعلم، ثم تتعلّم بلاجدوى لأن جسدها يظل مباحًا مهما تعلّمت لأنها فتاة، ولا يحقّ لها الحديث ولا البَوح لأنها أيضًا فتاة، وإن تحدّثت فهي عديمة الحياء كيف لها أن تقول ذلك بلا حرَج، رُغم أنها تكاد تذوب من فرط الاحتراق الداخلي لأن ما لها.. ليس لها!
حتى أعمارنا يريدون أن يسرقوها بالكامل، أو يسلبونها شيئًا فشيئًا، يقولون: «خلّصي جامعتك واتجوّزي عايزين نفرح بيكِ» وماذا عنِّي، وعن فرحتي؟ وأين أنا؟ ولمَ تُختزل الفرحة في الزواج فقط؟ نعم، هو فرحة لكنها ليست الوحيدة، كما سيكون فرحتي فقط حين أجد من يُكمل روحي، من يسدِل على قلبي أمانًا بعد خوفٍ منهم، ويُغشيني حنانًا، ويغمرني حياةً على الحياة. أريد رجلًا يفتخر بكينونتي ويتحلّى بثقة في نفسه تجعله يدفعني نحو طموحي دفعًا طالما أنّه لا يمسّ رجولته، نتبارى سويًا على طريق النجاح فيدفع كلانا الآخر دفعًا نحو هدفٍ واحد وهو «الجنّة».
وعند الجنّة، تقف طموحاتي عاجزة أمام المجتمع الذي يحاول أن يقيّد طموحي، أقولُ: «أريد رجلًا أنجب منه الفاتحين»، ويقولون: «وإيه يعني ما بيصلّيش ربنا يهديه على إيدك». أقولُ: «أريده خَلُوقًا يُعلّم الفاتحين أن الخَلُوق يجاور رسول الله في الجنّة»، ويقولون: «مفيش راجل مؤدب». أقولُ: «أريده أن يُسكرني حُبًا واحترامًا نتبادلهما في أيامنا وليالينا دون كلل»، فيقولون: «حتى لو شتمك بأهلك ما ترديش عليه». أقولُ وأقولُ وأقولُ، حتى يعجز لساني فلا أبرح أتجنّبهم حتى يتهامسون عن عمري الذي يمضي دون خطبة أو زواج!
ما لي وللناس؟ لكن الناس يرَون ما لي لهم! أنت تعيشين معنا، إذًا أنتِ مستباحة؛ عِرضك وملابسك وأفكارك، وطموحاتك، حتى طموحاتك ليست لكِ، فلا يجب أن يعلو طموحكِ فوق الزواج والإنجاب، وإلا فسيكون هذا سببًا كافيًا لأن تكوني «عانسًا»، فلن يقبل بكِ رجل. يعنون لن يقبل بي ذكرٌ، ولا يعلمون أنني لن أتزوج ذكرًا!
يريدون أن أكون مثلهم؛ أعيش حياتي بين الطعام والشراب وإنجاب مزيد من اللامُبالين، ولذلك فأيّ ذكر سينجح في تلك المهمة، لكنهم يتجاهلون حقيقة أني لن أنجب سوى خلفاء يؤمنون أن هذه هي رسالتهم في هذه الفانية، وأنه لن ينجب الخلفاء سوى رجل بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لأنه في الزواج لا يُمكن أن نتنازل عن أشياء مصيرية في عمرنا الآخر، وأبسط هذه الأشياء أن نكون مع رفقاءٍ للروح نشعر معهم براحة ولو مؤقتة في هذه الحياة الشّاقة الزائفة، لأن الرجال فقط هم من يستطيعون أن يجعلوا المرأة تتخلى عن الاعتماد على نفسها كالرجال، وتكون أنثى.
لستُ من الحقوقيات ولا من مناهضي الزواج – وللحق لو فعلت ما كنت لأطلب إلا حقوقًا كفلها لي ديني – لكن إن أردتم لنا اعتدالًا فزوجونا رجالًا، لأن القوامة فقط للرجال ولأن ليس كل ذكر رجلًا، ولأننا لن نتخلّى عن أحلامنا تلك.
ولأنه في بعض الأحيان «ما لا يُدرك كلّه، يُترك كلّه» قبل أن نُصاب بالخيبة وتُفنى أعمارنا في محاربة واقع بائس تورّطنا به بكامل إرادتنا، حتى إذا هممنا نفرّ، قالوا «مُطلّقة» لأن بها عيبًا، والعيبُ كل العيب بهم.
The post ما لا يُدرَك كلّه.. يُترَك كلّه! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست