الخميس، 4 مايو 2017

ثقفني اون لاين : السيسي وشيخُ الأزهرِ من الغَزَلِ إلىٰ العزل

الفارق بين الكلمتين في الإملاءِ نُقطه وفى المعنىٰ بونٌ عظيم وفرقٌ شاسِعْ، أُحدثكُم كأزهري نشأت فى الأزهر وترعرعت فيه، منذُ ستِ سنواتٍ من الآن تخرجتُ في الثانويةِ الأزهرية، كُنتُ في هذا الوقتِ حافظًا لكتابِ اللهِ، دارسًا لبعضِ الفقهِ والحديثِ والتوحيد والتفسير، مُتقنًا لعلمِ الفرائضِ – الميراث – بارعًا فيه، في حين كان غالبيةُ أقْرانى من ذوى التعليمِ العام لا يجيدون مجرد تلاوة بعض السورِ القصارِ في المُصحف دون أخطاء، بل كانت ترتعشُ أيديهم ويتصببُ العرق من جبينهم حين يُطلبُ منهُم التلاوةُ أصلًا، لايعرِفون عن دعاء الاستفتاح في الصلاةِ، ولا عن أحكامها وآدابها الشيء الكثير، لم يُفرقوا بين المندوب والواجب، ولم يميزوا بين المكروه والمُحرم، كانوا يُطلقون علي كُلِ درسٍ في المحفوظات سورة، فالحديث عندهم سورة، والنص سورة، والآية من كتابِ الله سورة، الفارقُ بين الطالب الأزهرى – المُتفوق – وطالب التعليمِ العام – المُتفوق – كالفارقِ بين السماءِ والأرض، وبالرغم من أنى لم أجدُ في الأزهرِ ذاتى، وبالرغم من أن المناهِج في أواخِرِ السنين كانتْ سطحيةً، لا تُحققُ رغبة معرفة، ولا تُشبعُ غريزة علمٍ، لكن كان لها دورها في تعليمك ما جهلهُ الكثيرون، كانت كافيةً لوضعك على بداية طريقِ العِلم الشرعي إذا أردت أن تستزيد…

في عام ١٨٠٧ م وقف الأزهرُ – كباره وصغارهُ – ضد الحملة الإنجليزية على مصر، وأفتوا بوجوب الجهاد، وقُتل من رجالِ الأزهرِ في هذه الحملة نفرٌ كثير، ثُمّ جاء نابليون بونابرت قائدًًا للحملةِ الفرنسية – والتى تُصنفُ اليوم وتُدرس لأبنائِنا على أنها حملةً استعماريه لها منافعها التى تفوقُ أضرارها – فقصف الجامع الأزهر والقاهرة من أعلى جبل المُقطم، ودخل رجاله الأزهر بأحذيتهم، ومنعوا رفع الأذانِ فيه؛ لعِلم نابليون بأهمية هذا الصرحِ ودورهُ فى الدفاعِ عن الدين والوطن، فأراد أن يتخلص منهُ كى يتحقق لهُ ما أراد، ولكن أنىٰ لرجالِ الأزهرِ أن يستكينوا؛ فقاوموا وحثوا الشعب على المُقاومة حتى جلت الحملة عن مصر، وكان قاتل كليبر يُدعىٰ سُليمان الحلبي، وقد درس فى الأزهرِ وترعرع فيه، اقرأوا فى مواقف الشيخ جاد الحق والمراغي وغيرهم، تعرفوا دور الأزهرِ، وقيمتهُ التى لا يُنكرُها إلا جاحد، الشيخُ المراغي الذي رفض إصدار فتوىٰ تُحرِمُ زواج الملكة فريدة من فاروق بعد طلاقِهِا منهُ، وقال لهُ: إن المراغي لايملِكُ أن يحِل ما حرمهُ الله، وعزل الملك فاروق الشيخ عبد المجيد سليم الذي انتقد أسلوبه وطريقةُ إدارته للبلاد، وقال لهُ: أتقتيرٌ هنا وإسرافٌ هُناك! ومع كُلِ احتلالٍ يأتى إلىٰ مصر، كان الأزهرُ ورجالهُ في مُقدمة الصفوف يُعلمون الناس دينهُم وينشرون روح الجهادِ، فكان لشيخِ الأزهرِ في قُلوبِ الناسِ تعظيمًا، ومكانةً أكبرُ من تعظيمِ الرئيسِ أو الملك.

أدركت الأنظمةُ الحاكِمة هذا الأمر؛ فحاولت السيطرة على الأزهرِ، وحاولت أن تضمن ولاءهُ وولاء شيخه، ولما فشلوا في ذلك، ألغوا نظام الانتخابِ وأقروا نظام التعيين، فصار شيخُ الأزهرِ يُعينهُ الحاكم، وصار سهلًا على النِظامِ التحكُم فيمن يأتي وفيمن يُعزل؛ فتغير الأمر، وبدأت فترة جديده فى تاريخ الأزهرِ، وبدأ النزيفُ الأزهري مُنذُ فترةِ طنطاوى، وإلىٰ يومِنا هذا فى مُحاباةِ السُلطةِ والوقوفِ إلى جانِبها، وليس بغريبٍ أن تعْلم أن أحمد الطيب كان عُضوًا في لجنةِ السياسات بالحزبِ الوطني، وكان سيد طنطاوى عُضوًا بنوادي روتارى الماسونية إيذانًا بالتزاوج السُلطوى الأزهري لأولِ مرة في التاريخ، كان لابد أن يُعزل الطيب مع عزلِ من عينه، لكن يبدو أن الثورة لم تصِل للأزهر وللأسف الشديد.

 في مشهد يناير ٢٠١١ خرج الطيب مُناديًا الناس أن الفتنة نائمة ولعن اللهُ من أيقظها مُحرِمًا الخُروج على مُبارك بصفتهِ الحاكِم الشرعي للبلاد، لكن الأمر اختلف كثيرًا في مشهد يونيو ٢٠١٣ وبعد عامين فقط، فإذ بهِ يعتبِر المُظاهرات والخُروج علي حُكمِ الإخوان أمرًا عاديًا لا ضير فيه، ثُم كان مشهد الثالث من يونيو وكان شيخُ الأزهرِ بعمامتهِ يُضفي على الأمرِ شرعيتِه باعتبارهِ أخف الضرري، ثُم انفرط العقدُ وظلت الأحداثُ تتلاحق، رجالُ الأزهرِ يكتبون الدُستور بتكليفٍ من الطيبِ، والطيبُ ورجالُ الأزهرِ يحُضون الناس علي المُشاركة في الانتخابات، لا يتوانون عن مُجاملةِ النِظام بمُناسبةٍ وغيرِ مُناسبه، حتى خرج علينا السيسي بذلِك المُصطلحِ الذي حير العُقول وأعجزها عن فهمِ المُرادِ من ورائه تجديدُ الخطابِ الديني.

يبدو أن الرجُل يُريدُ خطابًا دينيًا يتناسب مع خِطابِه السياسي الفذ، الرجلُ صاحبُ نظريةٍ عبقريةٍ يُريدُ من الأزهرِ العظيمِ تبنيها، الرجلُ يُريدُ تغيير أحكامٍ مُعينةٍ في الدين لِتتماشى مع دولتِهِ وطريقةِ حُكمه أو رُبما تحُل مشاكلهُ الشخصية، الرجلُ صاحبُ طريقةٍ في الاجتهادِ، تنصُ طريقتهُ على أن المعروف لدىٰ سيادتهِ عرفًا كالمشروطِ عند الناس شرطًا، فبدأ بالتغزُلِ مع شيخِ الأزهرِ قائلًا: أنا باحبك يا فضيلة الإمام، لكن الإمام لم يفهم الطلب ولهُ عذرهُ، فالسيسي لم يترُك أى مثال يتضحُ بهِ المقال!

كرر طلبهُ ثانيةً – وبالمثالِ هذهِ المرة – فأدلىٰ بدلوهِ في أن الطلاق لايقع إلا أمام المأذون، وطلب من الأزهرِ إقرار ذلك، فرفض الأزهرُ الأمر، واجتمعت لجنة الأزهر بقيادةِ شيخ الأزهرِ ووجدوا أنهُ لا تجوزُ مُجاراة الرجُلِ إلىٰ ما أراد، وأن الحرام البينِ الذي شرحوه آلاف المراتِ لطلبتِهم لا يُمكِنُ أن يُحلوه اليوم، كما لا يُمكِنُ للأزهرِ الصمت عن التجاوز على كُتُبِ التُراث والصحابة والتابعين، ولا عن حلقات مناقشةِ حُكمِ الحِجابِ أو اللحية التى تحاول هدمهما ووصفهما بالرجعية والتخلف، ولا عن أى أمرٍ يتعلقُ بالإسلامِ بصفة الأزهر هو المؤسسة التى لابد أن يُرجعُ إليها في كُلِ ذلك، وهُنا كان مُفترقِ الطُرُق للرجُلين اللذينِ طالما اتفقا.

كانت أحداثُ التفجيراتِ الأخيرة في كنيستي طنطا والإسكندرية خير مُبررٍ للهُجومِ علىٰ الأزهرِ، فترك الكلُ التقصير الأمني الواضح وصبوا على الأزهرِ حنقهُم وغيظهُم، وزعموا أن الأزهر بات عاجِزًا عن مُواجهةِ التطرف، بل ظهرت بعض الألسنةِ النشاز التى تقولُ إن الأزهر أصل التطرف، ولو كان الأزهرُ أصل التطرُف لماذا أشركتموه في بيان الثالث من يونيو، ولماذا صبرتُم عليه كُل هذا الوقت، وصل الأمر إلى سب الطيبِ بأُمهِ فى بعض وسائل الإعلام وسن قانون يُناقشُ في البرلمان يطالب بإلغاءِ الجامعة وعزل الشيخ، ليغضب الأزاهرةُ من ذلك ويثوروا ويعترضوا فيُكتفى فيما بعد بعزلِ الشيخِ وتعيينِ غيرِه والإبقاءِ على الجامعة وسط تصفيقٍ من رجالاتِ الأزهرِ ظانين أنهُم حققوا إنجازًا، والحقُ أنهُ ما تحقق إلا ما أراد العسكر، لكن بطريقةٍ ذكيةٍ، هُنا كانت نهايتُه ونهايةُ عصرِهِ، آن الأوانُ لنجمِ الطيبِ ورجالِهِ أن يفُل ويلمعُ نجمٌ جديد لأُسامة الأزهري ورجاله الذين أظهروا طيلة الفترة الماضية استعدادهُم لتبني النظرية الفذة للحاكمِ الفذ، ليصِل إلى ما أراد من هدمٍ للإسلامِ بهدمِ أحكامهِ وتجرؤ – الناسِ – علي تُراثِهِ وتجريدِ الأزهرِ مِنْ علمه وتسييرهُ وفق الهوى والطلب، ليُحقق الرجُل أحلامهُ وأحلام الغربِ من ورائه في وجودِ الأزهرِ دون إنكارٍ أو رفض، ليُجدد الخطابُ الديني أو يُجدد الدين نفسهُ بمعنىً أصح.

 وفى كُلِ ما ذكرت عظاتٌ وعبر لكُلِ مُنافقٍ للسُلطةِ مُجامِلاً لها علىٰ حِسابِ دينهِ ومبادئهِ، هم معك طالما كُنت تُنفذُ لهُم كل ما أرادوا، ولو عارضت فى تفصيلةٍ واحده من أمرٍ واحد لكان مصيرُك كمصيرِ الطيبِ ومصيرِ القُضاة الذين خطت أقلامهُم أحكامًا ظالمة بآلاف السنين ثُم كانت نهايتهُم كما ترى فى هذهِ الأيام، فليرجع كُل منافقٍ لهُم طواعيةً قبل أن يرجِع وقد فات الأوان وخسِر العسكر وخسر الناس وخسر الدُنيا والآخره ذلك هو الخسران المبين، فالمصالِحُ لا تتفقُ إلىٰ الأبد.

وهُناك نُقطةٌ قد نغفلُ عنها، لم يفعل الطيب ما فعل نُصرةً للدينِ أو إعلاءً للحقِ؛ فقد خانهُما كثيرًا، لكِن الرجُل علِم أنهُ إن وافقهُم على ماطرحوهُ من اجتهاداتٍ؛ سيفتحُ الباب للتدخُل أكثر وأكثر فيما هو قادِم؛ مما يُضعِفُ من شكل الأزهرِ ويُقلل من قيمتهِ، وبالتالي من قيمة مسئوليه وأموالهم، فظهر الرجُل في ثوب المُدافعِ عن الدين، ووجه كلمات قوية أمام بابا الفاتيكان، لكنها جاءت مُتأخرة دفاعًا عن منصبٍ وقيمةٍ دُنيوية، ولا شيء سواها – فلايخدعنكُم أمره ولاتنجروا للعواطف- وانظروا إلى مستجدات الأمور تفهموا كل شيء ، أين كان الرجل من سنين !

*أما عن -الأزهرِ- فرغم كل التهميش وكُل الفساد لايزالُ يُخرجُ لنا رجالاً لا يخافون الا الله حاملين رايات الوسطية الصحيحة مُدركين دورهُم فى عمارةِ الأرضِ وتعليمِ الناسِ وفق المنهجِ الذي شرعهُ اللهُ يوم قال “اليوم أكملتُ لكُم دينكُم وأتممتُ عليكُم نعْمتى ورضيتُ لكُم الإسلام دينا”يجأرون بالحق وبصحيحِ الدينِ فى كُلِ وقتٍ وحين ، مُنكرين علي داعش ومن معهُم تشدُدهُم وافتراءهُم علي الدينِِ ، مُستمسكين بِكُلِ أملٍ متطلعين ليومِ الخلاصِ ، وابحثوا عن هذهِ النماذج تعرِفوا أن الأزهر لايزالُ بخيرٍ وطلابه الذين سطروا الملاحم لايزالوا بخير مهما فعلوا ومهما نصبوا عليهِ من الخونة المُتآمرين ، وسل نفسك سؤالاً لا أُريدُ جوابهُ إن كان فى وجودِ الأزهر وكل يومٍ نرى طعناً فى البُخارى ومسلم وأحاديثاً عن هدم الحِجاب واللحية وتسوية المرأة بالرجُلِ في الميراث فكيف ولو غاب الأزهر عن المشهد ، ان كان في وجودِ كُلِ هذا التهمييش لايزالُ أزاهِرةً يصدعون بالحقِ ويوقفون هؤلاء عند حدهُم فكيف سيكونُ الحال لو انصلح الأزهر ؟

الأزهرُ يحتاجُ إلىٰ ثورةٍ علي قياداته كما يحتاجُ الوطن لثورةٍ علي حاملى مشروع اعدام الإسلام ِ ، ثورة إصلاحٍ شاملٍ لا انقلاب هدمٍ كالذي يحدُثُ الآن ، ثورة تُعيدُ أمجاد الأزهرِ وتُعلي من شأن رجالهِ وتحميهُم وتحمي الإسلام لاثورةً تأتى بأسامة الأزهرى ورجاله كنُقطةٍ أولى والقادمُ أدهىٰ وأمر ..أنقذوه والوطن قبل فواتِ الأوان ، فليس مثل الأزهر شيء ولا يقارن الأزهر بشيء ولن نعرف قدره الا اذا ضاع كما يخطط له ، ورحم الله من قال :-

ألم تر أن السيف ينقُصُ قدرهُ * إذا قيل أن السيف أمضىٰ من العصا

السيد محمد عوض … طالب بكلية الطب 

The post السيسي وشيخُ الأزهرِ من الغَزَلِ إلىٰ العزل appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست