تعيش الأمة الإسلامية متغيرات متسارعة، وتواجهها تحديات كبيرة جدًا، أخطرها الانحصار الثقافي الذي يشكل خطرًا على تاريخها ماضيها وحاضرها، خاصة قضية تحرير بيت المقدس، في ظل تهويدها بوتيرة متسارعة وفق مخططات سياسية صهيونية تهدف إلى تزوير التاريخ والآثار والمعالم والجغرافية وحتى الإنسان، وأخطر هذه السياسات تهويد التعليم؛ بتحويل المناهج من مقدسية إلى مناهج صهيونية صرفة، وتحديدًا ما يتعلق بالهوية المقدسية، في محاولة جادة ومدروسة لتزييف الوعي المقدسي وزرع قيم تخدم الصهيونية.
في ظل هذا الانحصار الثقافي عانت الأمة نكبة معرفية خطيرة جدًّا في قضية بيت المقدس، سببها البعد المعرفي وإغفالنا له، وتوجيه كل تركيزنا إلى الجانب السياسي والعسكري وخاصة الجانب الإغاثي، وهذا ما شكل منعرجًا خطيرًا على عقول الأجيال السابقة واللاحقة منها. حتى أصبح الكثير منا يستخدم مصطلحات بديلة عن ثقافتنا وتاريخنا، وللأسف أصبحت جزءًا من منظومة لغتنا، ومن يتكلم بغيرها يصبح حديثه مستهجنًا عند الكثير. والسبب في هذه النكبة هو انشغالنا بنكبة التهجير وإغفالنا عن نكبة التجهيل، في ظل انحصار حضورنا المعرفي وشهودنا الحضاري وغيابنا الأكاديمي من جهة، ومن جهة أخرى تحريف الصهاينة وتزويرهم لكتاباتهم بهدف إضافة شرعية تاريخية للسيطرة على بيت المقدس بإظهار يهوديتها، وعرض وجهات نظر أحادية متعصبة، وإبراز المكانة اليهودية لبيت المقدس، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على محاولتهم لإكساب دولتهم المزعومة الشرعية في السيطرة على بيت المقدس دائرة الصراع العالمي وما يحاك لها من مؤامرات متتالية قد جعلتنا نبحر بعيدًا في صراعنا مع الصهاينة عن حقيقة الدائرة ومركزيتها بالنسبة للعالم العربي والإسلامي.
هذه النكبة تتطلب منا التخطيط وفق رؤى مدروسة وممنهجة لأجل محو الجهل الذي عمدت إليه الكثير من المؤسسات بقصد أو بغير قصد، من خلال تمييع القضية واللعب على تزوير التاريخ وفق أساليب يجهلها الكثير منا، خاصة استبدال المسميات بأخرى مما أدى إلى ترسيخها في عقولنا، وأصبحت الثقافة التغريبية جزءًا من ثقافتنا،
وحال بيننا وبين مسمياتنا حاجز عازل على تصحيح تلك المسميات واستبدالها بما علمنا إياه رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وتبعه الصحابة من بعد – بيت المقدس وليس القدس-.
لأجل تحقيق هذه الرؤى، قامت مشاريع فكرية عملاقة متوجهة نحو التراث، تبحث عن مواده وتنقب وتفكك في أرضيته، وتحلل في أفكاره، وقد تنوعت في مناهجها المتبعة ومبادئها التي أسست لأجلها ونتائجها وما توصلت إليه من نتائج. ووفقًا لهذا الواقع الأليم تم تأسيس أهم مشروع معرفي لبيت المقدس وحقله دراسات بيت المقدس
لمؤسسه البروفيسور عبد الفتاح العويسي، صمم ليكون مشروعًا معرفيًا حضاريًا أكاديميًا فكريًا ثقافيًا بامتياز، لاستكشاف بيت المقدس وتقديمه والتعريف بحقله المعرفي الجديد، وللمساعدة على فهم الحاضر وتفسيره واستشراف المستقبل. هذا الحقل يفي باحتياجات المهتمين لاكتساب المعرفة الصحيحة عن بيت المقدس، والمهتمين بالتخطيط
للمستقبل وصناعة التاريخ لأمتنا.
هذا المشروع رائد وضعنا على ثغرة من ثغور الأمة، ألا وهو الثغر المعرفي لقضية بيت المقدس، بعد النكبة المعرفية التي نعيشها، واختيار الثغر المعرفي كمنطلق للرباط على بيت المقدس يعد نقطة اختيار مهمة على اعتبار أن ميدان العلم
والمعرفة والفكر هو أساس المنطلق لأي حركة تغيير تاريخية، من خلال دراسة تاريخنا العربي والإسلامي وفهمه، للتوصل إلى نماذج ونظريات تخدم واقعنا المعاصر من خلال الإحساس بضرورة دراسة تاريخنا بشكل عام وبيت المقدس بشكل خاص.
كما اعتمد المشروع فلسفة لا شيء مستحيل، وكبديل لتشتيت الجهود والوقوع في شرك الاستجابة لأطروحات الآخرين والانشغال في – رد الفعل – يتبنى سياسة – صنع الفعل – بدل – ردة الفعل – من خلال طرح أجندة آلية جديدة تقوم على منهجية الحوار البناء بين العلماء في العديد من الفروع المعرفية، وانطلاقًا من مقولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه– أنت على ثغرة من ثغور الإسلام فلا يؤتين من قبلك، التي تدعو إلى التخصيص والتكامل والتعاون ضمن منهجية إعداد الأمة معرفيًّا – المعرفة تقود التغيير والتحرير– لأن الجهود المعرفية قد لعبت في الماضي دورًا محوريًا بالإعداد للتحرير لبيت المقدس وفق تهيئة معرفية منظمة ممنهجة، ولنا في التاريخ خير المثال على الفتوح السابقة، من إعداد النبي – صلى الله عليه وسلم- للصحابة رضوان الله عليهم، إلى إعداد عمر بن الخطاب للتحرير في الفتح الأول، وما حدث في زمن الحروب الصليبية عندما بدأ الإعداد المعرفي للتحرير من عماد الدين زنكي، مرورًا بنور الدين وصولاً إلى صلاح الدين الذي تم التحرير الثاني على يده بعد إعداد معرفي أسس له من عهود قبله.
إن الإعداد المعرفي لأي جيل تحرير يحتاج إلى منطلق فكري جديد، قائم على أهم المرتكزات الأساسية تجاه القضية المحورية للأمة، وكيف يمكن التخطيط للمستقبل لأجل تحقيق التحرير «فتح بيت المقدس». من خلال تدريبهم على إمكانية فهم الحاضر واستشراف المستقبل، من خلال إلمامهم بالأدوات والأساليب التي يمكن استخدامها في التخطيط للمستقبل، وإن التاريخ بماضيه وحاضره، فهو اللبنة الأساسية لوضع أي مخطط كان لأجل العمل على تأهيل وتأطير الأجيال اللاحقة معرفيًّا.
The post الإعداد المعرفي لتحرير بيت المقدس.. المعرفة تقود التغيير والتحرير appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست