الخميس، 4 مايو 2017

ثقفني اون لاين : ليسوا أرقامًا

هات قلمك ولنرسم صورة، ضع فيها ما تحب، ضع فيها مكانًا للجامعة، مسجدًا، شارعًا، بيتًا، أشخاصًا. ضع ما تريد ولكن على هامش هذه الصورة ضع سجنًا،أسوارًا رماديةً عالية،أبراج مراقبة نزينه ببعض الأسلاكِ الشائكة ولا مانعَ لبعض المدرعاتِ والجنودِ حولَ أسواره، ولا تنس الطوابير التي ارتصّت أمامَ أبوابِه تنتظرُ إذنًا بالدخول. 

ينتظرون فتحَ بوابةٍ تفصلُ بين عالمين، عالمٌ نحياه وعالمٌ تنقصه الحياةُ، فالسجنُ حقيقة ليس محضَ أسوارٍ وقضبانٍ ولكنه اقْتِئَابٌ لحقٍّ منحه الخالقُ لمخلُوقِيهِ بالحريّة والعيْش، والأسوار الرمادية ليست حدًّا لبنايه ولكنها حد يقطعُ دابرَ الأملِ في الحياة.

في السّجن شابٌ كانت له أحلامٌ وردية، له أبٌ وأمٌ لم يرقَأ لعينِهما جفن؛ حزنًا على فراقِه، وله أخٌ وأختٌ يذكرانه ليلَ نهارٍ لعلهم يحيون شيئًا من ذكرياته، ومحبوبةٌ تجدّد عهدها بانتظاره، لم يُبالوا بهم جميعًا وأودعوه في زنزانته.

في السجن آباءٌ يتّمت أبناؤهم ورمّلت نساؤهم وهم على قيدِ الحياة، لا أعلمُ كيف لإنسانٍ أن يمنحَ نفسه حق منح الحياةِ والموت؟!

أليس هناك من هم أحقّ من هؤلاء الأطهار ليقْبعوا وراء تلكَ الأسوار؟ ولكنهم بدلًا من ذلك يقْبعون في حللٍ رسميةٍ وحفاوةٍ لا تنتهي، يجورون على حق الخلق في الحياة، ولا نجدُ من الناسِ في ذلك إلا تعظيمًا وإجلالًا؟!

هل قُدّرَ للموازينِ دائمًا أن تُقلب؟! وصوتُ الحقِّ دائمًا أن ينخفض؟! أمَا من استثناء يدْحضُ زيْفَ هذا الواقعِ الذّميم؟ تساؤلاتٍ وتساؤلات لا أجدُ لها جوابًا إلا في عيْنِ هؤلاء المساجينِ الأحرار، والأطفالِ الكبار، والنساء الرجال يقضي ذووهم أيامًا يُعدّون تخيلًا لجَلستهِم التي عادةً لن تَطول فهي في أحسنِ الظروف لا تَتَعدى الساعة أو ربّمَا أقل، ربّما تَمتلئ القاعةُ بالزائِرين، أو حُقّ أن تَقول بالعاشقين  المتَلهف كل منهم للآخر فهُو لا يرى إلا هُم وهم لايرَون إلا هو، يقضُون أيامًا يتواصون بالثّبات ويحفظون لكلماتِ رفعِ الهمَمِ وبثّ الأمَل علّهم يُخبروهُ بها فتُعينه على ضِيق زنزانتِه  و تذكّره بغايتِه، ولكن على العكس من ذلك بالرّغمِ من كل هذا تَرى ثَغرهم الباسِم وصوتهم الواثِق وكأن هذه الأسوار وتلكَ القُيود لم تقيّدهم، وإنّما وُضِعت في قُلوبنا وعقُولنا.

بالرّغم من أنّ زنزانتهم الضّيقة لا تتسع أفقًا لأنفاسِهم الحرّة، إلا أنّك ترى لسانَ حالهم يردّدُ قولَ الشاعرِ الأردنى أيمن العتوم:
                                                                           أَفِرُّ مِنَ الـمَمَاتِ إِلى الـمَمَـــــــــــات

                                                                            وَأَعْلَمُ أَنَّ حَتْفِي في حَــــــــــــــــيَاتِي

وَأَحْفِرُ مِــــــنْ تُرَابِ الـحَرْفِ قَـبْـرِي

وَأَحْـمِلُ بَـيْـنَ أَفْكَارِي رُفَــــــــــــاتِي

وَأَهْلِكُ دُوْنَ رَأْيِي وَاعْـــــــــــتِـقَادِي

لِكَيْ أَنْـجُو فَفِي هُـلْكِي نَـجَـــــــــاتِي

ربّما قيّدُوا الجَسَد ولَكِنّهم عجَزوا عن تقييد تلكَ الروح ونزعِ تلكَ البذرةِ التى زُرِعَت في القلوبِ والعُقول، فلا يُزيدَها بطشُهم إلا ثباتًا وقوةً وتأصيلًا،فالفِكْر أبدًا لايموتُ بالرّصاص واليقينُ لا يُبدّلُ بالكذبِ والافْتراء،ما كان الحقّ بالكثرة والنصر بالعدّه ولكنّه نصرُ الله يؤتيه من يشَاء،لهذا ستظلّ بذورُهم تكبر وبذور سجّانِيهم مُعلّقة في الهواء.

«وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ». 

The post ليسوا أرقامًا appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست