البؤساء والكادحون والأغبياء هم من يستيقظون باكرًا قبل أن يأذن الإله للشمس بالشروق.
فرضت عليّ ظروف الزمن الجائرة دائمًا، أن أستيقظ باكرًا حتى قبل أن يصيح الديك الذي لم أفهم لليوم، هل كان فعلًا يوقظ الناس معلنًا بذلك بداية صباح جديد، أم أن أجدادنا لم يكونوا يتبينون الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
كانوا دائمًا يرددون «الفياق بكري بالذهب مشري»، مثل يشعرني بالضحك والسخرية، إنه ميكانيزم دفاعي طورته «أنا» أجدادنا لإضفاء المتعة المزيفة على بؤسهم الصباحي الذي يقضونه في تقليب الأرض وتنقيتها من الأحجار، والسقي وإطعام الخراف والنعاج والدجاج والأرانب…
أي صباح هذا الذي يقال عنه ذهب!
أدركت أشياء كثيرة في هاته المدة التي استيقظت فيها باكرًا، وبملاحظات متتالية، تبين لي أن الكادحين هم من يستيقظون باكرًا. أشعت أغبر، وقف بجانبي، وجه عبوس قمطرير، حذاء مرقع، أسمال بالية.
أصبحنا وأصبح الملك لله…
كل صبيحة أمرّ بجانب سيارة فارهة، أتساءل لماذا لا يستيقظ صاحبها في الوقت الذي يستيقظ فيه صاحب الوجه العبوس الذي ينتظر معي الحافلة. ليس من المغضوب عليهم ولا من الضالين حتى يستيقظ مع الديك الذي لم يعد هو الآخر كما كان في زمن الأجداد، إنه يستيقظ عندما أعود للمنزل على الساعة الواحدة بعد الزوال، إنه الوقت الذي أجده فيه دائمًا يمتطي سيارته لوجهة لا يعلمها إلا هو.
أقول له في نفسي «صحتين عمو».
ديكارت كان يكره الاستيقاظ باكرًا، بل كانت له طريقة فريدة في دراسته، فقد سمحت له عبقريته ومواهبه الملحوظة أن يحظى بامتيازات داخل مدرسته، حيث سمح له أن يدرس بطريقته الخاصة، فقد كان يقوم بأعماله الهامة وهو مضطجع في الفراش صباحًا، وهي عادة رافقته طوال حياته حتى ذهب إلى السويد وهناك ستتغير أموره لما غير عادته، يقول ديكارت إنه يستطيع بتلك الطريقة أن يهضم أفكاره بعمق أكثر، ويصل للوضوح والتميز.
وأكدت دراسات أن العباقرة يحبون النوم وعدم الاستيقاظ حتى وقت متأخر، وما من أحد يشك في عبقرية ديكارت وذكائه.
سنقلب المعادلة ونقول إن الأغبياء هم من يستيقظون باكرًا، فكما قال فرانز كافكا «هذا النهوض الباكر من الفراش يجعل المرء أبله تمامًا إن الإنسان ليحتاج إلى رقاده».
سقراط حتى في أحلك ظروفه كان مستمتعًا بالنوم، ففي محاورة أقريطون، وهو صديق سقراط وأحد أتباعه، جاء عنده متسللًا للسجن واقترح عليه الهرب، والمحاورة تحكي رفض سقراط الهرب كعبد خسيس وأن يواجه الشر بالشر والظلم بالظلم.
ما يهمنا هنا أن أقريطون انتظر كثيرًا بعد وصوله باكرًا للغرفة التي يواصل فيها سقراط تأملاته منتظرًا إعدامه، لقد انتظر أقريطون حتى يستيقظ سقراط الذي كان يغط في نوم عميق، لما استيقظ سقراط ووجد أقريطون، سأله: لماذا لم توقظني يا أقريطون على الفور بدل أن تجلس إلى جانبي في صمت؟
فرد عليه أقريطون قائلًا: لقد قصدت قصدًا ألا أوقظك حتى تمضي وقتًا في أكبر متعة ممكنة.
بعد ذلك بقليل يقول سقراط لأقريطون: ربما كان من المناسب أنك لم توقظني.
لماذا يا سقراط؟ لقد رأى النبي سقراط حلمًا، وما حلم الأنبياء بحلم إنه حقيقة.
يتساءل أقريطون: ماذا كان الحلم إذن؟ سقراط يجيب: تهيأ لي أن امرأة جميلة حسنة الهيئة، مرتدية ملابس بيضاء، تقترب مني وتناديني وتقول: «يا سقراط، أيام ثلاثة وإلى فيثيا الخصبة تأتي».
كلما خرجت باكرًا، أجد شاحنة يتكدس بداخلها مئات العمال، من كلا الجنسين، وجوههم تنم عن البؤس والقهر، أي ذهب هذا سيجنيه هؤلاء باستيقاظهم باكرًا، الظاهر أنهم متجهون إما لمعمل أو لضيعة فلاحية، وفي كلتا الحالتين لن يجنوا سوى دريهمات لا تساوي ما بذلوه من جهد، الباطرونا هي التي تجني الذهب، إنهم لا يستيقظون باكرًا، لو استيقظوا باكرًا فإنه يوم استثنائي لمزاولة رياضتهم المفضلة، أو لإخراج كلبهم للتنزه.
الكادحون، البؤساء هم من يستيقظون ولا يعرفون ليلهم من نهارهم، روبوتات تعمل وتأكل وتتناسل. الحياة هي كذلك بالنسبة لهم.
لما استيقظ ديكارت باكرًا وغير عادته، مات. فبعد أن دعته «كريستينا» ملكة السويد الشابة إلى بلاطها ليقدم لها دروسًا في الفلسفة، سنة 1649، واختارت الملكة الساعة الخامسة من كل صباح موعدًا لتقديم الدروس. لقد كان الفصل شتاء والبرد جد قارس، فأصيب ديكارت على أثر استيقاظه المبكر ببرد شديد في رئتيه، توفي على أثره بعد ذلك بسنة أي في عام 1650.
The post حديث في النوم appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست