الاثنين، 1 مايو 2017

ثقفني اون لاين : سوريا .. هل تقبل القسمة على اثنين؟

مدجّجًا بسلاحه وعتاده جاء الكوبوي الأمريكي، ممتطيًا صهوة الرّياح ليستقر هنا في الشمال السّوري. بعد أن وجد، بل صنع لهُ حلفاء محليين – قوات سوريا الديمقراطية – ليقوموا بعمليات قتالية متنوعة من إنزالٍ جوي إلى نشر بطاريات صواريخ، وليس إنتهاءً بإنشاء قواعد عسكرية، لا أحد يدري إن كانت مؤقّتة أم دائمة.

ويقابلُ هذا المشهد وبشكلٍ مماثلٍ تقريبًا مشهدٌ آخر في بقعةٍ سوريا أخرى، هناك في الساحل السّوري خصوصًا، والغرب السّوري عمومًا، حيثُ سكن الدُّبُّ الرّوسي غابات اللّاذقية وجبالها فانطلق من قاعدة حميميم، لتصل مخالبهُ حتى ريف حلب الشمالي، وتحديدًاً في مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية.

أمّا في المنتصف فهناك يقبع من يبقى عليه الرّهان، ألا وهو تنظيم داعش الإرهابي الّذي اتخذ من مدينة الرّقة عاصمة له وامتدّ حتى دير الزور وريفها. قد يبدو كل هذا السيناريو شبيهًا بسيناريوهات الأفلام، لكنه في الواقع غير ذلك أبدًا فهي قصة سوريا التي بدأت في عام ألفين وأحد عشر، ولن تنتهي قريبًا فيما يبدو. ليس التشاؤم هو ما يستدرجنا نحن السوريين إلى جحره ليسيطر علينا، لكنها الوقائع والمعطيات اليومية، التي تدعونا لقول ذلك، فبالنظر إلى حجم الخطط الموضوعة والقوات الموجودة على الأرض نرى كلًّا من الولايات المتحدة وروسيا يسابقان الزّمن للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي السورية.

كلاهما بحجة دحر الإرهاب، وكلاهما عبر حلفاء محليين ووكلاء إقليميين، فواشنطن التي تدعم قوات سوريا الديمقراطية المكوّنة من مقاتلين أكراد وعرب استطاعت من خلال هذه القوات السيطرة على نحو عشرين في المائة من مساحة سوريا، كما استطاعت هذه القوات محاصرة تنظيم داعش الإرهابي وقطع طرق إمداده في الشمال، خاصة بعد السيطرة على مطار مدينة الطبقة وسدها، وهما نقطتان استراتيجيتان في معركة الرقة، وكخطوة استباقية أعلنت قوات سوريا الديمقراطية إنشاء مجلس مدينة الرّقة المدني.

وتتمثل مهمة المجلس حسب المصادر المعلنة في إدارة مدينة الرقة والإشراف على الخدمات وتنظيم المعيشة فيها، وفق إدارة محلّية شبيهة بالإدارة الذاتية في المناطق الكردية. ليكتمل مشهد خارطة النفوذ الأمريكي في سوريا وليتبعها، بل يسير بشكلٍ موازٍ لها خارطة النفوذ الروسي، الذي تتجول قواته في حلب، وبدأ ينشأ له قاعدة في مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية، وعبر معارك الكر والفر التي حصلت في مدينة تدمر، ومرورًا بالحملة الجوية العنيفة التي تطال ريف حماة، وليس انتهاءً بصفقة المدن الأربعة – كفريا الفوعة والزبداني مضايا – وكل عمليات التهجير التي حصلت في ريف العاصمة دمشق؛ لتتبلور بذلك ملامح الصفقة الكبرى الأمريكية الروسية، خاصةً بعد زيارة وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون لموسكو، بالرغم من ضربة الشعيرات الأمريكية.

 وبالرغم من كل النقد الروسي للضربة بدت موسكو مهتمة كثيرًا لتلك الزيارة التي ذكرت تقارير صحفية مقرّبة من الكرملن بأن تيلرسون قد أبلغ الروس صراحةً عن تشكل قناعة كاملة لدى البيت الأبيض بأن حكم عائلة الأسد شارف على الانتهاء. لكن لابد لنا من الاعتراف أنه لا أفق قريب للحل في سوريا، ولا مسار سوف يسبق مسار معركة الرّقة.

أما طبخة مصير الأسد فيبو أنها تحتاج نفسًا أطول من ذلك، وقد أكّد تيلرسون ذلك حين قال: نريد عملية انتقال سياسي ممنهجة ومنتظمة، كل هذا المشهد، وكل تلك المؤشرات تؤيد نظرية تقاسم مناطق النفوذ في سوريا بين القطبين الأمريكي والروسي والحلفاء والوكلاء سيلعبون الدور الأهم على الأرض، فالمرحلة المقبلة ستكون مرحلة ترسيخ الأمر الواقع وشرعنة مناطق النفوذ من خلال الدستور السوري الجديد الذي تبدو مسودته جاهزة، بانتظار تفاصيل بسيطة عالقة بين واشنطن وموسكو.

وما كان تصريح رئيس الوزراء الروسي ديميتري مدفيدف عبثيًا بأنّ سوريا تتحه نحو التقسيم هذه التصريحات جاءت متماشية مع تسريبات تتحدث عن خطة أمريكية من أربع مراحل للحل السوري تتمثل في القضاء على الإرهاب، وتثبيت وقف إطلاق النار ومناطق النفوذ، ثم مرحلة انتقال سياسي، فانتخابات ودستور جديد إذن، فعمليًا ونظريًا وواقعيًا أصبحت سوريا تقبل القسمة على اثنين: أمريكا وروسيا.

أمّا عن اللّاعبين الآخرين، فلا دور مؤثر أو معرقل لهم للتسوية الأمريكية الروسية، فوكلاء روسيا المتمثلين بالنظام السوري وإيران مع توابعها من حزب الله اللبناني وغيره من الميليشيلت الشيعية لن يكونوا قادرين على منع التسوية – إن حصلت – لأن بوتن بمجرد أن يشعر بخروج المارد الإيراني من القمقم سيحجم دوره ويلجمه في الوقت المناسب، وهناك الكثير من أوراق الضغط الروسية على إيران من تهديد برفع الغطاء الجوي عن ميليشياته على الأرض إلى رفع الدعم السياسي والدبلوماسي عن رجل إيران الأسد في المحافل الدولية، ولن تكون إيران حينها قادرة على مواجهة المجتمع الدولي دون روسيا.

وبالرغم من ذلك فإنّ إيران لن تخرج من اللعبة السورية نهائيًا، بل سيكون لها دور في حماية وتواصل طرق الإمداد بين سوريا وحزب الله في لبنان، أمّا على الجانب الآخر فليس هناك سوى تركيا التي تتواجد عسكريًا على الأرض السورية، لكن البيت الأبيض باعتماده على قوات سوريا الديمقراطية أرسلت رسالة واضحة لأردوغان بأنّ الدور التركي لن يكون محوريًا في معركة الرّقة، بل ستجد واشنطن دورًا آخر لتركيا في التسوية السورية عبر توحيد الفصائل المعتدلة وعزلها عن هيئة تحرير الشام النصرة سابقًا، بل ربما مقاتلتها في إدلب في مرحلةٍ ما، أمّا الدور العربي السعودي والقطري، فسيكون بالضغط على المعارضة السياسية المتمثلة في الائتلاف المعارض من أجل الدخول في مفاوضات جادة تعلنها واشنطن في مرحلة ما من أجل الحل السياسي في سوريا.

The post سوريا .. هل تقبل القسمة على اثنين؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست