الجمعة، 5 مايو 2017

ثقفني اون لاين : الحلقة المفرغة 

الكثير يعلم ويدرك حجم التخلف العلمي الذي يشهده العالم الإسلامي في الحاضر مقارنة بـالنهضة والتطور التقني الموجود في دول العالم الأول، دون أن يَعلم الأسباب التاريخية والجذرية التي أدت لهذا التخلف العلمي، هذه المشكلة ليست وليدة اللحظة ولا وليدة الأمس، إنما يعود أصلها إلى القرون الفائتة وإلى أحداث تاريخية مفصلية جعلت العالم الإسلامي يدور في حلقة مفرغة، ويتوقف في نقطة كانت تليها ألف نقطة.

العصر الذهبي

من منا لم يسمع عن الجزري، وعن أبناء موسى بن شاكر ومن منا لم يمر على نظره أو مسمعه الحسن بن الهيثم والخوارزمي  وغيرهم الكثير، كل هؤلاء علماء مسلمين وضعوا الأسس العلمية للعديد من الأدوات والتقنيات المستخدمة في عصرنا الحديث، فمن محرك السيارة إلى الإنسان الآلي والكاميرا ومنطق الحاسوب وغيرها الكثير، كان العالم الإسلامي ما يزال ينعم بالتطور العلمي الهائل سواء في الأندلس والمغرب الإسلامي، أو بغداد والمشرق الإسلامي، كلها كانت تزخر بالعلماء والمستشفيات والمدارس والجامعات، في حين كانت الحضارات الأخرى المتلاصقة والمتباعدة عن العالم الإسلامي تغرق في الظلمات والجهل والهمجية.

استفادت الحضارة الإسلامية من الحضارات القديمة التي سبقتها، ولم تكتفِ بها بل أكملت خط المعرفة والتطور العلمي وقادته إلى أسمى درجات التطور العلمي، هذا ما يقودنا إلى فهم أن خط المعرفة والتطور لا تنفرد فيه حضارة دون الأخرى، المعرفة هي عبارة عن بذرة تسقى من حضارة معينة في فترة زمنية محددة، ثم سرعان ما تتلاشى هذه الحضارة ويصيبها الوهن والضعف فتكمل حضارة شابة جديدة رعاية هذه البذرة التي ما تلبث حتى تصبح نبتة تقترب من موسم حصادها.

إن الحضارة الإسلامية توقفت عن رعاية النبتة في المرحلة الزمنية التي تسبق موسم الحصاد، مع أن الحضارة الإسلامية قد  ساهمت في رعاية المعرفة والتطور لقرون طويلة، اليوم نرى ثمار هذه النبتة يتجسد في التطور الهائل الذي يشهده العالم الحديث، ولكن هذا ما يجعلنا نتساءل لماذا توقفنا عن ركوب حافلة المعرفة والتطور التقني، ولماذا تركنا ثمارها تحصد من غيرنا بلا ملل!

الحرب عدو التطور

الحملات الصليبية التي طالت العالم الإسلامي لأسباب سياسية واقتصادية ودينية، والتي استمرت لقرنين من الزمان ساهمت بشكل أو بآخر في إرجاع عجلة التطور إلى الوراء بما اتسمت به من وحشية ودموية وهمجية شنيعة، في الجانب الآخر سقوط بغداد بيد المغول، وإحراق الكتب والمحتويات العلمية، وقتل العلماء ساهم في ذلك أيضًا، ما يقارب الأربعة قرون شهد العالم الإسلامي حروبًا دموية أزاحته من حافلة التطور ودمرت البنية العلمية فيه، كما أن سقوط الأندلس كان له الدور الكبير في تراجع العالم الإسلامي وضعف المسيرة العلمية والبحثية فيه، في حين استفادت أوروبا من احتكاكها بالعالم الإسلامي سواء عبر الحملات الصليبية، أو عبر التبادل التجاري في التغير الجذري في الأنظمة السياسية والاجتماعية والدينية والعلمية فيها.

لم يتعاف جسد العالم الإسلامي من آثار الحروب إلى يومنا الحاضر، ولا يزال العمق التاريخي يجسد الأساس في التأخر العلمي عن العالم الأول، فحتى مرحلة الإمبراطورية العثمانية لم تكن الإنجازات العلمية محل ذكر  لقرون عديدة، في حين سارت أوروبا نحو حصد ثمار العلم وإحداث الثورة الصناعية التي غيرت شكل العالم، في حين ظن بعض السلاطين أن للقوانين الأوروبية والعادات الاجتماعية والعلمانية دور في تحريك العجلة العلمية، ولا يزال إلى يومنا الحاضر تسير الدول الإسلامية على نفس الطريق ظنًا منها أن للعلمانية التي تختص في أوروبا حصرًا دورًا في  مواكبة التطور والسير معه.

الفتح الإسلامي والتطور

لا يتوقف البعض عن اعتبار الفتوحات الإسلامية مجرد احتلال بربري لبلاد أخرى، في حين لو نظرنا إلى حال البلاد قبل الفتح وبعده نجد الفارق الكبير، على سبيل المثال في فترة ما قبل الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الأيبيرية – إسبانيا والبرتغال حاليًا– لم تكن تتمتع تلك البلاد بأي تطور تقني معرفي وعلمي في تلك الحقبة، على عكس ما احتوته من تطور علمي عظيم في حقبة ما بعد الفتح الإسلامي، وهو ما جعل الأندلس منارة للعلم في أوروبا، وكانت أشبه بالثمرة الناضجة مقارنة بالبلدان الأوروبية المحيطة بها.

الإسلام لم يكن يومًا عائقًا أمام التطور، ولم تكن الشريعة مصدر رجعية مطلقًا، لو نظرنا إلى العصر الذهبي للحضارة الإسلامية  لوجدنا أن العلم تطور والمعرفة ازدادت في حين كانت الشريعة الإسلامية تطبق بحذافيرها، بل إن الخلفاء كان لديهم الاهتمام الكبير بإنشاء المدارس والجامعات والمستشفيات، وحتى مراكز الأبحاث مثل دار الحكمة في بغداد، وغيرها. هذا ما يجعلنا اليوم نفكر في حقيقة أن الالتفاف حول القيم والعادات الغربية كسبيل للتطور العلمي ما هو إلا وهم من الخيال، ودوران حول حلقة مفرغة تقود إلى الهاوية.

The post الحلقة المفرغة  appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست