إلى مَن غرست بذرة الحب الأبدي في أرض الوجود، إلى الرحمة المُهداة من السماء إليّ، إلى حمامة السلام النفسي المحلقة في فضاء القلب، إلى تلك البسمة الصافية المندفعة من رحم النور الساقطة برفقٍ في الوجدان، إلى تلك السكينة المُنعِشة وسط صخب الحياة، إلى أمي الحبيبية أُهدي هذه الكلمات.
إنّ الأقدار التي حرمتنا وأبكتنا، لم تسِر على الحرمان وجلب البكاء طوال الطريق؛ لأنها أهدتْنَا وأسعدتنا بأمهاتِنا، وليس ثمة هدايا تسمو على الأم أو تعلو عليها، وليس ثمة مُقارنات تدخل معها في حيزٍ تنافسي يقبلُ الزيادة والنقصان، فهي ثابتة عند آخر نقطة في العلو، ولا تركن إلى احتمالات الهبوط أبدًا!
والدتي الحبيبة، وساكنةُ الفؤاد، إلحاح القلب على العقل زاد لكي أكتب لكِ، ولستِ مثقوبة في شيء كي أرمم الثقب وأجعله صحيحًا مُهيئًا للرؤيا، وإني أخشى ألا يُصيب الكلام كل الحقيقة فأجور عليكِ بغير قصد، أو تظنين – خطأ– أن ذلك ذروة شعوري إليكِ، لا تعتقدي ذلك أبدًا، فهناك آلاف الأقاويل من أحاديثِ النفس لا تقبلُ الخضوع للورقة والقلم، وتأبى دائمًا أن تلحق بركب التدوين، ثمةُ مشاعر كثيرة لا توصف بكلام يا حبيبتي، لكنها لا توصف إلا بالصمت البليغ!
يطرق التعجب أبواب نفسي، حينما يُصارعني الخطر لتأتي أنتِ وتقيمين كيانًا من الحزن والخوف والفزع كأنما أنتِ التي زجّ بكِ القدر في المخاطرِ والأوحال، وأنا قابعٌ في المنتجعات لا أهتم ولا أعبأ، كأنكِ أنا وأنا أنتِ، يقتحمُ الذهول حَرَمَ عقلي من كم التضرع ورفع آمالي إلى الله من خلالك، وكأنكِ مَنْ ستنالين كل المجد أو تعبري حدود النجاح، ذلك السر الإلهي في نبتة الحب هذه لا يُقاس بمقياس المزاج والحالة النفسية، وإنما يبقى الحب ممتدًا في الاستقامة رغم كل عوائق البدن وعثرات الروح.
منفردةٌ أنتِ وثابتة في الحب، لا تدخلين على إن الشرطية، ولا تخضعينَ لقوانين الاحتمالات، ولا ترضخين لقواعد النسب والأرقام والعمليات الحسابية المعقدة، ولا تقبلين القسمة على اثنين، أنتِ واحد صحيح، يهزأ بكل الكسور!
خمسُ سنوات قضيتها في الغربة لمْ أرَكِ فيهنّ سوى أيام معدودات بين كل فترة وأخرى، هذه الأيام المعدودات شيء حتميّ الحدوث، فهي تُضفِي على النفسِ بريقًا وزادًا يشملان الوجدان لتستمر في الحياة بلا جزع، كمُحَرِك سيارة نفد وقودها وتعطلت لتتوقف عن المسير، فيأخذها صاحبها مُجبرًا إلى حيث يوجد الوقود، ويضع فيها ما شاء منه، ثم تسير على الطريق وقلب صاحبها ساكن مطمئن، أنا المحرك وأنتِ الوقود، والطريق هو الحياة، والأيام بيننا تقذفنا بين مد اللقاء وجزر الرحيل!
أنا لا أعرف ما السر في تلك الراحة التي تتلو محادثاتك وإطلالاتك، قوةٌ ربانية تتدخل في تلك المسألة بلا طلب ولا إخطار بمجيئها، رحمةٌ من الله تُوضَع في قلبي حين وصَالِك، كأنكِ الوجود بكل ما فيه من مُحسّناتٍ وإبداعات، نوبةُ الحزن التي تصطدمُ بوجداني إثر أي نائبة تَصيرُ شيئًا بلا قيمة لا يَسْتَدِرّ الحزن والكآبة بعد قولكِ لي «لا تحمل همًّا يا حبيبي، سيكون الأمر على ما يرام، سلّمهَا لله»، بعدها يهدأ القلبُ وتسكن النفسُ في الوقت الذي تزدادُ فيه النائبة احتدامًا وتعقيدًا، إنكِ غير قابلة للتفسير والتوضيح، ولا لفهم تعقيد قد خطر على الذهن وتشبث به، أنتِ سهلة جدًّا لكن تفسيركِ أصعب ممّا تتخلين، ففيه من العُمق والبحث الوجداني ما لا يصل إليه بشر!
اعذريني يامالكةَ الفؤاد، اعذريني وسامحيني، فولدكِ فاشلٌ في سرد الكتابات الرومانسية ولا يتقنها، ثلاثةُ وعشرون عامًا وشهران لم يمر على طريق قصة حب واحدة تؤهله لإلقائه على مسامعكِ أعذب الكلمات وأنقى الألحان، لا يُدرك مداخل الكلام المعسول ومخارجه، لا يعرفُ من أين يبدأ وإلى أين ينتهي؟ وما الذي الكلام الذي يجب قوله وما لا يجب؟ لم أتعمدْ إهمال تلك المسألة معكِ، لكن عدم الخبرات أو قلتها تضع النفس تحت ظن الإعراض رغم أنها مقبلة على طول الطريق، لأن اللسان معقود وعاجز عن التعبير!
أنا لا أؤمن بوجودِ حياة بعد رحيل الأمهات، ولا أعرف كيف عاش فاقدو أمهاتهم على هذا الكوكب بعد أن قبعن تحت أطباق الثرى، ولكنها رحمات الله التي تربت على قلوب عباده، فكما أودع الله بينهم تلك المحبة المحيرة، فقد جعل لهم نعمة الصبر سلوى ونعمة النسيان مكفكفة، وجعل من الذكرى والدمعة المباغتة شيئًا ينفي اللا مبالاة والندالة، ويُثبتُ معنى الحب المنصرم ويقويه، ويعمّق فكرة أن ما كان ليس هباءً منثورًا، وأن الحي ليس أبقى من الميتِ كما يُقال، ولكن الحي باقٍ بالطريقة التي لا يُنسِي بها الميت!
تضَرعِي كثيرًا يا أمي، تضرعي بصدقٍ وإخلاص، اطلُبي من الله أن أكون سابقكِ في الرحيل، أن أنتهي قبل أن تنتهي أنتِ، أن أنتظُرُكِ في البرزخِ بكل شغفٍ وحياة، ولا أنتظركِ في المحيا بكل يأسٍ وموت، اجتهدي في الدعاء من أجلِ ذلك كثيرًا، واستقمي فيه، وعليكِ مني السلام في كل وقت وحين!
The post أرجوكِ يا حبيبتي.. لا ترحلي قبلي! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست