الجمعة، 5 مايو 2017

ثقفني اون لاين : في فتية الكهف

قال تعالى: «نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)».

سيقص علينا نبأ جديدًا، من هو؟ ليس كاتبًا كبيرًا أو روائيًّا عظيمًّا؛ بل هو أصدق القائلين سبحانه وتعالى، ومن أصدق من الله حديثًا؟ فلنرع سمعنا وأفئدتنا ولنذهب بعيدًا إلى الزمن الغابر ليقص علينا سبحانه وتعالى قصة «أصحاب الكهف».

هي قصة صغيرة الحجم غزيرة المعنى، كانت وما تزال تصلح لتكون معلم طريق الفئة المؤمنة التي تاهت وسط غياهب الظلامات المحيطة بها، تلك القصة رسالة إلى كل العاملين لهذا الدين، علماء ومصلحين دعاة ومرشدين، وهي للفتية أبناء العشرين على وجه الخصوص، وكل من سيحمل لواء الإسلام حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

ما قصتهم؟

إنهم فتية: فتية لا تتجاوز أعمارهم العشرين.

ما شأنهم؟! آمنوا بربهم.

والنتيجة؟ زادهم هدى.

إنهم فتية: فتية عرفوا ربهم وسط ظلام حالك تموج به الأرض، تعرفوا إلى ربهم وسط ليل بهيم من تصورات وقيم وعادات وأعراف، فإذا بالنور يتسلل في وسط الظلام إلى أفئدة الفتية ليقولوا: ربنا رب السماوات والأرض.

إنهم فتية: لم يكن في زمانهم على وجه الأرض من يقول يا «الله» كانت ملة الكفر في أوج طغيانها وعتوها على ربها، إنها لم تكن كافرة فحسب؛ بل إنها كانت تعادي من تلبس بجرم الدين!

إنهم فتية: لم يتجاوز عددهم ما بين الثلاثة إلى السبعة! عدد قليل سيواجه ملكًا جبارًا! عدد قليل سيقف بوجه طغيان لا يرحم! إنها في المعادلة الدنيوية معركة غير متكافئة لكنها في المعادلة الإلهية تختلف اختلافًا كبيرًا. إن المعادلة الإلهية ليست بالعدد أو العدة، إنها بوجود «جيل فريد» مهما كان عدده قليلًا يكفي أن يحمل على عاتقه رسالة الإسلام، ولا شيء غير الإسلام، فيغير الله لأجله نواميس الكون كلها. إن العدد كان بالمنظور الإلهي كافيًا طالما أن تلك القلوب تجردت لله وحده دونما سواه، وانخلعت عن شهوات الدنيا وحظوظ النفس فكان الجزاء: وزادهم هدى.

زادهم هدى: فإذا القلة المستضعفة لا تعبأ بالباطل وقوته، وإذا الملك المتكبر يغدو عبدًا من عباد الله لا ينفع ولا يضر إلا بأمره.

زادهم هدى: فإذا بالله يثبت قلوبهم من أن تزعزعها فتنة فتضل عن الدين كما هو حال من لعبت بهم الأموال، وأغرتهم السياسة، وأغوتهم الشهوات كحال كثير من فتيان هذه الأمة اليوم إلا من رحم الله!

زادهم هدى: فإذا زادك الله هدى فمن ذَا يضلك؟! وإذا هداك الله فمن ذَا يضلك ويضرك؟

زادهم هدى: فأرشدهم إلى الحق، زادهم هدى فثبت قلوبهم وربط عليها وما أحوج فتيان الإسلام اليوم إلى أن يربط على قلوبهم.

فحين يربط الله على قلب المؤمن، ويشد من أزره وينزل عليه سكينته، وينتشر رحمته، ويثبت فؤاده تنقلب الموازين، وتتبدل السنن، وتتغير الأحوال.

في ظل المحن والاستضعاف والخوف حين تغدو الكلمة ضربًا من الجنون، وشيئًا من العته، يربط الله على قلب المؤمن ليصدح بالحق دون خوف أو وجل، مهملًا كل قوانين الطبيعة تثبيتًا من الله سبحانه. ويربط الله على قلب المؤمن فيثبت قلبه أمام فتن الشبهات والشهوات، وينير بصيرته، ويقوي عزيمته. ويربط الله على قلب المؤمن في ظل المحن الشديدة العصيبة فإذا بالقوة العاتية المهولة، تبدو ضئيلة هزيلة لا يعبأ بها أو يقيم لها وزنًا؛ رباطًا منه سبحانه على قلب من يشاء من عباده.

وبعد أن غدت المواجهة علنًا كان لا بد من اضطهاد، لا بد من تعذيب كما تفعل الأنظمة العربية اليوم، فكان أن اعتزلوهم وما يعبدون من دون الله، إنه ليس هروبًا من الواقع، ولا يأسًا من الإصلاح، إنه نجاة بالدين والقرب من رب العالمين عسى أن يشد من أزرهم ويثبت قلوبهم.

فكان الأمر: فأووا إلى الكهف.

وهنا لفتة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، إن مفهوم الإيواء عند العامة هو إيواء الإنسان لحضن من يشعره بالأمان، إن الإيواء هو إيواء الأجساد للأجساد في المنظور الحسي، أما في ميزان القرآن فإن المعنى يختلف اختلافًا كبيرًا؛ فرغم وحشة الكهف، واشتداد ظلمته، واسوداد ليله، وغربته فقد سماه الله إيواءً لتلك الفئة المؤمنة.

عجيب، ما الذي يجعل من الحجارة إيواء! إنها رحمة الله سبحانه وتعالى إذ قال: «يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا».

وينشر الله رحمته ويفتحها للعبد؛ فإذا القبو المظلم والسجن الموحش والسياط والاضطهاد والظلم تغدو مع رحمة الله طمأنينة ولذة وسعادة. وقد يغلق الله رحمته فإذا الفرش الوثيرة والزوجة المثيرة والمال والجاه والمنصب والقوة والأولاد تغدو جميعها مع إغلاق رحمة الله وبالًا تفتك قلب صاحبها وتنغص معيشته وتقلب حياته همًّا وكمدًا وحزنًا وشقاءً وقلقًا يقتل صاحبه.

وينشر الله رحمته فيركب العبد المخاطر ركوب الآمن المطمئن، ويمنع الله رحمته فإذا باليسير يغدو عسيرًا، وإذا بالسهل يمتنع، وإذا بالأبواب تغلق، وإذا بالدنيا تضيق بالعبد حتى يهم بالانتحار، وينشر الله رحمته فإذا بالذرية تغدو خيرًا لصاحبها وبركة له في عمره وماله.

ويمنع الله رحمته فإذا بالذرية السعيدة تغدو شقية، وإذا بالأهل والأولاد يحرمون المرء السعادة والهناء.

وينشر رحمته سبحانه لتعانق الشمس أجسادهم ذات اليمين وذات الشمال فيضًا من رحمته على من فر إليه، إنه الفرار إلى الله لا تعادله لذة ولا تساويه نعمة.

هي ليست قضية معقدة أو لغزًا صعبًا، إن المعادلة بسيطة «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17)».

وتختم القصة بصحوة الأجساد بعد ما يزيد على ثلاثة قرون ليعلموا أن وعد الله حق، ويروا أثر ما قدموه من تضحية، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ليناموا بعدها إلى الأبد آمنين مطمئنين ليرتاحوا من عناء سفرهم الطويل ليكون درسًا لجيل قادم وأجيال تليهم.

إن قصة أصحاب الكهف ليست مجرد تسلية للنبي، أو سلوى لأصحابه، أو طبطبة على ظهر أمته ألا تحزنوا فقد اضطهد من هم قبلكم، بل هي رسالة لكل فتى ولكل عامل ولكل داعٍ ولكل عالم.

هل ما زلت صغيرًا؟ إن أولئك فتية.

هل اضطهدت في بلدك؟ إن فتية الكهف اعتزلوا ما يعبدون من دون الله فداء لدينه سبحانه.

هل منع الأذان في بلدك؟ إن فتية الكهف منعوا من أن يقولوا «لا إله إلا الله» فهل منعت من ذلك!

أيها المتقاعس عن نصرة دينك هل حالك كحال فتية الكهف! هل اضطهدت؟ هل عذبت؟ أم أن الأعذار الواهية سبقت الإجابة، إني ولكني…؟

وأخيرًا إن للقصة نداء للأمة بأجمعها يقول: يا أمة ليضح كل منكم بنفسه فداءً لهذا الدين، ولتبذل الأموال فداءً لهذا الدين، ولتترك الأوطان فداءً لهذا الدين، ولينفق الغالي والنفيس نصرةً لدين رب العالمين، فإذا حققتم المطلوب كان النصر قاب قوسين أو أدنى، لقد تعبدكم الله بالعمل ولَم يتعبدكم بالنتائج فهي له وحده سبحانه وتعالى.

The post في فتية الكهف appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست