الجمعة، 5 مايو 2017

ثقفني اون لاين : كَمْ أشتاقُ إلى وطني!

منذ عشرات السنين، جئت إلى الدنيا لأكون الطفل الأول «الحي» لأمي التي مات لها ولدان قبلي خلال الخمس سنوات الأولى من الزواج، جئت إلى الدنيا، وبعدها بأيام قليلة شنت إسرائيل حربًا، بالتحديد في يوم 5 يونيو/ حزيران 1967 على ثلاث من دول جوارها العربي، دامت ستة أيام وهزمت فيها الأطراف العربية هزيمة ساحقة، وكان من نتائجها خسائر بشرية ومادية كبيرة، واحتلال أجزاء واسعة من الأراضي العربية، وتدمير أغلبية العتاد العسكري العربي.

وبغض النظر عن المسمى الذي تبنته القيادة المصرية آنذاك بعنوان «النكسة» بدلاً من الاعتراف «بالهزيمة»، ولكن الواقع أن القيادة المصرية لم ترضخ أو تستسلم، بل تبنت ما يمكن تسميته بحرب الاستنزاف وهو مفهوم إستراتيجي يعني أنه لكي يتم الانتصار في حرب ما، يجب إضعاف العدو إلى الانهيار عن طريق إحداث الخسائر البشرية أو العسكرية، والجهة المنتصرة في الحرب تكون عادة الجهة التي تمتلك عددًا أكبر من المصادر والاحتياطات، وكانت حرب فيتنام مثالاً على حروب الاستنزاف، حتى وصلنا إلى حرب أكتوبر المجيدة 1973 التي صنعت المستحيل على الساحة المصرية والعربية، ورغم أن لكل بلد أدبه الحربي والسياسي، إلا أن حرب أكتوبر كان لها أكبر الأثر على كل البلدان العربية.

في حرب أكتوبر لم تكن العبقرية والحنكة السياسية والعسكرية ولا استعداد المصريين والعرب للشهادة في سبيل استعادة الأرض المسلوبة هم فقط الأبطال، بل كانت أيضًا الكلمة الصادقة الواعية التي حاربت وانتصرت وكبدت العدو خسائر فادحة في الروح المعنوية والإرادة.

وكان لي الشرف أني عاصرت حرب أكتوبر المجيدة وشعرت بفرحة النصر في عيون المحيطين وعلى شفاه المقربين، ويكفي أن تقرأ رواية «المرصد» للأديب السوري الكبير «حنا مينا» الذي وصف بها تفصيليًا كيف تحولت هزيمة 67 من نكسة تمضغ القلوب والعقول إلى شمس أشرقت في أكتوبر المجيد وانقشعت غمامة الانكسار، فتضمنت الرواية وصفًا تسجيلياً لزحف الجنود لتحرير سيناء، وتحطيم خط بارليف، وكيف سحبت إسرائيل دباباتها ومدرعاتها من الجبهة الجنوبية وزجت بها في الشمال في مواجهة سوريا، التي اجتازت قواتها الأزمة ونالت من الخندق الإسرائيلي بما يشبه المعجزة، فحررت مرصد جبل الشيخ، ووصلت لبحيرة طبريا!


ويكفي أن تذهب لصومعة نزار قباني وتفتش في مذكراته عن حرب أكتوبر المجيدة، حيث يقول: «الرصاصة لا تحتاج إلا للمسة إصبع لتنطلق من ماسورتها أما العمل الأدبي يحتاج إلى حد أدنى من الصبر والنضج والتخمر والانفعال».

كما قال في شهادته «قبل السادس من أكتوبر 1973 كانت صورتي مشوشة وغائمة وقبيحة، كانت عيناي مغارتين تقشش فيهما الوطاويط والعناكب، وكان فمي خليجًا مليئًا بحطام المراكب الغارقة، وكانت علامتي الغارقة المسجلة في جواز سفري هي أنني أحمل على جبيني ندبة عميقة اسمها حزيران، أما عمري في جواز سفري القديم، فقد كان مشطوبًا لأن العالم كان يعتبرني بلا عمر، واليوم «6 أكتوبر 1973»، يبدأ عمري، واليوم فقط، ذهبت إلى مديرية الأحوال المدنية، وأريتهم صك ولادتي التي حدثت في مستشفى عسكري نقال، يتحرك مع المقاتلين في سيناء والجولان، فاعتبروني طفلاً شرعيًا، وسجلوني في دفتر مواليد الوطن، لا تستغربوا كلامي، فأنا ولدت تحت الطوافات، والجسور العائمة التي علقها مهندسو الجيش المصري على كتف الضفة الشرقية وخرجت من أسنان المجنزرات السورية التي كانت تقرقش الصخور في مرتفعات الجولان، أعترف لكم بأن ولادتي كانت صعبة» ومن أشعاره عن حرب أكتوبر:

جاء تشرين.. يا حبيبة عمري

أحسن الوقت للهوى تشرين

ولنا موعد على «جبل الشيخ»

كم الثلج دافئ… وحنون

لم أعانقك من زمان طويل

لم أحدثك.. والحديث شجون

لم أغازلك.. والتغزل بعضي

للهوى دينه.. وللسيف دين..

سنوات سبع من الحزن مرت

مات فيها الصفصاف والزيتون

سنوات فيها استقلت من الحب

وجفت على شفاهي اللحون

سنوات سبع.. بها اغتالنا اليأس

وعلم الكلام … واليانسون

فانقسمنا قبائلاً وشعوبًا

واستبيح الحمى، وضاع العرين

كيف أهواك حين حول سريري

يتمشى اليهود والطاعون

كيف أهواك.. والحمى مستباح،

هل من السهل أن يحب السجين؟

لا تقولي: نسيت لم أنس شيئًا

كيف تنسى أهدابهن الجفون؟

غير أن الهوى يصير ذليلا

كلما ذل للرجال جبين.

ورغم تداعيات الهزيمة الساحقة 1967، ثم النصر المبين 1973، من أزمات اقتصادية طاحنة عاشها المصريون، وتقبلوها رغم صعوبتها بصدر رحب من أجل الوطن الذي يعشقون ترابه ويقدسون أرضه، كلنا وأعني الغني والفقير، شهدنا طوابير البحث عن رغيف خبز وكيلو لحم ودجاجة، أنا عن نفسي عاصرت «الدلالة» التي كانت تشتري السلع المدعومة من الدولة من المجمعات الاستهلاكية الحكومية «طبعًا بالتدليس» ثم تبيعها للمواطنين بضعف السعر؛ حيث كان يصعب الوصول لهذه السلع بسعرها الحقيقي المدعوم!

وحدث أن أراد السادات أن يتخلى عن الاشتراكية التي كان يقدسها عبد الناصر، وكانت شعارًا لعصره، رغم أنها قوضت أحلام المصريين وقتلت إبداعاتهم، ورغم أنها كانت الملاذ الأول للدول التي تريد النهوض في حينها بعيدًا عن أنياب الرأسمالية المتوحشة، ورغم ذلك فإن السادات قرر التوجه وبسرعة إلى محطة قطار الرأسمالية لعله يجد مكانًا ضمن الدول لا أقول المتقدمة ولكن المستورة، فأعلن عن بداية عصر الانفتاح في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، ورغم حسن نية السادات وعبقريته، فأنا أسميه عصر الانفلات؛ لأن الدولة بين ليلة وضحاها وبأوامر عليا قررت تغيير جلدها مع الاحتفاظ باسمها، كامرأة مُسنة تعشق وضع مساحيق التجميل بصورة مُبالغ فيها، فتبدو كالعفريت، لا هي شابة جميلة كما تريد، ولا هي عجوز تعترف بشيخوختها وتواصل حياتها الطبيعية بسلاسة ورضا بالواقع، فالدولة فرطت وتخلت عن وسائل إنتاجها وبدأ عصر ما يُعرف ببيع القطاع العام ودخول المهلباتية أصحاب دفاتر الاستيراد فقط للسوق والسيطرة عليه وعلى مقدرات الشعب المسكين، ولم تكن مظاهرات الفقراء ضد الغلاء1977، والتي أطلق عليها السادات «انتفاضة الحرامية»، إلا رد فعل طبيعي لتفشي الفساد وانتشار الرشوة والارتفاع الجنوني للأسعار، واتساع الفارق بين الطبقتين الغنية والفقيرة، وانهيار الطبقة المتوسطة!

أذكر أني رقصت فرحًا رغم سني الصغير يوم قرر السادات الذهاب لإسرائيل لبحث فرص السلام وإنهاء عقود من الحروب بيننا وبين إسرائيل، ويكفي أن أقول إن هذا القائد العبقري سبق عصره بعشرات السنين، فالذين هاجموه من القادة والشعوب العربية وقتها، لم يحصدوا اليوم ثمار معارضتهم للسلام بين العرب وإسرائيل، إلا مزيدًا من العنف والقتل والتهجير واغتصاب الأراضي وبناء المستوطنات، رغم مشاريع السلام التي تُعرض على إسرائيل الواحدة تلو الأخرى من مؤتمرات القمة العربية والاتحاد الأوروبي وأمريكا!

كثيرون مثلي يتذكرون التليفزيون ال 17 بوصة الأبيض والأسود ولا شيء غيرهما «أقصد اللونين»، ويتذكرون القناتين الأولى والثانية في التليفزيون المصري، حيث كان الإرسال يبدأ فترة الظهيرة وينتهي قبل منتصف الليل بقليل، وكانت برامج إذاعية مثل «مع السلامة» ﺃﻭ «كلمتين وبس» هي الصاحب والونس قبل الذهاب للمدرسة، وكنت ننتظر برنامج ماما نجوى وبقلظ، وماما عفاف الهلاوي، وماما فضيلة، وبابا ماجد، ثم لما دخلنا مرحلة المراهقة بدأنا نتابع العالم يغني ونادي السينما ﻭ«فوازير رمضان» والأفلام العربية القديمة «ﻛﺎﻧﺖ ﻏﻤﺰة» هند رستم «ﺃﻛﺜﺮ ﻣﺸﺎﻫﺪ ﺍﻟﺘﻠﻔﺰﻳﻮﻥ ﺟﺮﺃﺓ وأكثر تأثيرًا على مشاعرنا»، وأفلام الكاوبوي وأفلام الكاراتيه، وكلنا بالطبع كبرنا على أبواق إعلامية وبرامج إخبارية تردد أذانًا خمس مرات في اليوم ويقول: الرئيس المؤمن والقائد والزعيم والمفكر والعالم، كبرنا ولم نعرف من نتائج الانتخابات إلا نتيجة التسعة والتسعين وتسعة وتسعين من مائة في المائة!

كثيرون مثلي يتذكرون أن المدارس الحكومية كانت في المقدمة، وأننا كنا ننظر لطلاب وطالبات المدارس الخاصة باستعلاء، ونعتبر أن طلبة المدارس القومية والخاصة فاشلون، ولما كبرنا عرفنا أنواعًا أخرى من الغناء «غير أغاني عبد الحليم وأم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الوهاب ووردة» لم نكن نألفها، ولكننا اندمجنا في بدايات المراهقة مع أغاني عمرو دياب وفرقة المصريين وفرقة عمار الشريعي وفرقة الفور إم ومحمد منير ومحمد فؤاد ومحمد الحلو ومحمد ثروت وغيرهم!

أعترف أنى كنت مذبذبًا أبحث عن هوية في ظل نظام مبارك الذي لا هوية له؛ فهو في أعماقه اشتراكي ولكن واقع الحال كان غير ذلك، فأنا مثلي مثل كثيرين من المصريين الذين تهافتوا على فرص العمل في الخليج بدايةً من السبعينات وحتى اليوم، بغرض توفير حياة كريمة لهم ولأسرهم بعد أن أنهكتهم الأنظمة والسياسات والقرارات والصراعات والسرقات، ولو مررنا سريعًا في فترة الثمانينات حيث شهدنا معاهدة أسلو ومن بعدها الانتفاضتين الأولى والثانية، والكل لم يفض إلى شيء لا سلام ولا كلام، ولكن المزيد من القتل والتخريب والتقويض والتدمير!

ولو نظرنا إلى ما مضى من العمر في السنوات الفائتة، سنجد أن أحداثًا مهمة وقعت؛ كأحداث الأمن المركزي وانفلات سعر الدولار «وما ننساش توصيل التليفون الأرضي لمنزلنا بعد عشرين سنة من تقديم الطلب»، سقوط الشيوعية واعتلاء الرأسمالية منصة القضاء في محكمة العالم الجديد وسقوط حائط برلين وتهاوي الأنظمة الشيوعية في دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، توحيد الألمانيتين وحرب البوسنة والهرسك وحرب كوسوفو وتفكك يوغسلافيا، وصعود نجم الجماعات الإسلامية المتشددة بعد عودة كوادرها من أفغانستان، ثم حربها ضد الدولة المصرية، مما أفقد الثقة في كثير من الرموز وأولها أصحاب اللحى والجلباب القصير والعقول المنغلقة، وكلنا نذكر شركات النصب باسم الدين، الريان والسعد والشريف؛ حيث تهاوت أحلام المصريين البسطاء والأغنياء، على صخرة أطماعهم وجهل الحكومة وفساد الحكم!

أنا لم أعرف إلا حسنى مبارك رئيسًا لمصر لمدة 30 سنة، حيث زادت معدلات الفقر في عهده إلى خمسين بالمائة من الشعب المصري وظهرت طبقة المليارديرات الملتحفة بعباءة الحكم، وماتت العقول واختنقت الحناجر وقتل البحث العلمي وهاجر أكثر من ثمانية ملايين إلى خارج الوطن للبحث عن لقمة عيش كريمة!

كم أشتاق إليك أيها الوطن، يا حلمي الجميل!

The post كَمْ أشتاقُ إلى وطني! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست