عدّلت نظارتها الكبيرة وتحدّثت بابتسامة الواثق، وكأنها لم تكن سترمي تلك القنبلة الدينية التي سوف يتناثر شظاها في كل اتجاه: «أن تعيش حياتك كلّها في انتظار عيسى المسيح وتخاف من جهنم، من يقوم بذلك هو مجنون فعلاً».
مادلين موري أوهير، هي المرأة التي يكرهها الأمريكيون؛ لأنها رائدة الإلحاد في الولايات المتحدة. ولا يخفى على أي مراقب بأن الولايات المتحدة قامت على أساس ديني مسيحي قوي، فكانت جملة «نثق بالله» هي حجر الأساس في بناء كيان أمريكي لا يُهزم. ورغم ذلك صاحت تلك المرأة بأعلى صوتها لفصل الدين عن الدولة، وبطريقة مباشرة لم تدع مجالاً للشك، فكيف قامت بذلك، وما علاقة موضوع كهذا بالحريات في وطننا العربي؟
في عام 1963 أقرت المحكمة العليا بإلغاء الصلاة اليومية التي تفرضها الدولة على طلاب المدارس. ورفعت القضية يومئذ «مادلين أوهير»؛ لأنها أرادت أن يكبر ابنها على مبادئ الإلحاد، فكيف تفرض الدولة مثل تلك الصلوات بينما تؤكد المادة الأولى في الدستور الأمريكي على حرية التدين أو عدمه، وحرية التعبير والتظاهر وحرية الصحافة وللشعب الحق في رفع مظلمته إلى القضاء.
«لديك الحق في الاحتفاظ بدينك وهويتك، ولكن ليس لديك الحق في فرضها على الآخر»، هذا ما قالته مادلين بعد صدور الحكم القضائي لصالح قضيتها. لم يكن قرار المحكمة تشجيعًا للإلحاد كما قد يظن البعض، ولكن كان تأكيدًا على احترام الدستور وتنفيذه بشكل كامل. بالوقت نفسه يصب القرار في مصلحة المسلمين واليهود الذين أصبحوا جزءًا من النسيج الاجتماعي الأمريكي، فلا أعتقد بأن أولياء أمورهم يعتبرون أن الصلاة المسيحية اليومية هي فرض على الطلاب، فذلك غير عادل وغير منطقي.
إصرارها على مبدأها أثار غضب الكثير، وانهالت عليها رسائل التهديد والوعيد بالقتل والتعذيب وغيرها من وسائل الترهيب التي للأسف جاءت من قوم «مؤمنين». رغم أن إيمانهم يحثهم أولاً على المغفرة وحب الأعداء قبل الأصدقاء. بيد أنها أيضًا نالت إعجاب الكثير من الذين يحذون الطريق نفسه ويتخذون المنطق نفسه، يرسلون إليها رسائل إعجاب ورسائل حب، ومظاريف مليئة بالدولارات! نعم، أصبح لديها مصدر مادي بعد أن تم طردها من أكثر الوظائف التي شغلتها بسبب موقفها الديني والاجتماعي المتطرف.
أسست «جمعية ملحدي أمريكا» وصار صوتها يطوف في كل الولايات، وأصبح الكره يتولد أكثر وأكثر. لكن من المثير للإعجاب هو أنها ورغم كل تهديدات القتل، لم تؤذ. لماذا؟ ببساطة، لأن الدولة تضمن حرية التعبير والتفكير مهما كانت درجة التطرف طالما لا تؤذي بها أي من حقوق الآخرين. وذلك ما يدعو للتأمل قليلاً، ففي مجتمعاتنا العربية لا ننفك نتهم كل ذي رأي بأنه على خطأ وبأنه يستحق القتل والسجن والتعذيب، و، و، و، فتواجهه الأجهزة الأمنية وتحاول أن توقع به لأنه يحمل رأيًا مخالفًا، بدلاً من أن تكون درعًا يحميه من الذين يدعون للعنف ويستخدمون الدين كأداة لنيل الانتقام وإرضاء لنفوسهم المريضة.
عندما نتحدث عن الدين، نتحدث عن الإيمان، وعندما نتحدث عن الإيمان نتحدث عن الرحمة والروحانية والصعود بالنفس لمنازل عليا بعيدًا عن الدونية، فكيف أصبح المؤمن بوقًا يصيح بالألفاظ السيئة، وكيف أصبحت روحه شريرة لدرجة أنه على استعداد للقتل والتعذيب لأن أحدًا لا يتبعه ولا يؤمن بما يؤمن به؟ أنا لا أجد فرقًا بين من يفجر الكنائس بعنصرية مريضة، وبين من يلعن ويشتم ويظهر غضبه على وسائل التواصل الاجتماعي! فهو يلعن كل ملحد، مشرك، أو صاحب ديانة أخرى، رغم أنه يعلم تمامًا أن دينه يدعو لحرية الأديان «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».
في يومنا هذا، أصبح لكل الأصوات مكان في الولايات المتحدة رغم كل الكارهين، بسبب دفاعهم وإيمانهم بالدستور والقانون وتكريس العدالة رغم اختلاف الناس، اختلاف دينهم، لونهم، خلفيتهم الثقافية، أو حتى ميولهم الجنسية. فأصبحت مبادئ التعايش تزدهر وبحماية من الأجهزة الأمنية. وذلك أمل نتمنى أن نراه في أوطاننا العربية، أن تعلو جميع الأصوات بغض النظر عن محتواها، وأن يطغى القبول والمحبة حتى لو كانت فجوة الاختلاف كبيرة. ففي النهاية أنت تثبت نفسك ومبادئك بأفعالك وأقوالك.
The post المرأة التي يكرهها الأمريكيون appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست