طلقة الرصاص التي تخرج لإهدار دم بريء تستلزم أشياء أخرى قبل ضغطة الإصبع، رحلة قد تكون طويلة قبل أن يقف بقلب ثابت يفجر نفسه معتقدًا أنه سيلتحق بالجنة بعد ثوان معدودة، التفسيرات الساذجة لكل ما يحدث أصبحت أكثر سذاجة، الإرهاب يبدأ فكرة صغيرة ثم يتطور لا يطرح فجأة.
يبدأ الأمر بحب الموت أكثر من الحياة، الشعور بالغربة، الاهتمام بالملبس ضد المضمون، عداء الجنس الآخر، وأخيرًا تكفير المجتمع ومن ثم كافة عمليات الإرهاب، تلك الرحلة ليست «كتالوجًا» ثابتًا، الأمر متعدد ومعقد لكن لا يمكن إلا أن نعتبر أن تلك الخطوات شكلت بشكل أو آخر إرهابيين، وأن اعتناق أي فكرة منها تربة خصبة لزرع البذور الإرهابية.
حين كان «فرانسيس» بابا الفاتيكان يؤكد في زيارته التاريخية للقاهرة أن مصر هي «أم الدنيا» وتستقبل اللاجئين من كافة دول العالم، كان هناك في الأقصر «بلد السياحة» مجموعة من الفتيات ظنن أنهن «موردن» و«آخر روشنة» فأنشأن كافيه خصيصى للفتيات حتى «يقعدوا على راحتهم بعيدًا عن – أعوذ بالله – الرجالة».
للإنصاف فإن فتيات الأقصر اللائي رفعن لافتة «ممنوع دخول الرجال» قلدن الفكرة التي بدأت في الانتشار في أكثر من مكان – بحسب تصريح مالكة الكافيه التي أكدت أن الفكرة كلها أن نجلس على راحتنا بدون أي مضايقات.
رؤية مالكة الكافيه أن هناك تحرشًا بالفتيات ومعاكسات كثيرة وتلك رؤية تؤدي لكارثة ناهيك أن مرتادي أي كافيه في الغالب لا يتحرشون أو يعاكسون وذلك لعدة أسباب أولها أن لـ«للكافيه صاحبًا يستطيع حماية زبائنه من منطلق البيزنس» ناهيك أن الأمر يكون عبارة عن «شلل فيها بنات وأولاد» لأن الأولاد عمومًا يفضلون المقاهي البلدي.
وبعيدًا عن تلك الجدلية يبقى أن نقول ماذا يقصدون بالجلوس على راحتهم، المكان أولًا وأخيرًا «كافيه»، هل سيخلعن ملابسهن مثلًا لأنه «كافيه بنات بس»، أم هل سيتحدثن بصوت عالٍ في أمور تخصهن وحدهن، فحتى ذلك سيتحدثن فيه بصوت منخفض إن كان هناك حديث من الأساس.
في معظم الكافيهات هناك أماكن مخصصة لـ«المدخنين»، وهناك «حمامات» لكل جنس على حدة، لا مجال للاختلاط من الأساس فلماذا تلك العنصرية التي ترسخ مفهوم أن المرأة شيء يجب أن يُحاط بالكتمان.
لا نقول ذلك للحجر على الفتيات ولهن الحق في ما يفعلنه لكن ما يحدث يذكرني بفكرة «شواطئ المحجبات» التي غزت البلاد في تسعينيات القرن الماضي ونصح بها كافة شيوخ السلفية حتى لا يرى أحد جسد زوجتك أو أختك التي عادة ما ترتدي زيًا محتشمًا لكن للماء والتصاقه بالجسد مفعوله السحري، وإن سرنا على هذا النهج لرأينا الكثير من المنشآت التي أصبحت تنشأ لجنس بعينه «شواطئ – كافيهات- عربات مترو… إلخ».
كل هذا يعود بنا إلى فكرة الاختلاط التي حرمها بعض الشيوخ من منطلق أنها أساس الكوارث رغم أن التجربة فشلت بدليل الجرائم الجنسية لطلاب جامعة الأزهر التي تطبق سياسة الانفصال في الأساس، أما الأخطر فهو يضع المجتمع كله في دائرة مغلقة أساسها أن المرأة للرجل جسد ينهشه وأن الرجل للمرأة إنسان غاب يريد أن يقتحمها.
ثم ماذا لو انتقلت تلك الفكرة من باب «المودرن والشياكة والأفكار المطرقعة» في إنشاء كافيه «للرجال فقط»، ويستمر الوضع هكذا لأننا لا نستطيع أن نجلس سويًا دون بحرية، ولأننا لابد أن نفهم أن أي مضايقات قد تحدث هي في الحقيقة تحدث في كافة دول العالم وأنا أتحدث على مكان كـ«الكافيه» ربما في الشارع نحن مختلفون من الناحية الأسوأ طبعًا.
خبر افتتاح الكافيه جاء في الوقت الذي يتحدث فيه بابا الفاتيكان عن التعايش، يدعونا الرجل إلى ذلك لكن مفهوم الحداثة والتقدم في كيفية الانعزال ووضع الستر والحجب وفقدان الثقة في أنفسنا في أننا قادرون على الجلوس أمام الجنس الآخر.
قد يكون الأمر صغيرًا لكن ما حدث في الأقصر يحدث مثله في كل بقعة في أرض المحروسة، تفكير ينتشر في عقول الكثيرين بأشكال مختلفة، يخرج شيئًا فشيئًا ويجسد سياسة الانعزال وكراهية الآخر، سرطان يجري دون أن ندري حتى يخرج ورمًا كبيرًا ووقتها لا نستطيع استئصاله!
The post كيف أطاح فتيات الأقصر بزيارة بابا الفاتيكان لمصر؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست