في المقال الأول من سلسلة المقالات حول نظرية التطور والاستدلال عليها بالجغرافيا الحيوية استعرضنا مقدمة لازمة عن مبادئ الجغرافيا الحيوية. وأفردنا الجزء الثاني لمناقشة ملاحظات دارون حول التوزيع الجغرافي للأنواع الحية، والرد عليها.
نتابع في الجزء الثالث، لمعرفة لماذا يُنقب التطوريون عمّا يعتبرونه أسلافًا للإنسان في إثيوبيا والصومال؟!
لماذا تكثر بعثات التطوريين الباحثين عن أسلاف الإنسان المزعومة في إثيوبيا والصومال وغيرها من المناطق في شرق إفريقيا على خط الاستواء؟!
يدعي التطوريون أنه كي نفهم لماذا لا تتحول القردة الآن إلى بشر، علينا أن نفهم أولًا كيف تحول بعضها – الأسلاف المشتركة كما يسمونها – لينشأ عنها البشر الحاليون. وهذا له دخل كبير بالجغرافيا الحيوية!
نبوءة دارون
في كتابه نشأة الإنسان، ذكر تشارلز دارون أنه يرى التشابه بين الإنسان والقردة الإفريقية كبيرًا إلى الدرجة التي جعلته يتنبأ أن أسلاف الإنسان الأُول قد عاشوا في إفريقيا، وأننا بالبحث في إفريقيا سنعثر على حفريات لهؤلاء الأسلاف.
ومنذ منتصف القرن العشرين تقريبًا بدأ التطوريون في تركيز رحلاتهم الاستكشافية في إفريقيا، ثم في العقود الأخيرة أصبح التركيز منصبًا فقط على مناطق شرق إفريقيا على خط الاستواء!
حقيقة الأمر أن لنظرية التطور نزعة عنصرية، كثيرًا ما أظهرت وجهها العنصري البغيض، وسبق أن ناقشتُ تلك النزعة في مقال: النزعة العنصرية لدارون ونظريته، وما نشأ عنها. تفترض النظرية أن الإنسان الأسود أقل رقيًا من الإنسان الأبيض، وكل نماذج إعادة تشكيل العظام التي يفترضونها لأسلاف البشر يصنعها التطوريون بحيث تبدو خليطًا من هيئة القردة والبشر الأفارقة، ويجعلون جلدها ذا لون أسود، وكأن الجلد هو الآخر قد وجدوه مع بقايا العظام المتناثرة التي لا يمكن لعاقل أن يجزم بالهيكل من خلالها. لأجل هذا تكثر بعثات التطوريين الباحثين عن أسلاف الإنسان المفترضين في إفريقيا.
لكن لماذا تحديدًا في مناطق شرق خط الاستواء في إفريقيا، خاصة في إثيوبيا والصومال؟
الفرضية التطورية
من المعروف أن خط الاستواء يقطع قارة إفريقيا إلى نصفين. في عصرنا الحالي توجد الغابات الاستوائية فقط في غرب ووسط المناطق التي يعبرها خط الاستواء، بينما تكاد تختفي الغابات من المناطق الشرقية منه، وقد يسود التصحر في قليل من تلك المناطق الشرقية التي يقطعها خط الاستواء من القارة. معروف أن الصومال تحديدًا، وتقع أقصى الشرق، على خط الاستواء مباشرة، من أكثر البلاد التي تعاني من التصحر، بينما نجد الجابون، وهي الدولة التي تقابل الصومال أقصى الغرب على خط الاستواء، تشكل الغابات الاستوائية 85% من مساحتها. وبالمثل تنتشر الغابات الاستوائية في الوسط، في الكونغو والكونغو الديمقراطية (زائير).
التصحر في بعض مناطق شرق خط الاستواء بدوره أدى إلى قلة الحيوانات – عددًا ونوعًا – التي طالما استوطنت تلك المناطق، بينما تتنوع الفونا الحيوانية في وسط وغرب إفريقيا بشكل أغنى.
يقوم الافتراض التطوري بشأن تطور الإنسان تحديدًا، على أساس أنه بسبب الصدع الإفريقي الكبير أو صدع شرق إفريقيا؛ وُجدت جبال في شرق إفريقيا، والتي هي السبب الرئيس في منع مرور السحب من الغرب إلى الشرق، ومن ثم أدت إلى قلة الأمطار؛ فلمّا لم تجد القردة القديمة في المنطقة الشرقية من خط الاستواء الأشجار، التي تراجعت كثافتها تدريجيًا، والتي كانت تأكل منها وتعيش عليها وتحتمي بها، اضطرت للتطور استجابة للتغير في البيئة؛ فنشأ الإنسان المنتصب القامة تدريجيًا بإسهام من الانتخاب الطبيعي، بينما القردة في المنطقة الغربية لم تضطر إلى هذا التحول؛ فبقيت قردة، بالرغم من أنها تطورت أيضًا بحسب الفرضية التطورية.
التباين بين المنطقة الشرقية لخط الاستواء وغيرها واضح بالفعل، كما أنه من الواضح، والمسجل عالميًا، أنه في جميع أنحاء القارة الإفريقية تتراجع الحياة البرية، وتتناقص مناطق الغابات، لأسباب عديدة يقف على رأسها الإنسان بتدخلاته السلبية في البيئة؛ وأهمها قطع الأشجار، والصيد الجائر، كما تأثرت البيئة سلبًا بالحروب الأهلية التي حدثت في كثير من البلاد، وبين كثير من القبائل، وكان لها أشد الأثر في المناطق شرق خط الاستواء. الصومال وإثيوبيا تحديدًا عانتا من الحرب الأهلية لسنوات طويلة.
ولكن التطوريين يُصرون على فرضية تأثير التصحر في تطور الإنسان، ويروجونها بين أتباعهم، بالرغم من أنه حدث فقط في قليل من المناطق في العصر الحديث، وهذا معتاد منهم، فدائمًا لهم نظرة مختلفة، وتصور آخر يهدف إلى إثبات النظرية باختلاق وحشد أدلة زائفة. وبالرغم من أن الدلائل التاريخية تشير إلى أن إثيوبيا – على سبيل المثال – في العصور القديمة كانت مليئة بالأدغال، وأن الخلفاء كانوا يستجلبون الفهود منها، أما الآن فبسبب التغيرات التي يُنسب أغلبها للإنسان، فإثيوبيا لديها عدد كبير من الأنواع المهددة بالانقراض.
آثار الإنسان الأول!
عثرت بعثات التطوريين على بعض ما أسموه أقدم الآثار البشرية المعروفة، في شرقي إفريقيا، في إثيوبيا والصومال وأجزاء من كينيا.
ويعتبر التطوريون إثيوبيا – تحديدًا – موقع ظهور الإنسان العاقل الحديث (هومو سابينس Homo Sapiens)؛ حيث عثرت البحثات الاستكشافية على بقايا عظام لِما اعتبروه أقدم عظام معروفة للإنسان الأول، في جنوب غرب إثيوبيا، وهو ذاته الإنسان الذي يعيش على ظهر الأرض الآن، وفي موقع آخر عثروا على عظام أقدم، ونظرًا لأن تقدير عمر العظام أظهر أنها أقدم من الزمن الذي قدروه لظهور الإنسان الحديث، فقد اعتبروها سلالة منقرضة من الإنسان الحديث (هومو سابينس إيدالتو Homo sapiens idaltu). كما أن الحفرية لوسي (Australopithecus afarensis) التي يعتبرونها من أشهر أسلاف الإنسان عُثر عليها عام 1974 في منطقة عفر إحدى أقاليم إثيوبيا، وقدّروا عمرها بحوالي 3.2 مليون سنة. وفي عام 2000 تم اکتشاف المستحاثة سلام في إثیوبیا أيضًا، واعتبرت من نفس نوع لوسي (Australopithecus Afarensis)، لكن المفترض أنها عاشت قبل ما یقرب من 3.3 ملیون سنة.
وإنه من العجيب واللافت أن أي حفريات عظام منتصبة القامة أو غير منتصبة القامة، يُعثر عليها في إثيوبيا يعتبرها التطوريون مباشرة أسلافًا لبشر، فأين عظام البشر؟ وأين عظام القردة؟ وأيها أولى أن يبلى في حال كانت نظرية التطور صحيحة؟!
وتلعب إعادة التشكيل للعظام دورًا هامًا في استكمال التصور التطوري حول أشباه البشر، فحفرية لوسي، على سبيل المثال، لم يُوجد من بقاياها سوى 40% فقط من الهيكل. وهناك الكثير من الدراسات العلمية الحديثة التي ناقشت صحة تصنيف عظام الحفريات الناقصة التي عُثِر عليها، وتُنسب لأسلاف البشر، والتي أظهرت أن جميعها، إما عظام بشرية، وإما عظام قردة. وليس هذا موضوعنا على كل حال.
ولا يقتصر الأمر على البحث عن العظام، فكل ما تجده البعثات الكشفية من آثار حضارية بهذه المناطق يُنسب مباشرة إلى الإنسان الأول Homo Sapiens، ويُدّعى أنها أقدم آثار بشرية، على سبيل المثال: عُثر على نقوش على جدران الكهوف بشمال الصومال نُسبت إلى العصر الحجري القديم، أي إلى حوالي عام 9000 ق م. وهناك كشوف كثيرة تمت في الصومال تتحدث عن أقدم طقوس جنائزية وأقدم أدوات ونحوه، وكلها تصب في تدعيم فرضية التطوريين حول نشأة الإنسان الأول في هذه المنطقة من العالم.
بالرغم من ذلك، نقرأ للتطوريين أحيانًا أن الإنسان المنتصب القامة Homo Erectus قد هاجر من إفريقيا؛ كون علماء الآثار قد اكتشفوا آثارًا وأدوات إنسانية قديمة للغاية في آسيا وأوروبا، لكن التطوريين يصرون على فرضية دارون بأن الإنسان تطور في إفريقيا، وتركيز البحث ينصب بالتالي على إفريقيا، بالأخص إثيوبيا والصومال، وبالدرجة الثانية كينيا وتنزانيا. ولم يعد هناك تركيز على إرسال البعثات العاملة إلى مناطق أخرى مثل جنوب إفريقيا وتشاد، بالرغم من سابق العثور فيهما على حفريات نُسبت إلى أسلاف الإنسان، لم تخل هي الأخرى من تشكيك كثير من العلماء فيها.
الصدع الإفريقي العظيم وصدع شرق إفريقيا
يلزمنا للرد على الفِرية التطورية، التعريف بواحدة من أهم الظواهر الجيولوجية على قشرة الأرض، وهو الوادي المتصدع الكبير أو الأخدود الإفريقي العظيم The Great Rift Valley، وهو صدع جيولوجي في قشرة الأرض يمر غربي آسيا وشرقي إفريقيا، من جنوبي تركيا في الشمال عبر بلاد الشام، والبحر الأحمر وخليج عدن، إلى كينيا في الجنوب.
يتفق الجيولوجيون على أن هذا الصدع قد نشأ من تحرك صفيحتين تكتونيتين (الصفيحة العربية والصفيحة الإفريقية) من صفائح القشرة الأرضية، بحيث انخفضت مناطق من سطح الأرض، بلغت أقصاها في البحر الميت، كما ارتفعت مناطق أخرى، ومن ثم نشوء بعض المرتفعات والجبال.
أما صدع شرق إفريقيا The East African Rift فهو صدع قاري، ممتد بطول شرق قارة إفريقيا. كان يُعتقد في الماضي أن صدع شرق إفريقيا هو نطاق من الصدع الإفريقي العظيم. والجيولوجيون يعتقدون أن هذا الصدع هو سبب تكون مرتفعات في شرق إفريقيا، بالقرب من خط الاستواء، أهمها أعلى جبلين في إفريقيا؛ وهما جبل كالمنجارو وجبل كينيا، وكلاهما جبلان بركانيان نتجت مخاريطهما البركانية من الصهّارة الموجودة في الوشاح تحت القشرة الأرضية المتصدعة.
يفترض التطوريون، كما أوضحنا، أن حدوث الصدع الإفريقي الكبير، وصدع شرق إفريقيا، وتكون الجبال شرق خط الاستواء قد تزامن مع ظهور أول أسلاف الإنسان المنتصبة القامة Homo erectus، لأن أسلاف القردة في المنطقة شرق خط الاستواء قد اضطرت للتطور استجابة للتغير في البيئة، فانتصبت قاماتها، لعدم وجود الأشجار، بعد قلة الأمطار الشرقية، بسبب إعاقة الجبال مرور السحب من الغرب إلى الشرق.
تفنيد أكذوبة التطوريين
الحقيقة أن التفسير التطوري للسبب الذي لأجله نشأ الإنسان، عارٍ من الصحة؛ والرد عليه يتضمن عدة محاور؛ فلا المناخ عامة في إفريقيا شرق خط الاستواء متصحر بالكامل، ولم تكن الأجزاء المتصحرة منه كذلك حتى عهد قريب، ويوجد فيه تنوع كبير للحيوانات البرية، وأهم ما يعنينا هو تواجد القرود حتى يومنا هذا، كذلك فإن الصدع الإفريقي العظيم وصدع شرق إفريقيا كلاهما أقدم بكثير مما يتناسب مع فرضية التطوريين.
والآن إلى التفاصيل..
هل أثّرت تلك المرتفعات بالفعل على بيئة المناطق شرق خط الاستواء؟
صحيح أن الغابات المدارية المطيرة تنتشر في غرب ووسط إفريقيا، لكن الدول في الشرق بالقرب من خط الاستواء، وتشمل كينيا وتنزانيا وإثيوبيا كلها غير متصحرة، وفقط الصومال تعاني من الجفاف، وسنعرف لماذا.
ووفقًا لأحد المصورين المحترفين لتصوير الأدغال الإفريقية Ashraf Kotb، يوجد في كينيا نهران رئيسان، وهما نهرا آثي وتانا، وينبع كلاهما من الأراضي المرتفعة، كما توجد فيها بحيرات، وتقع بحيرة فيكتوريا أكبر بحيرة في إفريقيا في الطرف الغربي من كينيا، وفي كينيا كذلك موسمان مطيران، إلى درجة حصول فيضانات أحيانًا، فهي ليست متصحرة إطلاقًا، ويقل المطر فقط في منطقة السهول أقصى الشمال، ومناخها شبه صحراوي.
ونظرًا لانتشار الصيد الجائر لفترات طويلة فإن أعدادًا كبيرة من الحيوانات الوحشية قد قُتلت، حتى أصبحت بعض الأنواع مهددة بالانقراض، لكن الأوضاع قد تحسنت وزادت أعداد الحيوانات كثيرًا بعد إنشاء الحكومات من منتصف القرن العشرين محميات للحيوانات البرية. ولا توجد في كينيا حاليًا غابات مدارية، لكن أشجارها العالية بجانب البحيرات، ومناطق حشائش السافانا السهلية المفتوحة التي تشكل أكبر مساحة من الغطاء النباتي فيها تأوي القردة. قردة البابون تحديدًا تنتشر في مناطق السافانا.
أما عن إثيوبيا، فليست متصحرة على الإطلاق، ولم تكن في الماضي كذلك، وإن كانت الطبيعة فيها أكثر سخاءً في عصور مضت، وبها منبع نهر النيل العظيم. وقد تم سنّ قوانين لمنع إزالة الغابات وحماية الحيوانات.
تنزانيا أيضًا ذات مناخ رطب، والفونا الحيوانية بها غنية.
وحتى في الصومال التي تعتبر أكثر البلدان تضررًا من التصحر، وتعاني منذ سنوات من نُدرة هطول الأمطار، ونقص مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، فقد كانت توجد بها مناطق مأهولة بالغابات الاستوائية حتى عهد قريب، حتى بدأ قطع الأشجار وقت الحرب الأهلية بغرض إنتاج الفحم النباتي؛ مما أدى بالتبعية إلى موجات متعاقبة من الجفاف، نتيجة زيادة زحف الرمال.
التوزيع الحالي للقرود في إفريقيا
وفقًا للمواقع المتخصصة في التعريف بالتوزيع الحيوي للحيوانات في إفريقيا، فإن إفريقيا تستضيف 51 نوعًا من القردة، والتي تعيش في الغابات كما تعيش على حشائش السافانا.
ولا يعتمد البابون وقرود السعادين والشمبانزي على الأشجار، ويمكنهم البقاء على قيد الحياة في مناطق السافانا والمناطق شبه الصحراوية.
القرود هي فئة من الرئيسات يمثلها في إفريقيا الغوريللا والشمبانزي وبونوبو. وراثيًا، هي أقرب الرئيسات للإنسان.
الغوريللا توجد في أوغندا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وغيرها من البلدان الاستوائية ذات الغابات المطيرة.
African Primates- Baboons, Gorilla, Monkey
Africa hosts 51 primate species in habitats varying from forests to savannah woodlands.
Gorilla- found in Uganda, DRC and other equatorial rainforest countries.
وأهم معلومتين تهمانا حول توزيع القرود الحالي في إفريقيا هما:
- القرود لا زالت تتواجد في شرق أفريقيا إلى يومنا هذا، بل وتوجد أيضًا على الساحل المقابل في اليمن جنوب غرب جزيرة العرب.
- قرد الشمبانزي الذي يفترض التطوريون أنه ابن عم الإنسان لا يعتمد على الأشجار مثله في ذلك مثل الإنسان، وبالتالي المفترض أن يكون مسار تطورهما واحدًا فيما يخص انتصاب القامة، فليس سلفهما المشترك بحاجة إلى أن تنتصب قامته عندما تنعدم الأشجار؛ فيتطور إلى إنسان، بينما يبقى المسار التطوري للشمبانزي كما هو ليظل قردًا. ولا زالت القرود، خاصة الشمبانزي، تعيش في مناطق حشائش السافانا، بل وبعض المناطق شبه الصحراوية في إفريقيا وغير إفريقيا، ولم تتغير.
هل تُحدث الجبال شرق خط الاستواء إعاقة لمرور الرياح من الغرب إلى الشرق؟
معروف أن الحرارة تتناسب عكسيًا مع الضغط، وأن الرياح تهب من مناطق الضغط المرتفع منخفضة الحرارة إلى مناطق الضغط المنخفض مرتفعة الحرارة.
ومعلوم أن خرائط اتجاه هبوب الرياح تكاد تكون ثابتة لا تتغير، وهي معقدة للغاية، ولكن يعنينا منها فقط الرياح التي تتحكم في سقوط الأمطار على مناطق إفريقيا الاستوائية.
الرياح التجارية السطحية Trade winds
بتفحص خريطة الرياح العالمية، والجزء المتعلق بهبوبها عند خط الاستواء، نجد أن الرياح الدائمة تهب باستمرار وبانتظام طوال السنة، حيث تلتقي الرياح التجارية الشمالية الشرقية للنصف الشمالي للكرة الأرضية مع الرياح التجارية الجنوبية الشرقية للنصف الجنوبي للكرة الأرضية بالقرب من خط الاستواء، في نطاق تقارب، يسمى بنطاق التقارب بين المدارين.
ولكن الرياح الدائمة التجارية جافة وغير ممطرة؛ لأنها تأتي من جهات دافئة (منطقتيّ الضغط المرتفع المداريتين) إلى جهة حارة (منطقة الضغط المنخفض الاستوائي). هذه الرياح أيضًا سطحية، لا تكون في الأجزاء العليا من أول طبقات الغلاف الجوي القريبة من سطح الأرض (التروبوسفير).
انحراف الرياح بسبب دوران الأرض
وهناك ما يُعرف بظاهرة انحراف الرياح، وتحدث بسبب دوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق، حيث تنحرف الرياح إلى يمين اتجاهها في نصف الكرة الشمالي، وإلى يسار اتجاهها في نصف الكرة الجنوبي، وهي ظاهرة مشهودة أكثر عند خط الاستواء؛ لأن دوران الأرض عند خط الاستواء أسرع؛ فتنتقل الرياح من جهات بطيئة الحركة إلى أخرى سريعة تسبقها في حركتها نحو الشرق.
بالتالي، بما أن الرياح الدائمة التجارية ينحرف مسارها عند مرورها بخط الاستواء، فإنها تعرف عندئذ بالرياح التجارية الغربية الاستوائية، أو الرياح التجارية العكسية، وكثيرون يخلطون بينها وبين الرياح الدائمة العكسية Westerlies (ليست تجارية، وتتحرك من خطيّ عرض 30 إلى خطيّ عرض 60).
وهناك نقطة هامة أخيرة، فهذه الرياح التجارية الغربية الاستوائية عندما تنحرف لا تكون سطحية مثل الرياح التجارية الأصلية، بل تكون علوية؛ في الطبقات العليا من التروبوسفير.
لكن من أين تأتي الأمطار الغزيرة التي بسببها تكونت الغابات الاستوائية طالما الرياح التجارية السطحية جافة؟
بسبب تعرض المناطق عند خط الاستواء للتسخين الشديد طوال العام بسبب السطوع الدائم لأشعة الشمس، يكون الهواء القريب من سطح الأرض شديد الحرارة، مما يعني استدامة منطقة الضغط المنخفض طوال العام، وبطء حركة الهواء الأفقية قرب سطح الأرض. وتكون حركة الهواء تصاعدية؛ أي أنه يحدث ارتفاع للهواء الساخن إلى الأجزاء الأعلى من طبقة التروبوسفير، ويكون هذا الهواء الساخن الذي كان ملاصقًا لسطح المحيطات والأنهار والبحيرات محملًا بالرطوبة أثناء ارتفاعه، فيبرد في الطبقات العليا.
فعندما تتحرك الرياح التجارية الغربية الاستوائية (العلوية) نتيجة دوران الأرض لتمثل حزامًا يدور حول الأرض عند خط الاستواء، فهي تُحرك معها جزئيات بخار الماء المتجمعة في الجزء العلوي من التروبوسفير، بسبب التبخر من الأسطح المائية، لتجعلها بعد ذلك تسقط أمطارًا غزيرة على اليابسة.
أي أن تقارب الرياح التجارية من الشمال والجنوب، ثم انحرافها عند خط الاستواء جهة الغرب، يكون مصحوبًا بتصاعد للرطوبة إلى أجزاء مرتفعة من طبقة الهواء الأولى بالغلاف الجوي (التروبوسفير)، وينتج عن ذلك سحب ركامية وتساقطات غزيرة.
والرياح التجارية بالذات لها الفضل على الإنسان في الملاحة الشراعية منذ القدم.
هناك أيضًا الرياح الموسمية التي تهب في فصول معينة من السنة؛ حيث تتناوب بين القارات والمحيطات في الصيف والشتاء. في فصل الصيف تكون المناطق التي تتوسط القارات شديدة الحرارة لبعدها عن تأثير المحيطات، وبالتالي تتكون بها منطقة ضغط منخفض، تجتذب الهواء البارد من المحيطات ذات الضغط المرتفع، فتسقط أمطار غزيرة، وهذا ما يحدث في فصل الصيف، في منتصف إفريقيا وإثيوبيا، ومناطق أخرى من العالم، وتكون هذه الرياح الموسمية الصيفية جنوبية غربية. علمًا بأن الحال ينعكس في الشتاء بين القارات والمحيطات، وليس هذا موضوعنا.
وخلاصة الأمر أن:
- الرياح التجارية الغربية الاستوائية (العلوية) التي يدّعي التطوريون أن الجبال شرق خط الاستواء تحجز أمطارها ليست رياحًا سطحية لتحجزها الجبال، فهي تدور في في الأجزاء العليا من طبقة التروبوسفير، وتحديدًا فوق مستوى 500 م من سطح الأرض، ورغم وجود تلك المرتفعات والجبال جهة الشرق، وبالرغم من وجود قمم عالية عليها، فأعلى قمة لجبل كالمنجارو تكون على ارتفاع 5,895 مترًا عن سطح البحر، وهناك ثلاث قمم مرتفعة لجبل كينيا كلها على ارتفاع 5000م تقريبًا، إلا أن هذه الجبال ليست متلاصقة وقريبة بحيث تمثل حائط صد مانع تمامًا ضد الرياح حتى لو كانت رياحًا سطحية. وكل ما يمكن أن يحدث هو تقليل كميات الأمطار الساقطة على الصومال، وفقط الصومال.
- وبشكل عام، فإن السواحل الشرقية للقارات في المناطق المدارية تكون ممطرة، سواء في آسيا أو إفريقيا أو الأمريكتين أو أستراليا، ولا يُستثنى منها جميعًا سوى الصومال، فهي إلى حد ما جافة، ومثلها السواحل المجاورة لها (سلطنة عمان واليمن).
- بينما الرياح المحملة بأمطار غزيرة والتي تسقط في فصل الصيف على خط الاستواء في إفريقيا، قادمة من المحيط، فتختص الأجزاء الوسطى من القارة بالنصيب الأكبر منها، ولكن يصيب المناطق الشرقية من أفريقيا نصيب منها، بل وتصل تلك الأمطار الموسمية الصيفية إلى جنوب غرب الجزيرة العربية القريبة من شرق أفريقيا الاستوائي، ولكن هناك فروق طبيعية في كميات الأمطار بين منطقة وأخرى.
وهذه هي خريطة الرياح والأمطار في تلك المنطقة، ولا نعرف أنها تبدلت طوال العصر الجيولوجي الأخير.
والأهم من كل ما سبق أن علماء الجيولوجيا يقررون أن:
الصدع الإفريقي العظيم قد بدأ في الحدوث قبل حوالي 25 مليون سنة، ونفس الشيء يُقال عن صدع شرق إفريقيا الذي حدث من 22: 25 مليون سنة، وتكون جبلا كينيا وكالمنجارو كجبلين بركانيين بعد التصدع بحوالي 3 ملايين سنة
وهو زمن يسبق ما يفترضه التطوريون لبدء ظهور الإنسان العاقل بملايين السنين، بل ويسبق الزمن الذي يفترضه التطوريون لظهور السلف المشترك الذي يفترضونه للإنسان والشمبانزي. والذي يضع التطوريون أقصى مدة لظهوره منذ 9 ملايين سنة.
فالصدوع والجبال موجودة قبل القردة بملايين السنين، ولكن القردة – وفقًا للزمن الذي حددته نظرية التطور – ظهرت بعد حدوث التصدع وتكون تلك الجبال، ثم عاشت هناك ملايين السنين في شرق إفريقيا، ولو كان لفرضية التطوريين أثر من الصحة؛ بمعنى أنه لو كان مثل هذا التغير البيئي المزعوم قد حدث وكان مؤثرًا في نشأة الإنسان منتصب القامة، لكان المفترض أن ينشأ الإنسان من زمن أقدم بكثير مما يفترضه التطوريون!
فلماذا لم يظهر الإنسان من البداية؟ ولماذا ظهرت قردة غير قادرة على نصب قاماتها طالما نشأت بعد هذا التغير الجيولوجي الذي يدّعون زورًا أنه أقحلت بسببه الأراضي، ومُحيت الغابات، وهو ما لم يحدث؟
نعلم أنه عند هذه النقطة سيحدثنا التطوريون عن تراكمية التطور، والتي سبق وأن تحدثنا عنها في مقال: هل بُنيت الأنظمة الحيوية باستخدام سقّالات؟! وفنّدناها، ولكن هذا سيمثل تهربًا من فرضيتهم القائمة على كذبة حدوث تغير بيئي جعل السلف المشترك في الشرق يتطور وتنتصب قامته، فيتحول إلى بشر، بينما بقيت القردة في الغرب على حالها، ولم تنتصب قاماتها؛ لأن شيئًا لم يتغير في بيئتها.
وربما عكسوا الدليل كعادتهم بعدما ينقلب عليهم، فأصبح لزامًا على السلف المشترك أن يتفرع في كلا الاتجاهين؛ اتجاه الإنسان واتجاه الشمبانزي!
ولكن، ما سيبقى بلا إجابة، وسيظل يلزمهم، هو إيجاد فرضية جديدة للسبب الذي من أجله اضطر السلف المشترك المُدّعى للإنسان والشمبانزي والبونوبو لأن تنتصب قامته.
ولا زال التطوريون يحفرون في صحاري ووديان شرق إفريقيا بحثًا عن أي عظام، والتي يفترضونها مباشرة عظامًا لأسلاف الإنسان!
The post التطور والجغرافيا الحيوية (3) لماذا يبحثون عن أسلاف الإنسان في إثيوبيا؟! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست