الجمعة، 5 مايو 2017

ثقفني اون لاين : لا أرخص الله أسعاركم وفعل بكم وفعل! (2-2)

لقد تكلمنا في الجزء الأول عن كيفية اتباع أوامر الله ورسوله. وذلك عن طريق تعريف الإسلام أنه الاستسلام لأوامر الله ونواهيه، تعريف مصادر التشريع: الكتاب والسنة والإجماع «خاصة إجماع الصحابة» والقياس، أهمية فهم الكتاب والسنة بفهم السلف «خاصة الصحابة»، الفرق بين الاتباع والتقليد، السبل المتاحة للتقليد في عصرنا. هيا بنا ندخل في صلب موضوعنا في هذا الجزء.

حسنًا لقد تعلمنا العلم وعملنا به، ما الذي ينقصنا كي نلجأ إلي الله حق اللجوء؟

1- تصحيح العقيدة

ما أول شيء دعا إليه الرسول – عليه الصلاة والسلام-؟ كانت دعوة الرسول – عليه الصلاة والسلام- قائمة في أول ثلاث عشرة سنة فقط على تعليم وترسيخ الركن الأول من أركان الإسلام، ألا وهو الشهادتان: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.«16» هذا يقودنا إلى سؤال في غاية الأهمية: ما الذي دفع الرسول – عليه الصلاة والسلام- لقضاء كل هذه الفترة في الركن الأول من أركان الإسلام فقط؟ الذي دفعه لذلك أن تقرير عقيدة التوحيد وترسيخها ليس بالأمر الهين إطلاقا؛ فإذا صلحت العقيدة صلح كل شيء وإذا فسدت فسد كل شيء! هناك من يعتقد أن عقيدة التوحيد قائمة على أنه لا يوجد خالق إلا الله وأن علينا طاعته في بعض المحرمات مثل الخمر والزنا والكذب والغش والسرقة والقتل وإلخ… للأسف هذه نظرة قاصرة جدًا ومنتشرة جدًا بين الناس! العقيدة فروع كثيرة لذا قسّم العلماء العقيدة لأقسام عديدة تسهيلاً على الناس. نذكر على سبيل المثال ما يهمنا في وقتنا الحالي:
– توحيد الألوهية: هو تفرّد الله في استحقاق العبادة، بحيث تُصرف له دون ما سواه.

– توحيد الربوبية: هو اعتقاد تفرّد الله تعالى بالخلق والرزق، والملك والتدبير، وغيرها من الأفعال التي اختصّ بها دون خلقه. «17» من أهم ملامح توحيد الربوبية هو الاعتماد أولاً على رب الأسباب «ثم» الاعتماد على الأسباب الدنيوية. هذا ما ظهر بجلاء ووضوح في غزوة حنين حين قال بعض المسلمين: «لن نغلب اليوم من قلة»، شقَّ ذلك على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان من أثر ذلك حجب النصر عن المسلمين في بداية المعركة، كما قال تعالى: «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ» «التوبة الآية: 25»، ومن ثم نبه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أهمية الاستعانة بالله في الحروب وغيرها، ونِسْبة النصر والتوفيق إلى الله في كل شيء، فكان دائمًا في غزواته وحروبه إذا لقي العدو يقول: اللهم بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل» رواه أحمد». لقد كانت غزوة حنين درسًا مهمًا من دروس من السيرة النبوية، تعلم منه الصحابة ـ والمسلمون من بعدهم ـ أن النصر ليس بكثرة العدد والعدة، ورغم أهمية الاستعداد للقتال بالعدد والعدة وغيرهما كما قال تعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ ««الأنفال من الآية: 60»، فإن النصر لا يتوقف عليهما، والكثرة لا تغني شيئًا، ولا تجدي نفعًا في ساحات المعارك، إذا لم تكن قد تسلحت بسلاح العقيدة والإيمان، وأخذت بأسباب النصر وقوانينه، وأيقنت أن النصر من عند الله، فالنصر والهزيمة ونتائج المعارك لا يحسمها الكثرة والقلة والعدة فقط، وإنما ثمة أمور أُخَر لا تقل شأنًا عنها، إن لم تكن تفوقها أهمية واعتبارًا، قال الله تعالى: «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» «آل عمران: من الآية 126»، وقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ» «محمد: 7»، وقال: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» «الأنفال الآية:177». كل هذا قد حدث في حضور أشرف الخلق الرسول – عليه الصلاة والسلام- وصحابته الكرام فما بالنا بأناس مثلنا والله المستعان!
«27»

– الأسماء والصفات: نرى تأجيل هذا القسم في العقيدة لأن فيه خلافًا سائغًا طالما الغرض منه تنزيه الله عن كل نقص في ظل وجود مصائب عقائدية أخرى صريحة متمكنة في أمة المسلمين. «39» «40»

– الولاء والبراء: هو الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من كل من حادّ الله ورسوله واتبع غير سبيل المؤمنين .
قال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» رواه مسلم .

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. قالوا يا رسول الله: هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: تأخذ فوق يديه» أي تمنعه من الظلم. رواه البخاري، وفي بيان أهمية هذه العقيدة يقول العلامة أبو الوفاء بن عقيل: «إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة». «18»

– أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. والفرق بين أركان الإسلام والإيمان أن أركان الإسلام أعمال ظاهرة تقوم بها الجوارح، من صلاة وزكاة وصيام وحج. وأركان الإيمان أعمال باطنة محلها القلب، من إيمان بالله وملائكته… إلخ. وقد يكون الشخص مسلمًا وليس مؤمنًا كما قال تعالى: «قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ» «الحجرات: 14». فالأعراب قالوا آمنا ووصفوا أنفسهم بالإيمان فرد الله تعالى عليهم مؤدِّبًا ومعلمًا، وأمر رسوله – صلى الله عليه وسلم- أن يقول لهم: إن الإيمان هو التصديق مع طمأنينة القلب والوثوق الكامل بالله تعالى، واتفاق القلب واللسان والجوارح وهذه المرتبة لم تصلوا إليها بعد، ولكن قولوا أسلمنا وأنقدنا إليك طائعين مستسلمين. «19» من أهم ثمرات أركان الإيمان ترسيخ مفهوم أن الدنيا دار بلاء وابتلاء أما الآخرة فهي دار الجزاء. هذه نقطة مهمة جدًا كي لا يصيبنا ما حذرنا رسول الله منه وهو الوهن: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم! وليقذفن الله في قلوبكم الوهن! فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت»! صحيح طالع صحيح أبي داود 3610. «28»

نختم بواحدة من أهم فروع العقيدة: نواقض الإسلام التي توازي جريمة الخيانة العظمى في المجتمعات الدولية.
هناك رأي شائع في نواقض الإسلام أنها عشرة فقط، وهذا ليس فهمًا دقيقًا للموضوع. ممكن المقصود أن النواقض العشرة المشهورة هي جامعة لأغلب النواقض المتفق عليها من قبل العلماء، برغم وجود ناقض مختلف فيه وهو السحر، والخلط المنتشر بين ما هو جائز ومكروه وبدعي وشركي في مسائل مثل التبرك، الصلاة في مسجد به ضريح، التوسل.. إلخ.

تعد الفقرة السابقة تفصيلة دقيقة تهم المختصين أكثر. لذا هي لا تهمنا كثيرًا الآن بل ما يهمنا هو ذكر أشهر النواقض المنتشرة بين الناس. ليس الهدف من ذكر بعض نواقض الإسلام هو قيام الناس بتكفير بعضهم البعض! فالتكفير له ضوابط في غاية الدقة والصرامة غالبًا جدًا لا يحيط بها إلا العلماء، مع العلم أن عاقبة التكفير دون علم شديدة. لكن المقصود هو تنبيه الناس لهذه النواقض لتجنبها ونصيحة المقربين والأحباب بتجنبها أيضًا نظرًا لخطورة الموقف.

– «الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به»

المراد بالإعراض الذي يكون ناقضًا من نواقض الإسلام؛ هو الإعراض عن تعلم أصل الدين، الذي يكون المرء به مسلمًا، وأما من كان جاهلاً بتفاصيل الدين وفروعه فليس مقصودًا؛ لأن من التفاصيل من لا يقوم به إلا العلماء وطلبة العلم. هو كمن اتخذ إلهه هواه، فتراه يحسّن ويقبّح ويحلل ويحرم على حسب ما يناسب أهوائه وشهواته ومصالحه الدنيوية بدون الرجوع إلى دين الله؛ ليتخذه معيارًا لتحديد الصواب والخطأ. الأنكى أن هذا الطريق يقوده إلى نواقض أخرى. «21»

«استحلال الحرام المجمع عليه أو تحريم الحلال المجمع عليه»

فالمحرمات المعلومة من الدين بالضرورة التي يكفَّر باستحلالها هي ما أُجمِع على تحريمها، وظهر حكمها بين المسلمين، بحيث لا يكون فيها تأويل ولا شبهة. أما المعلوم من الدين بالضرورة: فهو الأمر المقطوع به الذي يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى التصديق به، لكثرة النصوص الواردة فيه وتواترها ونقل العامة والخاصة لهذه النصوص، أو لنقلهم الحكم الذي دلّت عليه، ولا يجد الإنسان في قلبه أدنى شبهة. أما بخصوص حديث العهد بالإسلام، ومن يسكن في بادية بعيدة عن المسلمين فيعذر بجهله ويجب إزالة الجهل عنه وإقامة الحجة عليه. «22»

– «من استهزأ بشيء من دين الرسول – صلى الله عليه وسلم- أو ثوابه أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ* لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ»

فما كان منه استهزاء بالله تعالى أو بالقرآن أو بالرسول – صلى الله عليه وسلم- : فهو كفر مخرج من الملة، وقد دلَّ على هذا قوله تعالى : «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ* لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ» التوبة/ 65،66 .وقد أجمع على ذلك أهل العلم . وما كان منه استهزاء بذات الأشخاص وأفعالهم الدنيوية المجردة: فهو فسق، وفيه يقول تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنّ» الحجرات/ 11 .

وأما المحتمل لكونه كفرًا مخرجًا من الملة ولكونه فسقًا: فهو الاستهزاء بالمسلم لتدينه وهيئته الموافقة للسنَّة «مثل اللحية، النقاب، الحجاب، الجلباب، ..إلخ»، فإن كان الاستهزاء لذات الشرع الملتزم به ذلك المسلم: فيكون كفرًا مخرجًا من الملة، وإن كان الاستهزاء يرجع لذات المسلم لأنه – مثلاً – ليس أهلاً لأن يُظهر أنه متدين، أو لأنه يبالغ أو يتشدد في تطبيق السنَّة بما لم تدل عليه النصوص: فيكون فسقًا؛ لأنه استهزاء بالشخص وليس بالدين. «23» «42» «43»

«من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كفر» بسبب قلة العلم وسوء الفهم، يعد هذا الناقض من أكثر النواقض المسببة للغلو في التكفير، وكذلك ناقض آخر بخصوص مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين. «26» المقصود هنا من لم يكفر المشركين الذين جاء ذكر كفرهم صراحة في القرآن مثل اليهود والنصارى وعبدة الأوثان وغيرهم؛ لأن من لم يكفرهم فكأنه عارض القرآن، ومن شك في كفرهم كأنه شكك في حكم القرآن. وليس المقصود به «إطلاقًا» الشخص الذي نطق الشهادتين ولكنه وقع في ناقض من نواقض الإسلام؛ فإطلاق حكم الكفر على الشخص المعين الذي نطق الشهادتين مسألة «فقهية» لا يقوم بها إلا العلماء في الأغلب، أما تكفير من جاء بكفرهم في القرآن مثل اليهود والنصارى وغيرهم فهذه مسألة «عقائدية» .في المقابل هناك من يستشنع تكفير الكفار الذين ذكروا في القرآن خاصة النصارى مع أن النصارى ليس عندهم أدنى إشكال في تكفير المسلمين لاختلاف عقيدة الديانتين وهذا شيء بديهي جدًا! «20» «24» «25»

2– الحب والبغض في الله: «المرء مع من أحب»

وقد بيّن أهلُ العلم أن المؤمن تجبُ محبته وإن أساء إليك، والكافر يجبُ بغضه وعداوته وإن أحسن إليك.
فالمسلم وإن قصّر في حقك وظلمك، فيبغض على قدر المظلمة، لكن يبقى حق الإسلام وحق النصرة وحق الولاية.
والسؤال: ماذا يجب علينا تجاه المسلمين ممن خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا، فهم ليسوا من أولياء الله الصالحين، وليسوا من أعداء الله الكافرين؟ الواجبُ في حق هؤلاء أن نحبهم ونواليهم بقدر طاعتهم وصلاحهم، وفي الوقت نفسه نبغضهم على قدر معصيتهم وذنبهم. «29»

هناك من يستشنع الحب والبغض في الله ويراه من عنصرية الأديان بصفة عامة والإسلام بصفة خاصة. التاريخ البشري قائم على الغلبة والصراع والتمدد على حساب الآخر مثلما استفضنا في مقالنا السابق: «هل حرم الإسلام جهاد الطلب وأحله الغرب» «34». من أهم العوامل المساعدة في عملية الغلبة والصراع هي وحدة وتماسك الأمم المتصارعة وهو ما أسماه ابن خلدون في مقدمته العصبية التي رآها أهم محرك للتاريخ البشري. «13» وكذلك رأى إيميل دوركايم وهو من رواد علم الاجتماع الأهمية القصوى للرابطة الاجتماعية من وجهة نظر أخرى. «14» «44» حتى من يدعون عدم العنصرية «المطلقة» فهم يوجهون عصبيتهم لمن يشاطرهم التوجه نفسه في نبذ العنصرية فيكوّنون جماعة عنصرية ضد العنصرية! لذلك الخلاصة في هذه النقطة هي: «يا عزيزي كلنا عنصريون»! نرى أهم تطبيقات الحب والبغض في الله في وقتنا الحالي هو وجوب توجيه بغضنا للأنظمة الفاجرة بسبب حربهم على الدين وأهله وليس بسبب استيلائهم واستحواذهم على دنيا فانية حتى يتحقق فينا قول الله – عز وجل- :«وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» ولا ينطبق علينا حديث الرسول – عليه الصلاة والسلام-: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى أَنْ تُبْسَط عليكم الدُّنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتَنَافَسُوها كما تَنَافَسُوها، وتهلككم كما أهلكتهم» «1694» رواه البخاري «4015»، ومسلم «2961».

لذلك لا بد أن يكون موقفنا تجاه مؤيدي الظلمة المجرمين كالآتي:

عن أبي موسى عن النبي – صلى الله عليه وسلم– قال: «إنه من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل فيهم العامل الخطيئة فنهاه الناهي تعذيرًا، فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله – تعالى – ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، ولتأخذن على أيدي المسيء ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم». رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح .

3– إحياء الفريضة المنسية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

المقصود هنا بإحياء هذه الفريضة على الأقل مع المقربين عسى الله أن يحدث بعد ذلك أمرًا. ليس من المنتظر في حالة قيامنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تتبدل الأحوال بالكلية بل من الجائز ألا يحدث شيء على الإطلاق! هدف المسلم بالقيام بهذه الفريضة هو تنفيذ أوامر الله عز وجل، بغض النظر عن النتيجة لأن الدنيا دار بلاء وابتلاء، أما الآخرة فهي دار الجزاء. وكان لنا في أصحاب القرية أسوة حسنة كما جاء في القرآن «وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» « 164 ».قال ابن كثير في تفسيره: يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحذور، واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت، كما تقدم بيانه في سورة البقرة. وفرقة نهت عن ذلك، «وأنكرت» واعتزلتهم. وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه، ولكنها قالت للمنكرة: « لِمَ تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا»؟ أي: لِمَ تنهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم هلكوا واستحقوا العقوبة من الله؟ فلا فائدة في نهيكم إياهم . قالت لهم المنكرة: «معذرة إلى ربكم» قرأ بعضهم بالرفع، كأنه على تقديره: هذا معذرة وقرأ آخرون بالنصب، أي: نفعل ذلك «معذرة إلى ربكم» أي: فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «ولعلهم يتقون» يقولون: ولعل بهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه، ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم». «41»

في البداية هناك من يظن خطأ أن العاصي لا يجوز له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا خطأ شنيع! فالذي عليه عامة العلماء من السلف والخلف: أنه لا يشترط فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر: أن يكون عدلاً في نفسه غير مرتكب لشيءٍ من المنكرات أو المعاصي؛ لأن في هذا الشرط سدًا لباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن ذا الذي يسلم من المعاصي والذنوب ؟! ولأن الواجب على الإنسان أمران: اجتناب المنكر، والنهي عنه، فإذا أخلَّ بأحدهما، لا يسقط عنه الآخر». «31»

عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، رواه مسلم .
لقد بين الحديث أن إنكار المنكر على مراتب ثلاث: التغيير باليد، والتغيير باللسان، والتغيير بالقلب، وهذه المراتب متعلقة بطبيعة هذا المنكر ونوعه، وطبيعة القائم بالإنكار وشخصه، فمن المنكرات ما يمكن تغييره مباشرة باليد، ومن المنكرات ما يعجز المرء عن تغييره بيده دون لسانه، وثالثة لا يُمكن تغييرها إلا بالقلب فحسب. فيجب إنكار المنكر باليد على كل من تمكّن من ذلك، ولم يُؤدّ إنكاره إلى مفسدةٍ أكبر، وعليه: يجب على الوالي أن يغير المنكر إذا صدر من الرعيّة، ويجب مثل ذلك على الأب في أهل بيته، والمعلم في مدرسته، والموظف في عمله، وإذا قصّر أحدٌ في واجبه هذا فإنه مضيّع للأمانة، ومن ضيّع الأمانة فقد أثم. «30»
يجب على من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون عالمًا بما يقوم به لأن لا يجوز الإنكار في مسائل الخلاف السائغ. المسائل الخلافية السائغة هي التي وقع فيها خلاف بين العلماء وهي ما جمعت هذه الشروط :

أ- أن لا يكون في المسألة دليل من الكتاب أو السنَّة أو إجماع متحقق. وما لم تكن المسألة فيها نص من الوحي أو إجماع منعقد: فستكون مبنية على النظر والاجتهاد، والعلماء ليسوا سواسية في هذا الباب.

ب- أن تكون المسألة فيها نص صحيح لكنه غير صريح الدلالة على المراد. ووقوع الخلاف هنا في الفهم الذي جعله الله تعالى متفاوتاً بين الخلق .

ج- أن تكون المسألة فيها نص صريح في الدلالة لكنه متنازع في صحته، أو يكون له معارض قوي من نصوص أخرى. مع التنبيه أن الخلاف السائغ المقبول هو ما كان صادرًا من أهل العلم والدين، وأما العامة، وأشباههم، فلا قيمة لخلافهم، ولا عبرة بفتواهم أصلاً.«32»

هناك من تراه يقول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة مهمة فعلاً! لذا سأقوم بالإنكار بالقلب فقط خوفًا من حدوث مفسدة أكبر على طول الخط! نرد على هذا الشخص ونقول حسنًا كما تريد لكن سنعرض عليك بعض الأحاديث لعلك تغيّر رأيك!

– إنَّا سمِعنا النَّبيَّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يقولُ: إنَّ النَّاسَ إذا رأَوُا الظَّالمَ فلم يأخُذوا على يدَيْه أوشك أن يعُمَّهم اللهُ بعقابٍ وإنِّي سمِعتُ رسولَ اللهِ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يقولُ: ما من قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي، ثمَّ يقدِرون على أن يُغيِّروا، ثمَّ لا يُغيِّروا إلَّا يوشِكُ أن يعُمَّهم اللهُ منه بعقابٍ… «صحيح أبي داود»

– عندما سئل النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث» ،«كيف سيزيد الخبث إلا إذا تم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟!»

– ونجد هذا المعنى أيضًا في قوله سبحانه وتعالى: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ» «117» سورة هود، فالله عز وجل قال وأهلها «مصلحون» وليس وأهلها «صالحون».

– و حديث الرسول – صلي الله عليه وسلم-: «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا يهلكُ العامةَ بعملِ الخاصَّةِ ولكن إذا رأَوا المنكرَ بين ظَهرانَيهم فلم يُغيِّروه عذَّبَ اللهُ عزَّ وجلَّ العامَّةَ والخاصَّةَ»

– وَ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَمَعْنَى أَوْشَكَ أَسْرَعَ.

– وأخيرًا أختم بهذا الحديث:

– عن النعمان بن بشير – رضي الله عنهما- عن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا؛ كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِن الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا» رواه البخاري.

4- الصلاة

كلنا نعلم أن الصلاة عمود الدين. لكن هناك من لا يعرف حجم مشكلة ترك الصلاة. سنتكلم عن تارك الصلاة بالكلية والذي يترك فرضًا حتى زوال وقته بدون عذر شرعي «وأشهر الفروض التي تترك هي صلاة الفجر».

أ) تارك الصلاة بالكلية:
لقد اتفق العلماء على كفر تارك الصلاة جحودًا، ولكن اختلفوا بخصوص تاركها تكاسلًا مع إقراره بوجوبها. فذهب أبو حنيفة – رحمه الله- إلى أنه لا يكفر، وأنه يحبس حتى يصلي، وذهب مالك والشافعي – رحمهما الله- إلى أنه لا يكفر ولكن يقتل حدًّا ما لم يصل بعد استتابته لمدة ثلاثة أيام، والمشهور من مذهب الإمام أحمد – رحمه الله- أنه يكفر ويقتل ردة ما لم يصل بعد استتابته لمدة ثلاثة أيام، وهذا هو المنقول عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وحكى عليه إسحاق الإجماع.
ب) الذي يترك فرضًا حتى زوال وقته بدون عذر شرعي:
لقد نقل الإمام ابن قيم الجوزية إجماع العلماء أن من ترك فرضًا حتى زوال وقته بدون عذر شرعي قد أتى بكبيرة أعظم من الزنا والسرقة والقتل وغيرها من الكبائر. ذهب جماعة من أهل العلم مثل إسحاق بن راهويه وغيره، واختيار اللجنة الدائمة، والشيخ عبد العزيز بن باز من المعاصرين إلى «كفر» من يترك فرضًا حتى فوات وقته بدون عذر شرعي. نعم ما قرأته صحيحًا! من ينام عن صلاة الفجر بدون الأخذ بأسباب إيقاظه كضبط منبه أو توصية أحد بإيقاظه قد يدخل في هذا. أما من أخذ بالأسباب ولكن لم يستيقظ بدون قصد منه فهو معذور. «35» «36» «37» «38»

5- تلاوة القرآن حق تلاوته

بمناسبة قرب دخول شهر رمضان المبارك، هناك من يحرص على زيادة ورده في قراءة القرآن. هذا عمل طيب لكن ينقصه شيء مهم جدًا حتى يكون ممن يتلو القرآن حق تلاوته: تلاوة القرآن حق تلاوته باتباع تعاليمه وتطبيق أحكامه، وتحريم ما حرم وتحليل ما أحل، والعمل بالمحكم، والإيمان بالمتشابه، وحمل راية التوحيد التي حملها جميع الأنبياء. «33»

نحن أمام تحدٍ كبير والأمر بأيدينا، هل سنستطيع الالتزام بما جاء في هذا المقال حتى يكون منصة انطلاق لما هو أبعد؟ أم سنجد بشير الرحال المعاصر يعلنها مدوية في وجوهنا: لا أرخص الله أسعاركم وفعل بكم وفعل؟

________________________________________________________________________________________________

13» العصبية عند ابن خلدون
14» Mechanical and organic solidarity
15» إذا ترك صلاة الفجر عمدا هل يترتب عليه شيء؟

16» المبحث الثالث: عقيدة التوحيد في دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

17» فروقٌ بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية

18» الولاء والبراء

19» أركان الإسلام وأركان الإيمان

20» مسيحى يقول أن المسلمين كفار ولا تعليق

21» من نواقض الإسلام: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به

22» المحرمات التي يكفر من استحلها

23» الاستهزاء بالدين والتوبة منه

24» ضوابط العذر بالجهل من عدمه

25» بيان قاعدة أن من لا يكفر الكافر فهو كافر

26» (( الرد على من يكفر العلماء بشبهة الموالاة للمشركين )) لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ

27» لن نُغْلَبَ اليوم مِنْ قِلة

28» فتن ووهن وغثائية حتى ترجعوا إلى دينكم

29» معنى الحب في الله، والبغض في الله.

30» حديث : من رأى منكم منكرا فليغيره

31» هل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من لا يلتزم بما يقوله؟

32» ما ضابط “الخلاف السائغ”؟ وهل الخلاف في التصوير ، وصلاة الجماعة ، والإسبال منه ؟

33»  تلاوة القرآن حق تلاوته تعني تطبيقه

34» هل حرّم الإسلام جهاد الطلب وأحلَّه الغرب؟

35» إذا ترك صلاة الفجر عمدا هل يترتب عليه شيء ؟

36» ترك الصلاة المفروضة عمدا حتى يخرج وقتها

37» التفصيل في حكم تارك الصلاة

38» كيفية استتابة تارك الصلاة

39» المسائل العقدية التي تعددت فيها آراء أهل السنة والجماعة

40» هل وقع الخلاف في مسائل العقيدة

41» تفسير ابن كثير

42» حكم الاستهزاء بالدين وأهله

43» يخشى الكفر على من استهزأ بالنقاب

44» قراءة في كتاب الانتحار – إعداد وتقديم: د. رشيد جرموني

The post لا أرخص الله أسعاركم وفعل بكم وفعل! (2-2) appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست