الأحد، 2 أبريل 2017

ثقفني اون لاين : معضلة إدراك الواقع

أدركوا واقعكم، كانت هذه رسالة صادقة من الدكتور عبدالفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضة التونسية خلال محاضرته التي كانت بعنوان: من الإطاحة بالاستبداد إلى حماية التحول الديمقراطي. استوقفتني هذه العبارة كثيرًا؛ لأنها تحمل في طياتها أسئلة عميقة جدًا : ماذا نعني بإدراك الواقع؟ وما علاقة فهم الواقع بالتغيير؟ و كيف هو وضع الخطاب الفكري الحالي بالسعودية؟ وما مستوى الواقعية في هذا الخطاب؟

فهم الواقع يعتبر من أولى الخطوات الأساسية في سبيل تغيير أي مجتمع. وأعني به فهم محددات وخلفيات وعوائق هذا المجتمع، سواء الدينية أو الثقافية أو الاجتماعية، ثم من خلاله تستطيع أن تبني القيم التي تؤمن بها أو التي تريد تعزيزها أو تغييرها في المجتمع، لكن قبل هذا يجب أن تفهم كيف يفكر هذا المجتمع؟ وماذا يأتي في مخيلته؟ فحينما أذكر كلمة: الصيام، يختلف فهم المسلم لها اختلافًا جذريًا عن فهم البوذي. فالمسلم يحمل في ذهنه تراثًا دينيًا ضخمًا من معاني ومشاعر تختلف عن ما يحمله البوذي الذي يتضمن دينه أيضًا نفس الفعل وهو الصيام.

إنها سنة كونية في سبيل أي تغيير، فآيات الله كانت تخاطب العرب بنفس الخلفية الثقافية لديهم، فهم كانوا يعيشون على التجارة ورعي الأنعام وحياتهم في الصحراء، وبين الجبال فكان كلام الله تعالى منسجم مع هذه الخلفية.

أعتقد أني أجبت على السؤالين الأولين، وبقي السؤال الأهم: ما هو وضع الخطاب الفكري الحالي بالسعودية؟ وكيف هو مستوى إدراك الواقع لدى هذا الخطاب؟

أعتقد أن هناك خللًا كبيرًا في فهم الواقع الحالي من جانب بعض المثقفين وأصحاب الرأي والمشائخ من مختلف التيارات الفكرية. ستجد أن نوعية الخطاب الذي يطرح حاليًا تجاه مواضيع كثيرة يعاني من انفصال عن واقع الناس الحالي وطموحاتهم، غير مدرك للتغيير الكبير الذي حدث خلال السنوات العشر الماضية، وللعقلية والرؤية الجديدة للشباب، خصوصًا مع وسائل التواصل والانفتاح الكبير على ثقافات متنوعة ومصادر تعليم كثيرة.

فكثير من هذه الآراء – إلا ما ندر – التي تمثل الاتجاهات الفكرية لدينا لا تقدم نموذجًا واقعيًا يستطيع من خلاله الشاب/ة أن يتبعه في مواجهة التحديات القادمة، سواء الثقافية أو الاجتماعية وحتى السياسية. قليل جدًا هو الإنتاج الفكري والتحليل الجاد للمجتمع وإعطاء حلول عملية لمواكبة هذا العصر والتعامل مع هذه التحديات. الذي يحدث هو صراع بين التيارات الأيديولوجية، وكل تيار يريد فرض نموذجه المثالي الذي لم يأخذ واقع الناس وطموحاتهم بعين الاعتبار، بل تجد اتهامات من هنا بالتغريب وهناك بالرجعية، وبقي المجتمع تائهًا بين هذه المناكفات.

سأذكر مثالين لتوضيح ما أعنيه في أهمية فهم الواقع:

المثال الأول: هي تجربة سياسية حديثة استطاع من خلالها الرئيس أردوغان عام 2002 أن يغير هيكلية الدولة من نظام علماني قمعي يفرض نظام اجتماعي معين إلى دولة ديمقراطية حديثة، تحفظ الحريات للجميع ومتسامحة مع الدين، وإلى دولة هي من أوائل الدول الاقتصادية الكبرى في العالم.

لكن كيف حدث هذا؟ حدث هذا لأنه فهم واقعه، وعرف كيف يتعامل مع المعطيات الحالية في ذلك الوقت بامتياز، وبدأ بناء عليه يبني شكل الدولة التي يطمح لها بالتدريج، هو يعرف أن هناك دولة عميقة عسكرية يجب أن تقتلع من جذورها في سبيل التحول إلى دولة ديمقراطية حديثة، هو يعرف أن هناك تراثًا اسمه أتاتورك، وما يحمله هذا التراث من تضييق وقمع للحريات، وفرض شكل ثقافي معين، هو يعرف أن هناك ضغطًا وهيمنة أوروبية قوية على نظام تركيا السياسي والاقتصادي والثقافي، وتحاول توجيهها في ما يخدم مصالحها.

كيف حول أوردوغان عقلية هذا الشعب – بجميع أطيافه ومنهم المعارضة – إلى أن يصل لدرجة عالية من الوعي السياسي، بدليل أنه قدم صدوره العارية في وجه الانقلاب الأخير، ودافع عن مكتسباته الديمقراطية.

لست هنا في محل الحديث عن تجربة أردوغان السياسية أو الاقتصادية وإنجازاتها، لكن أتحدث هنا عن طريقته في فهم واقعه الصعب الذي بدأ من خلاله تجربته السياسية الحقيقية عام 2002 والتي حافظ عليها إلى يومنا هذا.

استراتيجيته في التغيير المتدرج للمجتمع التركي من جميع النواحي كانت بالتخاطب مع الناس بنفس لغتهم و معرفة واقعهم. لم يكن للتطور الاقتصادي أن يأتي إلا وسبقه تهيئة ثقافية للمجتمع وخلق لغة مشتركة تعرف ماذا يطمح التركي.

بهذا نجح أردوغان في تعزيز القيم التي يؤمن بها وتغيير شكل المجتمع التركي إلى مجتمع متسامح مع الدين وعلى درجة عالية من النضج السياسي.

نأتي الآن إلى المثال الآخر والذي نعيش الجدل الدائر حوله يوميًا في السعودية:

– قيادة المرأة للسيارة

قيادة المرأة (وكذلك النوادي الرياضية النسائية وعمل المرأة و حضورها للمباريات وغيرها) هي قضية معقدة جدًا بسبب تداخل أطراف كثيرة فيها، وصراع تيارات، والتي هي غالبًا بين التيار المحافظ، وبين ما يسمى بالليبرالي. لن أدخل في التفاصيل، وماهي وجهة النظر الصحيحة، ولكن أود أن ألفت انتباهك عزيزي القارئ لما ذكرته مسبقًا وهو الخلل في فهم الواقع الحالي وبناء عليه كيف يبني كل تيار وجهة نظره تجاه القضية.

التيار الديني أو المحافظ حجته ببساطة أن في قيادة المرأة للسيارة حرية غير مقبولة ولا يعرف مالذي قد تفعله إذا قادت السيارة بنفسها، وأنها قد تتعرض للتحرش وهي ضعيفة لا تستطيع الدفاع عن نفسها – طبعًا تجنبت الحجج الشرعية؛ لأنها في نظري واهية جدًا بشهادة كثير من العلماء، أذكر منهم العلامة محمد ولد الددو* – فهذا شأن اجتماعي بحت.

نأتي للطرف الآخر، فهو يعتمد في خطابه على مسألة حقوق المرأة ويطالب بقيادتها والسماح لها بالمشاركة في مجالات متعددة، وأن تكون عضوًا فعالًا ومنتج في المجتمع. كما ذكرت لا يهمني هنا ما هي وجهة النظر الصحيحة بقدر ما يهمني أن هناك شيئًا مشتركًا غفل عنه كلا الطرفين، وهو واقع الناس اليوم. بمعنى أن مجمل خطاب التيار المحافظ يتحفظ على موضوع القيادة بحجج هي أقرب للخيال منها للواقع، ويحفها الكثير من النفس الذكوري التسلطي، ولا يخاطب المرأة بلغتها كمواطنة شريكة في هذا البلد، بل على العكس يخاطبها، وكأنها مواطن من الدرجة الثانية، وكأنها تعيش في قرية صغيرة ليس لديها أي تواصل مع العالم الخارجي، ولا تدري ما شأن المرأة عالميًا، وماهي طموحاتها، وكأنها لم تتعلم، ولم تشارك، ولم تبرز في كثير من الإنجازات العلمية وغيرها، ولم يفطن هذا التيار أن هناك تغييرًا كبيرًا في عقلية المرأة، وأن مطالبها (المشروعة) في تولي الكثير من الأشياء بنفسها، والتي تعتبر حقًا طبيعيًا، كالتوظيف أو التنقل أو السفر تقابل بالخوف والتوجس، وأحيانا بالرفض بسبب أعراف وتقاليد اجتماعية.

هذا الشعور إزاء تلك اللغة في خطاب التيار المحافظ لمسته بشكل كبير عند نسبة ليست قليلة (لا أدعي أني باحث اجتماع ولا أملك إحصاءات دقيقة، ولكن اطلاعًا بسيطًا على مواقع التواصل تستطيع معاينة نوعية الردود الرافضة لهذا الخطاب). عندما لا توجد لغة واقعية منطقية يستطيع من خلالها هذ التيار أن يبين وجهة نظره فصعب جدًا أن ترى القبول لخطابك، فالزمن الحالي ليس زمن الخطاب الأبوي وتلقين الناس ما يجب أن يعتقدوه.

هذا الخطاب يعطي انطباعًا أن هذا التيار يعيش بعيدًا عن الناس، ولا يفهمهم، بل بالعكس هو يستخف بهم بحجج لا تدري من أين أتى بها. ولاحظ كيف يتم استقبال هذه الآراء من شخصيات كبيرة تمثل هذا التيار تكفي لأن تدرك أن هناك شرخًا كبيرًا يحتاج للغة واقعية منطقية تؤمن بالمرأة وإمكاناتها وتحاول أن تساهم في تحقيق طموحاتها، وليس بمواجهتها.

أما الطرف الآخر الليبرالي فهو أيضًا وقع بنفس المشكلة، وهي عدم فهمه للواقع وللخلفية الفكرية المحافظة لشريحة كبيرة من الناس، متجاوزًا لخصوصية المجتمع، فقد كان همه هو إظهار نفسه بأنه هو المخلص من هذا الفكر الرجعي وبإطلاق اتهامات وتعميمات بالظلامية والجهل. وطبعًا أغفل هذا التيار على تقديم رؤية حقيقية واقعية للمجتمع توضح كيف نستطيع التعامل مع هذه التحديات والتغييرات الاجتماعية التي ستحملها قيادة المرأة، بل على العكس كان هذا التيار غير عابئ أصلًا بكثير من العقبات الاجتماعية والفكرية، فهذا تغيير ليس بالسهل بالنسبة للعائلة السعودية، فماذا قدم هذا التيار لتجاوز هذه العقبات؟ لا شيء. فقد كان همه هو المناكفة مع التيار الديني واتهامه بالرجعية ولم يقدم أي منهما شكلًا مناسبًا للتعامل مع هذه القضايا الجديدة على المجتمع.

الخلاصة: واقعية الخطاب الفكري وتكوين لغة مشتركة مع الناس هو السبيل الوحيد لجعل خطابك مقبولًا.

The post معضلة إدراك الواقع appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست