الأحد، 2 أبريل 2017

ثقفني اون لاين : عن العفة

العفة هي الصفة التي ظلمناها، وتوارثنا معاني جامدة متخلفة لها، وحصرناها في سطحيات وجوانب قاصرة ليست عامة، ونظل نردد أن العفيف هو من يتحكم في رغباته، ويترفع عن شهواته الجسدية، وما تجمله له نفسه، وإنى لأثق تمام الثقة أن القارىء بمجرد قراءته لعنوان المقال حضر فى ذهنه عفة الجسد، وخاصة جسد المرأة.

ومفهومنا للعفة يفضح ويفسر الكبت الذي نعيش فيه وثقافتنا، ومدى تفاعلنا وتطبيقنا لهذا المفهوم يجعل صورة ثقافتنا تلك وأفكارنا واضحة، وإنى -بصدق- لا أسمع كلمة (العفة) إلا إذا كان القائل يقصد دلالتها المشيرة إلى جسم المرأة، كمقولة: الحجاب عفة، الزواج عفة، غض البصر عفة.

فلنترك العام، ودعونا نفكر في مفهوم العفة نفسها.

فهى الامتناع والكف عن القبيح من القول أو الفعل، فنقول فلان عفيف اللسان مثلًا، والضمير والمجتمع ودينك يحلل لك أفعالًا وأقوالًا، وينهاك عن أخرى؛ ليحدد ما هو القبيح؛ لتستعفف عنه، وتكف عن المحرمات طبقًا للعرف والدين وضميرك الأخلاقى ورؤيتك، وعلى هذه الأسس تختار، فامتناعك عن كل المحرمات -مع تباين مفهومها من ثقافة لأخرى- هو عبارة عن عفة كبرى في حياتك، هذا إذا قلنا إن كل المحرمات تستحق التحريم فعلًا، إذا رددنا أصلها لمفاهيم كل عرف ومجتمع.

فمن يمنع يده عن السرقة فهو عفيف، ومن يغض بصره عما يملك غيره فهو عفيف، ومن يمتنع عن خيانة شريك حياته فهو عفيف، سواء كان رجلًا أو امرأة، ومن يتحكم فى شهوة تسلطه على الآخرين هو عفيف، فكل امتناع عن ممارسة شهوة هدامة تؤذى يمكننا اعتباره عفة، والعفة بمفهومها الأشمل أظنها تساعد على نشر الأمان والعدل والارتياح النفسى والطمأنينة بين البشر، فلولا أنى أعلم أن غيرى لن يخون ويعتدى على ما أملكه أو أستحقه لما شعرت بالأمان أو أن هناك سلطة عليا شريفة تطبق العدل وتنصفنى.

ومن هنا يمكننا الإمساك بأول الخيط وهو عدم الشعور بالأمان فى واقعنا هذا، لأن الناس لا يملكون العفة بمعناها الأشمل فأنت لا تدرى أىًّا منهم سيقتطع حقك، ولا يعف نفسه، والعفة مظلة كبرى تخيم على أنواع عديدة، أما العفة الجسدية فهى نوع واحد فقط منها وليست كلها، فهل إذا اختلست مالًا أو انتزعت حقًا، يمكننا وصفك بالعفيف، حتى وإن كان جسدك بكرًا؟ فهناك أشياء في داخلك إذا لوثتها أصبحت عاهرًا، وإن لم تمارس الرذيلة وتتاجر بجسدك، وكيف بالجسد يكون طاهرًا والقلب والعقل يتسمان بالخطيئة؟!

وإنى لأتعجب من قياس الناس لعفة المرأة بملابسها، فمتى كانت أمتار القماش مصدر الأخلاق في الإنسان؟ يمكنك السفر إلى أية دولة مختلفة الثقافة؛ ستجد النساء يلبسن ملابس متحررة، ولكنهن ملتزمات في العمل، وبعضهن لا تخن أو تسرقن، فالملابس شىء والعفة شىء آخر، ووجود فتيات ملتزمات بالزى الدينى مع التزامهن بأخلاق كريمة ليس دليلًا على التصاق المفهومين معًا، فعفتك تبدأ من القلب.

وهل عيوننا عفيفة؟ وهل أيادينا عفيفة؟ والأهم هل عقولنا وقلوبنا عفيفة؟

ولماذا يتم حصر عفة المرأة في لباسها ونترك باقي الصفات الطيبة التى تتمسك بها بعض النساء أو تتخلى عنها بغض النظر عن ثقافتهن أو ملابسهن أو بيئتهن الاجتماعية؟ ولماذا أصلًا ربط معاني العفة بالمرأة فقط، ألا يوجد رجال عفيفون؟

قل لي يا صديقى! أين تمكث العفة في جسدك، أقل لك من أنت، فإذا كانت تمكث فى أعضائك السفلية فقط، فهذا ليس دليلًا كاملًا على عفتك، فالعفة تشمل صفاتك الكلية، ولا تختار أجزاء وتهمل أجزاءًا أخرى، وعفتك الشاملة تلك نحتاجها أكثر من احتياجنا لأي شيء، يكفيك ارتياحًا أن يكون كل فرد مكتفيًا بنفسه، يتعفف عن مال أو ممتلكات أو جسد أو حياة غيره.

يمكننى القول بكل صراحة إن انعدام العفة أو تصحرها هو المسبب الرئيس لانتزاع الثقة في أنفسنا وغيرنا، وما هى إلا معاني تترابط بخيوط يمكنك نزع كل خيط على حدة وتأملها بنفسك.

The post عن العفة appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست