في ظل الظروف التي تمر بها الأمة الإسلامية والعالم بشكل عام، وفي تلك الفترة الممتلئة بالأحداث والصراعات والتحديات، نجد صفة تكاد تستحوذ على أغلب صانعي القرارات ومتصدري المشاهد السياسية والفكرية وغيرهما في الدول الإسلامية، وربما في العالم بأكمله. هي صفة مذمومة ومضلة ومهلكة للجميع. هذه الصفة التي هي مكون أساسي في الوقود الذي يحرك كثيرًا من الخلافات والنزاعات هي صفة الغرور، وظن كل شخص بأنه يمتلك الحقيقة، وأن كل ما سواه على باطل. نحن الأفضل؛ لأننا صنعنا الحضارة ونحن من حملنا العلم في هذا العصر، ونحن على حق؛ لأننا استطعنا أن نصنع أجود المنتجات، ونحن على حق؛ لأننا حماة الدين، ونحن على حق؛ لأننا حماة الشعب، ونحن على حق؛ لأن الله أراد لنا أن نكون أسياد، ونحن أصحاب أول حضارة في التاريخ، ونحن نمتلك أقوى جيش في العالم، ونحن من اخترعنا كذا وكذا وكذا، ونحن ونحن ونحن وأنا وأنا ونحن و«… أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا»، «وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴿39﴾ فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴿40﴾» (سورة الكهف)؛ ولذلك فأنا أقول إن الله لن يأمر أحدًا قط بأن يقول إنه على حق.
والحقيقة قالها الله سبحانه وتعالى: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ »، وقد يفتري البعض على هذا الكلام ويقول أليس هذا الكلام دليلًا على أن المسلم يدعي امتلاك الحق كما يدعيه غيره؟ وما الفرق إذن بين هذا الكلام وبين الادعاءات التي انتقضها؟ والإجابة بسيطة ولعلنا نتفكر ولعلنا نعقل.
أولًا، المسلم الحق لا يدعي أنه على حق، ولكن يقول إن الله على حق، فالحق من عند الله وليس من عند أحد غير الله، والمسلم الحق لا يؤمن بأنه قد وصل للحق ويطمئن لذلك ويبني عليه أفعاله؛ لأنه إن فعل ذلك فقد ضل ومال عن الحق، «أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ» (الأعراف 99). والمؤمن الحق دائم الشك في نفسه والورع؛ لأنه يعلم جيدًا أنه بشر فما هو وكل ما حوله إلا تجليات للحق سبحانه وتعالى، وأنه فوق كل ذي علم عليم، وأنه لا علم له إلا ما علمه الله. ومما وصف الله به المفسدون في الأرض أنهم الذين قد ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. فهذه هي الحقيقة.
وأرجو من القارئ أن يدقق جيدًا في ما أقول؛ لأن الأمور أصبحت متقاربة ومحيرة، وقد تجد الكثير من الناس وقد أكون أنا نفسي منهم يدعون أنهم يعملون لإبراز ونصرة الحق ويتكلمون بالقرآن، ولكن أرجو التمييز جيدًا بين من يقول إنه على حق ويحرضك على اتباعه، وبين من يقول إن الله ورسوله على حق ويدعوك لاتباعهما. فالفرق كبير جدًّا ولو حملوا كتاب الله نفسه في أيديهم فلا تتبعوا أحد واتبعوا الله ورسوله؛ لأن الله نفسه يقول في سورة آل عمران: «مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ»، فمن هم الربانيون؟ هم قوم يعلمون جيدًا أن الحق من الله، وأنه متجلٍ وواضح كالشمس فمن شاء فليؤمن به، ومن شاء فليكفر به، ولن تجدهم أبدًا يأمرون الناس باتباعهم، ولكن يدلون الناس على الحق بتجلي الحق فيهم وتجد الناس تتبعهم حبًّا في الحق والعدل، وهؤلاء يفتقدهم العالم الآن مع الأسف الشديد، فهم لا شك أنهم موجودون، ولكن أكثرهم لا يظهرون للناس في ظل هذا الزخم والازدحام.
وتذكيرًا بما أمر به الله تعالى وما يحبه، أمور لا شك فيها، فقد أمر الله الناس بالطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج، وكل هذه عبادات تبعث في النفس الرقي والغنى عن الدنيا، ولا تصح هذه العبادات بدون الإحسان، والمودة، وإلقاء السلام، وطلب العلم والمعرفة، والإتقان، والإخلاص، والقول اللين، وألا نقول ما لا نعلم، والصدقة، وحفظ المال والعرض والنفس، والدفاع عن المظلومين، وإقامة العدل والمساواة، وبر الوالدين، والذكر ،والتفكر والتدبر… إلخ. وليس هذا بالترتيب ولكن فقط أقصد توضيح الفكرة العامة. ثم مدح صفات مثل الصدق والأمانة والعزة والجمال والعفة والكرم… إلخ. وذم الجهل والكذب والغرور والحمق والتكبر والبخل والخداع… إلخ. فمن دل على هذا بقلبه وكلامه وعمله والغاية لا تبرر الوسيلة. فلا دين ولا شرع ولا حق إن لم يكن يؤخذ بالحق، فالجماعات الشاذة والأنظمة السياسية الفاسدة وكل من يستخدم الأساليب الباطلة لإقامة الحق فهو ضال مضل، واسأل الله أن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.
The post من منا على حق؟! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست