هل تظن بأنك إنسان رائع؟ لماذا تظن بأنك كذلك؟
إن إجابتك على هذا السؤال تحديدًا هي ما سيثبت مدى روعتك، هذا إن استطعت أن تثبت أمام نفسك أولًا بأنك فعلًا تمتلك بذرة من بذورها ولست متوهمًا الروعة.
لماذا تتصور بأن الشكل الذي تمثله للإنسان هو الشكل الأروع، أو الرائع إن أحسنّا الظن بتواضعك، وإنّا إن شاء الله لمن المحسنين.
هل تظن أنك رائع لأنك على قدرٍ عالٍ من التعليم، ولديك ثقافة عالية واطلاع واسع، وحين تتحدث تبدو مثل أولئك المثقفين الذين تهتم بالاستماع لهم كلما استضافهم برنامج حواري؟
أُستطيع التأكيد لك بأن ثمة عددًا لا بأس به من الأشخاص، ضمن هذا الإطار الذي يحددك، سيصفونك بالمتحاذق أو المريض نفسيًا، وربما يصفك بعضهم بأنك الشخص ثقيل النفس الذي يظن بأنه رائع، فيما يظن من حوله بأنه السبب الرئيس بانخفاض مستوى الأوكسجين بالمكان الذي يتواجد فيه.
هل تظن أنك رائع لأن الكتب والأخبار والقضايا والقراطيس لم تسلب منك حياتك، وأنك تفرغت لما هو أهم وهو التفرغ للبحث عن لقمة العيش، وتركت البت في الأمور المصيرية في الحياة لذوي الشأن وأهل الاختصاص من وجهة نظرك؟
بمنتهى الأسف سأخبرك بأن الكثيرين أيضًا يرون بأنك شخص جاهل وعالة على الحياة، وأنك غبي وعقلك مستلب من قبل آخرين سيطروا عليك وبرمجوك بطريقتهم الخاصة، وجعلوا من عقلك مطية لأفكارهم. لن تسلم من التنميط أنت أيضًا، بالرغم من ابتعادك عن محيط الصدامات!
لعلك تظن أنك رائع؛ لأن طريقتك بالتعبير عن رؤاك أو أفكارك أو مشاعرك هي طريقة رائعة تتسم بالمرونة أو اللطف وتقبل التعددية ولا تقصي الآخر.
سأضطر للأسف أن أحطم حلمك الوردي هذا، وأخبرك بأن الكثيرين جدًا يرون بأنك شخص ضعيف هلامي بلا هوية واضحة تقاتل من أجل هويتك وفريقك.
لحظة من فضلك؛ قبل أن تتهمني بالقسوة،لقد كنت في غاية التفاؤل حين أخبرتك بأنهم كثيرون، لأن القليل المتبقي لن يمنحك هذه التهمة الوردية، إذ قد يكلفك رأيك في مسألة تافهة وثانوية كالموسيقى على سبيل المثال أن يتم تصنيفك كخائن وعميل يخطط لتدمير الأمة.
ولأن لكل صورة صورة مضادة، ولكل نمط نمط آخر مخالف. ربما تظن أنك رائع لكونك على النقيض تمامًا من ذلك الذي سبقك في المقال سطرًا لا يقدم فيه شيئًا ولا يؤخر، إذ ربما تشعر بأنك رائع لأنك مسلم ملتزم بكافة تعاليم القرآن والسنة، فمظهرك يدل على التدين، وتحاول في سائر اليوم أن يكون سلوكك كسلوك المتدينين، أنت من وجهة نظرك مسلم مسالم ملتزم بأحكام مذهبك الفقهي، ولكنك ترى بأن الموسيقى شر مستطير على الأمة، تظن بأنك رائع لأنك تريد لمجتمعك أن يكون ضمن إطاره الشرعي.
من باب العدالة سأتبرع بتحطيم حلمك أنت أيضًا، فالكثيرون الآن لا يرونك بهذا الشكل، بل يرون بأنك إرهابي متطرف، وأنك شخص عدائي متبجح، لكن نصيبك من البؤس يتجلى في القليل المتبقي من أجلك أنت أيضًا، القليل من الفريق المضاد الذي سيتطرف حد أن يتهمك بأنك داعشي.
الروعة الحقيقية أن الروعة ليست حكرًا على النخب!
للعامة نصيبهم منها أيضًا؛ لأنه، بعيدًا عن نخب الثقافة والشرع والسياسة، يوجد الكثير. يوجد السواد الأعظم من البشر، نُوجَد نحن العامة من البشر.
نحن الموظفين الكادحين المطحونين، أنصاف الأغنياء وأنصاف الفقراء، أنصاف المتعلمين، وأنصاف الجهلة، العالقين في المنتصف منذ أن أقحمنا القليل في مشاكله الوجودية وأحلامه وأطماعه، في مخاوفه وجنونه ومعاركه.
تكمن روعة المشاعر في كونها شيء لا يحتكر، ومن الروعة أن أي إنسان يستطيع أن يشعر بأنه إنسان رائع دون أن يمتلك أسبابًا مقنعة لذلك.
فإن لم يكن لديك مسوغ ديني أو علمي أو اجتماعي يجعلك رائعًا سوى الكيفية التي ترى بها نفسك، فلماذا تظن بأنك رائع؟
هل ترى بأنك رائع لكونك تتمنى الخير للجميع ولا تؤذي الآخرين بأحاديثك أو بأفعالك، تظن بأنك رائع لأنك تبدي الاهتمام بالاخرين وأنك فرد جيد في مجتمعه مهما كان موقعه؟
كأخت لك في عالم العامة المطحون، لن أتدخل لتحطيم حلمك بالطبع، لكن فرويد سيفعل!
فما تراه أنت رقة أو تهذيبًا قد يراه البعض نفاقًا ووصولية، وما تبديه من اهتمام لن يفسره الكثيرين بأنه لطف، إذ ربما يصفونك بالمنافق، وقد يعتبرك البعض مريضًا نفسيًا يبحث عن الاهتمام، وقد يفكر آخرون بأنك متلون ومخادع.
بعد أن ينتهي منك فرويد، ستجد من خلفه طابور من الكثيرين إياهم، جميعهم سيخبرك بأنك غبي، لا فكاك من فرويد ومُريديه، فقد اختلط عليهم الأمر حد الإيمان بأن النفس البشرية كالأعداد أو الخطوط المستقيمة والمنحنية، شيء يمكن جمعه وشرحه ضمن نظريات مثبتة وصحيحة.
ربما تظن بأنك رائع لكونك إنسانًا مخلصًا، وتقدم النصيحة، وتنتقد الكثير من الأخطاء من حولك بشدة، ولست متخاذلًا عن المشاركة بتصحيح كل خلل يحيط به عقلك.
يبدو بأنه يوم فرويد!
سيتدخل فرويد مرة أخرى ليخبرك بأن ذلك قد لا يعني روعتك بقدر ما يعني أنك شخص يعبر عن احتياجاته وما ينقصه، وأن شعورك بالغيرة والحسد هو الدافع خلف كل ما تقوله وتفعله.
النتيجة بعد كل هذا؛ وبما أنه لا توجد انتخابات حقيقية ونزيهة للروعة، إن لم تكن رائعًا فعلًا كما تظن، فمن المسؤول عن هذا الوهم بالروعة الذي يتلبسك؟
مبدئيًا، أظن أن البعض من حولك أخبرك بذلك، عائلتك وأصدقاؤك وربما بعض الأذكياء من أعدائك.
أو ربما كنت من القوة بحيث تعاملت مع فكرة روعتك على أنه شيء كاسمك تمامًا، شيء تمتلكه، شيء وإن شاركك به البعض، لكنك تملكه ولا حاجة لإثباته.
من كل ما سبق؛ النتيجة كانت مصداقا للفرضية بأن الروعة لا يمكن احتكارها، لا يوجد أحد رائع، لأن الروعة لا تُحتكر.
لكن السؤال الأهم في كل ما سبق؛ هل يمكن للإنسان أن يقترب من صفة الروعة؟
أظن بأن الجواب هو نعم، فالإنسان قد يقترب من الروعة كلما كف عن الاعتقاد بأنه شخص رائع!
The post أيها الرائعون.. مهلًا appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست