قد يزعجك جدًا مثلما يزعجني أيضًا الانفصال بين الطبقات في المجتمع، اتساع الفارق بين كل طبقة والأخرى (بمفهومها المخصص والعام بعدم وجود عدالة اجتماعية)، وما يزيد الانزعاج وعدم الارتياح النظرات الدونية لكل طبقة للطبقات الأقل منها.
النظرات الدونية هنا، لا أعني بها النظر باشمئزاز وتعالٍ للطبقات الأقل نصيبًا فقط، بل هي أيضًا عدم الاعتراف بأن هؤلاء الطبقات الأقل نصيبًا لها نفس الحقوق، وليس فقط مطالبًا منها أن تقوم بأداء نفس الواجبات، بل أكثر من ذلك مطالب منها أن تقوم هي نيابة عن الطبقات المستحوذة بكل الواجبات، أيضًا عدم الاعتراف بأن السبب في سقوط هذه الطبقات ليس أصحابها وسكانها، بل من الأسباب الرئيسة في سقوط هذه الطبقات هم أنفسهم أصحاب الطبقات العليا المستحوذة، (الأمثلة كثيرة جدًا، لكن لا يوجد مجال لهذا الآن).
في الدول التي تحارب كل ما هو سيء ومدعاة للفساد تجد دائمًا محاربة الانفصال الطبقي، الانفصال بين الطبقات الثلاث الأبرز والأساس لكل مجتمع، الطبقة الأقل نصيبًا (لا يوجد تحت خط الفقر)، الطبقة المتوسطة، الطبقة العليا (الأكثر نصيبًا في الدخل والإنتاج والعلم)، أما في وطني دائمًا الأمر يختلف عن كل دول التقدم أو ما يلحق بهم.
هنا في هذه المساحة لا أود الحديث عن الانزعاج من الانفصال والصراع الطبقي لا عن النظرات الدونية ما بين الطبقات المختلفة، في الحقيقة أتحدث عما هو أكثر إزعاجًا وصدمة.
أتحدث عن نظرات الدونية بين أعضاء نفس الطبقة الواحدة (وخاصة الطبقة الأقل حظًا في المجتمع)، من المزعج جدًا، بل الصادم أن تجد أصحاب الطبقة الأقل نصيبًا ينظر كل منهم إلى الآخر بنظرات الدونية والاشمئزاز في كل شيء، وخاصة في العمل والمهن التي يمتهنها هؤلاء للحفاظ على حياتهم وقوت أبنائهم بأقل القليل.
لا يمكن أن يستوعب العقل ذلك، ولا يمكن التصديق بذلك، إلا إذا افترضنا أنها مؤامرة كونية حلت بأعضاء هذه الطبقة لزرع الانفصال ما بينهم حتى تنكسر عيونهم جميعًا وتقطع ألسنتهم.
انشغال أعضاء الطبقة الأقل نصيبًا في كل شيء ببعضهم البعض ونظراتهم التي تخرج منها صراع الدونية واضح بيانًا عيانًا لنا هذه الفترة من الزمن الظليم، لا يمكن أن تكون في مصلحة أي شخص من هذه الطبقة المنقوص حقها عمدًا قل ذلك إن شئت، بل هو صراع في مصلحة طبقات عليا تستحوذ على كل مقدرات ونصيب المجتمع.
الطبقة الأقل حقوقًا في المجتمع تجدها بمنطق العقل منتظمة مصطفة على خط المطالبة بحقوقهم، سلب منهم عمدًا جزء من حقوقهم الإنسانية، إن لم يكن كلها، جميعهم يشعر بنفس شعور الظالم بالانتقاص من حقهم لأجل آخرين في المجتمع، مع اختلاف المهن لكل فرد واختلاف المدن التي يسكنها هؤلاء تجدهم جميعًا في نفس مربع الاستخدام والاستغلال لطرف يستحوذ طرفًا يضعهم أفرادًا من الدرجة الثانية، لذا دائمًا تجدهم طبقات واضحة في تماسكها ببعضهم البعض في خطواتها بالمطالبة بحقوقهم.
كانت الطبقة المتوسطة هي صمام الأمان بسبب ثقافتها وارتباطها بالطبقتين المستحوذة والمنتقص من حقها، لذا كان دائمًا الطبقة المتوسطة تعد المرشد والموجه الحقيقي للطبقة الأقل نصيبًاـ ترشدهم ما هي حقوقهم، وأين هي، ومن أية جهة، وفي أي وقت يمكن المطالبة بها، كانت الضابط في عدم تشرذم الطبقة الأقل وعدم انشغالهم في قضايا فرعية قد يتم سحبهم إليها عمدًا للابتعاد عن المطالب بالحقوق الأساسية.
سقوط الطبقة الوسطى إلى الطبقة الأقل نصيبًا أيضًا ساعد كثيرًا في إبراز نظرات الدونية بين ساكني هذه الطبقة، أفراد كان طريقهم الصحيح الواضح هو التقدم والتشبث بالطبقات الأعلى نصيبًا لكنهم دون مؤشر وسابق إنذار وجدوا أنفسهم مع الطبقة الأقل نصيبًا، أصبحوا هم أنفسهم من أفراد هذه الطبقة.
لذلك برزت نظرية الانفصال والصراع داخل نفس الطبقة بزوال الطبقة المتوسطة، أصبح الصراع واضحًا بين ساكني الطبقة الأقل نصيبًا واضحًا عيانًا بيانًا، وللأسف صراع على شيء أجوف لا يوجد.
أحد أهم الأسباب في ظهور هذا الصراع بين ساكني الطبقة الأقل حظًا سببان هما:
الأول تجبر الطبقة المستحوذة بشكل واسع جدًا انعكس على الطبقات الأقل باليأس من فكرة وجود تصحيح لمسار توزيع الحقوق، الشعور باستحالة القدرة على أخذ حقوقهم كان سببًا واضحًا في التحول ونسيان الهدف والمطلب الحقيقي واستبداله بصراع مع من هم على نفس خطوط الذل والظلم.
ثانيًا كما ذكرت سقوط الطبقة المتوسطة، كان له دور قوي في حدوث هذا الصراع إما بسبب شعور الطبقة المتوسطة بحالة صدمة جعلتهم غير قادرين على استيعاب موقفهم والتخبط والنظر بعين الدونية واللوم للطبقة التي أصبحوا منها، وإما بسبب عدم وجود الإرشادات والنصح للطبقة الأقل نصيبًا كما كان في الماضي وذلك لأن الطبقة المتوسطة أصبحت هي نفسها في حاجة إلى الدليل والإرشاد.
ولتخصيص الفكرة بشكل مبسط أطرحها في شكلها الاقتصادي (المهنة أو الوظيفة)، أطرح عليكم مثالًا كاشفًا للغاية حدث أمامي داخل إحدى عربات المترو قد يبين القصد ويفسر المضمون.
الباعة المتجولون داخل المترو ظاهرة أصبحت أساسًا من أساسيات المجتمع المصري بعد الإطاحة بكل آمال العيش بكرامة وتملك وظيفة في وطن انعدمت فيه الحقوق الأساسية، داخل عربة المترو يسير شاب في الثلاثين من عمره يحمل على يديه كيسًا بلاستيكيًا بداخله بضاعته التي يمكن أن تباع للأشخاص عامة، ينادي بصوته الذي يعتقد أنه جهوري ولكنه في الحقيقة صوت مبحوح من ظل العيش ومهانة الحياة، أخذ ينادي على بضاعته ذهابًا إيابًا داخل العربة حتى نصل للمحطة التالية، من تعب حمله للأكياس وحمله هموم الحياة وقف في منتصف العربة يستريح وينادي على بضاعته، في هذه اللحظة مع صمت الجميع ظهر صوت أجش ينادي على البائع «بس بقى يا عم كفاية صدعتنا وطي صوتك» نظر له كثير من الناس لكن دون أن يلفظ أحد حرفًا واحدًا.
ابتعد الشاب البائع عنه قليلًا مع نظرات كل من في العربة، ثوان معدودة وعاد البائع بنظرات تحرق اليابس وتشع غضبًا، مع الحفاظ على اللفاظة وبكل عصبية وجه كلامه للشاب الذي تصدعت رأسه وقال له «معلش أصل أنا مش لاقي شغل يكون فيه صوتي واطي لو عندك ليا وظيفة أقسم بالله آجي معاك وأبطل اللف في المترو أنا بأكل لقمة عيشي بالحلال أحسن ما أبقى متشرد».
التفت إليه صاحب الرأس المتصدعة ليتشاجر معه لكن انتهى الحوار بوصول المترو إلى المحطة، نزل الشاب البائع يحمل من الغضب والهم ومذلة العيش ما يفيض للكون.
بعد غلق المترو مرة أخرى قام أحد الشباب الواقف بجوار المتصدع رأسه بكلمات بها لوم شديد «ليه أحرجته الراجل بياكل عيش وبعدين كل الدوشة دي عادي وصوت الراجل هو اللي صدعك»، رد عليه برأسه المتصدعة، «احنا تعبانين في الشغل وهو عمال يزعق»، سأله الشاب: «أنت شغال إيه؟» هنا جاءت الطامة والصدمة الكبرى، بكل تكبر وفخر مهما تتخيل لا يمكن لك أن تصل للواقع في وقفته وطريقة إجابته على السؤال، تكبر يعطيك انطباعًا أنه عالم فذ العقل لكنه حقًا متصدع الرأس، «أنا شغال مشرف في قاعة حفلات وببطء في اللسان، بس مستوى أعلى من الأفراح» هذا يكفي.
قد يقول البعض إن هذا صاحب الرأس المتصدعة مريض نفسي وهي حالة فردية (كعاداتنا في الفرديات التي لا تنتهي في المجتمع)، بكل ثقة أدعي الأسف أنها ليست حالة فردية فهي حالة عامة ولكن تختلف الظروف والمواقف.
كم منا نظر بدونية لبائع يفترش الأرض؟ أو بائعة منديل قد تتذلل لتشتري منها؟ كم منا نظر لمن يحمل شهادة علمية حكومة من كليات أقل بدونية لأنه تخرج في كلية القمة أيضًا الحكومية؟ كم منا نظر لسائق الميكروباص بدونية؟ كم منا نظر بدونية لشاب يرتدي ثيابًا أقل نظافة منه لمجرد أنه التصق بكتفه أو ضغط على حذائه؟ كم منا وكم…
هذا صراع لا يمكن أن يستمر إن أردنا الحياة بكرامة، إن أردنا الحصول على حقوقنا المنهوبة عمدًا، هذا الصراع يعصف بنا لأجل طبقات تهتم كثيرًا بزوالنا من أمامهم إلا قليل منا يستخدم لقضاء احتياجاتهم، لا يمكن أن نحصل على شيء إن لم نفق ونتجه بنظارات المطالبة لمن يستحق لا بنظارات الدونية من معي.
نحتاج حقًا لترتيب أوراقنا وأولوياتنا، نحتاج لأن نستقيم، استقيموا.
The post صراع الطبقة الواحدة داخل المترو appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست