هكذا سألتني ابنتي الصغيرة لتعيدني عقودًا للوراء حينما كنت أسأل أبي السؤال ذاته في الأيام ذاتها، والإجابة كانت تأتيني بمنتهى السهولة: «أيوه.. تحررت من الاحتلال الإسرائيلي».
آنيًا، وبعد أن تبدلت الأدوار، لم تجر الإجابة على فمي سلسةً كما كانت تخرج من فم أبي، ووجدتني «مبلّمًا»، فما المسؤول عنها بأعلم من السائل.
للوهلة الأولى قد يبدو السؤال ساذجًا، أو أن إجابته البسيطة القاطعة: نعم تحررت سيناء؛ فالاحتفالات، والاتفاقيات الدولية، والحدود الجغرافية، والمشروعات الاستثمارية، وخطط التنمية الخاصة بسيناء والتي تعلن عنها الدولة – كل ذلك يعني – بديهيًا – تبعية سيناء كاملة لنطاق السيادة المصرية.
ولست هنا بصدد إثبات الإيجاب أو السلب لهذا التساؤل الذي يبدو بسيطًا وغير منطقي، لا تنتظر من هذه السطور أن تخبرك أن سيناء ما زالت محتلة وأن الاحتفال السنوي ما هو إلا «فوتوشوب»، وأيضًا لا تنتظر أن أجيبك بأن سيناء قد تحررت بالفعل، ولنقل إن المعنى المراد هو على سبيل «المجاز»، ولك في النهاية أن تجيب على السؤال وفق ما يتراءى لك.
رغم اعتزازي بالمشهد الذي تم رفع العلم المصري فيه على آخر جزء من أرضنا، بعد جهود أثبتت قدرة المصريين على الحوار والانتصار بالتفاوض، إلا أنني لا أقتنع بأن سيناء تحررت؛ فعمليات القتل والتهريب، وحفر الأنفاق وهدمها، والغارات العسكرية التي تتم بصورة شبه يومية، والمناوشات الإسرائيلية على الحدود، ومعضلة فتح معبر رفح، بالإضافة إلى التهميش والنسيان الذي يعاني منه المصريون في سيناء من الجهات الرسمية، وحتى المنظمات المدنية والشعبية والأطياف الحزبية، ومرشحي الرئاسة والبرلمان الذين لا يتذكرونهم إلا في مواسم الانتخابات، والتعامل مع أهالي سيناء باعتبارهم أرقامًا قومية أو أصواتًا انتخابية، فضلًا عن صراع القبائل والمشاكل المجتمعية، وما يعاني منه المجتمع السيناوي على مستوى العلاقات الاجتماعية، والتعامل مع سيناء على أنها – فقط – مناطق سياحية، يتمتع فيها السياح بكل الود وكرم الضيافة، دون النظر إلى البعد الجغرافي والاستراتيجي والتاريخي والديني لهذه البقعة الساخنة من العالم، والذي لا يُذكر إلا في مناظرات العسكريين والساسة، وأوراق كتب الدراسات الاجتماعية لمراحل التعليم الأساسي، فضلًا عن قابضي أرواح الجنود من الدواعش وحرافيشهم، وتهجير أهالي سيناء – كل هذا يجعلني لا أطمئن إلى أن سيناء تحررت، أو أن «سينا رجعت كاملة لينا».
كل هذا «كَوْم» وتناولنا لما يحدث في سيناء إعلاميًا ومجتمعيًا «كَوْم» آخر: «الجيش يحارب الإرهاب»، «السيسي يقوم بتهجير السكان لصالح الإسرائيليين»، «داعش تقتل الجنود»، «القادة يضحون بالعساكر الغلابة ليتاجروا بهم»، «ترحيل المدنيين من مناطق العمليات العسكرية»، «تهجير قسري ممنهج للسيناويين»، «تصفية بؤر إرهابية»، «قصف مدنيين أبرياء»، «الإخوان شحنوا سيناء بالإرهابيين»، «جيش أم الدنيا عاجز أمام الجماعات المسلحة»، «تركيا وقطر يمولون الإرهابيين في سيناء»، «الجيش الإسرائيلي يشارك في عمليات سيناء»، «سيناء تحت سيطرة مصرية كاملة»، «الإسرائيليون يحتلون سيناء والسادات باعها في كامب ديفيد»… والكَوْم يعلو ويعلو ويعلو، بمجرد أن تُذكر كلمة سيناء، حتى تصل إلى أن الإسرائيليين والإخوان والجيش المصري يحتلون سيناء! بعدما كانت سيناء تعني شرم الشيخ والغردقة وطابا والسياحة أصبحت تعني الإرهاب والقتل والحرب والخراب.
لكن هل يعني ذلك أننا نكذب على أنفسنا، أو ندّعي الأمان ونحن فوق هذا البركان المتراكم من التناقضات؟ ولنقل إن سيناء رمز بسيط لثقافة الاختلاف والتعايش والحوار بيننا، فهذه الثقافات في نسختها المصرية تشبه ما يحدث في سيناء، مجرد كلمات واتفاقيات واحتفالات، لكن الواقع يؤكد عكس ذلك.
أما بعد؛ لم يعد التساؤل: هل تحررت سيناء؟ أو ممن تحررت؟ إنما صار: هل تحررنا نحن؟ هل تحررنا من الأفكار المتناقضة؟ هل ما زلنا أسرى لوجهة نظرنا القاصرة على فهمنا للأحداث من زاوية واحدة؟ هل يمكن أن نجيب أبناءنا بسلاسة كما كان آباؤنا يجيبون؟ ما الذي يجعل الإجابة تقف في حناجرنا؟ هل هو عدم فهم أم عدم رغبة في الفهم؟ هل سنترك أبناءنا للضلال والتخبط الذي صنعناه؟ أم نحاول أن نعرف من آبائنا كيف كانوا يجيبوننا بسلاسة؟ هل كانوا يكذبون؟ لا أعتقد ذلك، ولكننا نفعل؛ نجيب على السؤال وفق ما نريد تصديقه لا وفق ما يجب أن يكون. أجابنا الآباء بسهولة لأنهم حرروا سيناء بعقولهم قبل دمائهم، ونحن نعجز عن الإجابة لأننا لم نحافظ عليها، وإن ضاعت سيناء فنحن المسؤولون عن ذلك.
The post وأمّا بَعد..«هي سينا تحرّرت يا بابا؟!» appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست