في ظل المنافسة المحتدمة، والتغيرات المتسارعة، وعمليات الصراع التي تتعقد؛ فإن الإحساس بالمسئولية الحقيقية يتطلب منا جميعًا خلق ابتكارات جديدة ومستمرة من طرق الالتئام المجتمعي، وتخفيف الاحتقان الاجتماعي، وردم هوة الانقسامات التي أحدثتها المرحلة الماضية، بكل ما فيها من كوارث، لكي نستطيع مواكبة عمق هذه التغيرات وسرعتها، التي إن استمرت على النحو الذي هي عليه الآن، لن يكون هناك شعب ولا أرض ولا تاريخ.
إن من الفطنة والذكاء أن نعد أنفسنا للمشهد القادم، وهو مشهد كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، إننا أمام إرهاصات ميلاد واقع أشد قساوة وأشد فتكًا بالكبير والقوي قبل الصغير والضعيف؛ ففي ظل كل هذه السياسات الجنونية على كافة المستويات وفي كافة المجالات، سواء السياسية أم الاقتصادية أم التعليمية أم الإعلامية، وما ترتب عليها من إحداث حالة من الدمار الاجتماعي والانهيار الاقتصادي والانغلاق السياسي وفقدان الوعي بالذات، نجد تساؤلات تطرح نفسها تحتاج لترجمة عملية لكل إجابة، أسئلة أين نحن؟ وإلى أين نتجه؟ ما الذي ينتظرنا أسوأ مما نحن فيه الآن؟ هل نتجه إلى حرب أهلية تؤدي الى تقسيم البلاد؟ أم سيطمع فينا مغتصب فيحتل جزءًا من بلادنا لطالما داعبته أمانيه وطموحاته في الحصول عليه، وفي كلا الأمرين الخسارة ستعم الجميع، أم يُقدر الله لهذه البلاد من يجمع شمل قادتها ويلملم شتات مفكريها ويُوحد نخبتها وشعبها على هدف النهوض بها، إن الخلاف والاختلاف سنة كونية؛ فتنوع الأفكار والأذواق والرؤى مصدر ثراء فكري وثقافي لكافة القضايا، لكن ليكن حيز الخلاف دائرة الحوار، وهدف الخلاف الوصول لأفضل الطرق وأقصرها للنهوض بمصر، لا تشاحن لا تطاحن لا تباغض لا اقتتال، وكما علمنا علمائنا أن اختلاف العقول نعمة؛ لأنها تعطي صورة متكاملة عن القضايا والمشكلات، لكن اختلاف القلوب نقمة تدفع الرجل ليرد الحق ويدعي ما ليس له ويأخذ حقوق غيره، إن الصراعات السياسية أمر قديم مستمر مع كافة المجتمعات منذ قدم الزمان وستستمر هذه الصراعات ما دام على وجه الأرض اثنان أحدهما متطلع للسلطة، وما زالت الإنسانية تذوق ويلات الانقسامات السياسية إلى زماننا هذا، إلا أن هناك مجتمعات وشعوبًا استطاعت أن تتجاوز هذه المعضلة، فأنشأت نظمًا قابلة للتطبيق قادرة على إدارة الصراعات الناشئة عن تطلعات الجميع في امتلاك النفوذ واعتلاء السلطة، لكنها أكدت أن قوة السلاح لا تصلح أن تكون أداة لحسم الخلاف بين أبناء الشعب الواحد، ولا هي الطريقة المثلى لتحقيق آمال فئة ما في اعتلاء السلطة وامتلاك النفوذ.
إن للعنف والقوة حدًا يجب ألا تتجاوزه وإلا ستدمر ما ينبغي أن تحافظ عليه، أو ما تسعى لتحقيقه، لا تكونوا كالدبة التي قتلت صاحبها لتهش عن وجهه ذبابة.
أيها السادة قادة الجيش، أيها السادة قادة المعارضة، متى نستشعر المسؤولية جميعًا تجاه وطننا؟ متى نستشعر المسؤولية جميعًا تجاه مشاكل الشباب؟ متى نستشعر جميعًا أن الحرية ليست مطلبًا وإنما هي قرينة الحياة؟
ألم يأن لشرفاء القضاء، وشرفاء الجيش، وشرفاء الشرطة، وشرفاء رجال الأعمال، وشرفاء هذا البلد من أهل العلم والشرف السامي، أن يعلموا ويعلنوا أن الشعوب ومقدراتها ليست رهن أحلام حمقاء وأفكار طائشة.
متى ندرك أنه ليس بالضرورة أن نخوض التجربة المريرة لآخرها طالما أن هناك شعوب مرت بها، ألا يصح لنا أن نتعلم من التاريخ شيئُا، أليس في تجارب الأخرين لنا عبرة، الكل أصبح في مكان لم يكن أن يتصوره أو يتخيله أي كابوس هذا؟
علينا أن نتفهم طبيعة المشاكل التي نواجهها ونضعها في لغة يفهمها الجميع؛ حكامًا ومحكومين، قادة وشعوبًا، كما علينا أن نعلم أنه ليس من حق جيلنا أن يُصَدر أو يُوَرث حماقاته ومشاكله للأجيال القادمة، إنه من الواجب علينا أن نسعى لحل مشاكل نحن الذين صنعناها بضيق أفق وقلة وعي، وإنه من الظلم والإجحاف أن نترك للأجيال القادمة مآسي لم يكونوا طرفًا فيها، ومشاكل لم يصنعوها.إن الواجب الشرعي والواجب الوطني يحتم علينا أن نرسم صورة واضحة للمستقبل الذي يحقق آمال وطموحات وتطلعات شبابنا، وألا نفرض عليهم اليأس والجهل والفقر والإحباط، كما يحتم علينا أن نمنحهم ونمنح الجميع الأمل في مستقبل واعد وحياة كريمة، ونترك لهم تشريعات وبيئة صحية سياسية واجتماعية واقتصادية تسمح لطموحاتهم أن تنموا، ولآمالهم أن تتحقق، ويمكننا ذلك من خلال وضع منهج واضح المعالم والآليات للانتقال من هذا الوضع السيئ الذي نعيشه جميعًا، إلى الوضع المستقبلي الذي يليق بشعوبنا ويحقق مصالح الأمة ككل.
إنه لمن المؤسف، أن يرتبط مستقبل مصر ومصيرها، شعبًا وتاريخًا وحضارة، بمصير ثلاثة أشخاص ومن حولهم من فئات طفيلية منتفعة من تنازعهم على السلطة في مصر، – أقصد بـالثلاثة «الرئيس الأسبق حسني مبارك- الرئيس السابق محمد مرسي- الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي»- أيًا كان هم مع تقديري لكونهم ذوي اعتبار عند مؤيديهم وداعميهم، لكن هل يُعقل أن يَرتَهِن مستقبل هذه الأمة بهؤلاء الثلاثة؟ يا سادة إن الإسلام لم ينقض بموت النبي ذاته، فهل ينقضي بسقوط محمد مرسي؟ والجيش لم ينهر من هزيمة كهزيمة 1967فهل ينهار بسقوط السيسي؟ والبلد لم تسقط وتتفكك بمقتل السادات، وهو صانع الحرب والسلام، وهل انهارت بتنحي مبارك؟ إن صراع المصالح السياسية بين كائنات طفيلية داعمة لهؤلاء الثلاثة كلف مصر الكثير من الدماء والممتلكات، وأضاع علينا فرصًا للنمو والنهوض، لكن لم يفتنا القطار، ما زال هناك آمال كثيرة في الحل والنهوض، فعلينا أن نتجاوز هذه المرحلة بكل ما فيها من مآسٍ، وهذا ليس مجرد دعوة ألقيها عليكم من برج عاجي، أو دون تصور للحل، ولكن أضع بين أيديكم وأمام أعينكم قادةً وشعوبًا حكامًا ومحكومين تصوري لحل هذه الأزمة؛ لأن الأزمة في أساسها ولبها وكينونتها كما أوضحنا أزمة صراع سياسي يغذيه وينتفع منه كائنات طفيلية لا تريد له حلًّا.
إنه كلما علت وتصاعدت دعوات المصالحة السياسية والمجتمعية نجد تفجيرًا هنا أو هناك، نجد اغتيالاً لقيادة هنا وتصفية لشاب هناك ما هذا الجنون؟ إن فشل كافة المراحل السابقة في تحقيق قدر من الاستقرار السياسي والانسجام المجتمعي يحتم على الجميع التوجه نحو المصالحة، ففكرة المصالحة كمبدأ تعضد نفسها، فكيف لو تبنتها أطراف الصراع السياسي في مصر؟ إن كثيرًا من مآسي هذا الشعب من الممكن، بل من المؤكد، أن تزول لو أصبح الجميع يدًا واحدة، وإن كثيرًا من الطموحات والآمال ستتحقق، نحن الآن في آخر فرصة لعقلنة سياستنا وتوجهاتنا وقناعتنا، وليعلم الجميع أنه لن تقوم لمصر قائمة بدون مصالحة سياسية يقفز الجميع خطوة للأمام، كانتخابات رئاسية مفتوحة للجميع بلا استثناء ولا شرط، أو نرجع جميعًا خطوة للوراء، والكل يتنازل عن جزء مما يعتقد أنه حق له لأجل هذه الأجيال والأجيال القادمة، إننا أمام مسؤولية تاريخية يتحتم على ذوي العقل تحملها بكل شرف وبكل جد وبكل إخلاص، قبل أن تضيع الفرصة الأخيرة والأكثر سهولة في عقلنة كافة السياسات، ووقف كافة أشكال الجنون الذي يحدث الآن، إن ما هو آت أصعب مما نحن عليه الآن.
The post المصالحة طريق نجاة! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست