هل ستتبخر الأنظمة العلمانية والليبرالية والقومية العربية كما تبخرت في تركيا بالأمس، وبالتالي لا بد من مشروع عربي إسلامي نهضوي جديد؟!
يبدو أنّ الكلام عن المشروع العربي الإسلامي، في الوقت الحاضر، يعتبر نوعًا من الحنين إلى الماضي، أو أشبه بترفٍ في الوقت الضائع. نعرف جيدًا كيف مرّ العالم العربي بتحديات جسام منذُ الحرب العالمية الأولى حتى كتابة هذه السطور. كما أننا نعرف، وبعد مرور مائة عام على اتفاقية سايكس بيكو المشؤومة كيف مزقت العالم العربي إلى دويلات هشّة ومتصارعة.
يرزح الوطن العربي منذُ نهاية الحرب العالمية الثانية تحت نير أنظمة عسكرية ديكتاتورية متحجرة. لم تُقدم هذه الأنظمة الهزيلة للمواطن العربي سِوى الشّعارات الرنّانة، والكلام المعسول الذي يصيغه أصحاب الأقلام المأجورة. جرّب الوطن العربي الأنظمة الاشتراكية والليبرالية فلم تجن لنا سِوى الخراب، والدمار، والويل، ومن يقول غير ذلك فهو يُغالط نفسه، وعليه زيارة أقرب مركز صحي للفحص عن حالته العقلية.
كذلك، جربنا الأنظمة القومية. فهل نجحت قومية جمال عبد الناصر؟! وهل نجحت قومية بشار الأسد ومن قبله أبيه حافظ الأسد؟! ماذا أنتجت هذه الأنظمة الهزيلة غير الدمار والويل وبناء السجون السرية ضد كل من يقول كلمة الحق؟ نقولها وللمرة الألف، فشلت كل الأنِظمة العسكرية، والليبرالية، والعلمانية، وغيرها في الوطن العربي فشلاً ذريعًا، وذلك لعدة أسباب نوردها كالتالي:
أولاً:
يريد أصحاب فكرة العلمانية تطبيق ثقافة الغرب في الوطن العربي بكل حذافيرها، وهم لا يفهمون حتى مصطلح العلمانية جيدًا، مع أنّ أصحاب هذا الاتجاه، يعرفون جيدًا أنّ لنا حضارة عربية تمتد لأكثر من ثمانية آلاف عام. كما أنّ لنا حضارة إسلامية تمتد جذورها لأكثر من ألف وأربعمائة عام. وبالتالي، لا يمكن، تطبيق الثقافة الغربية على المجتمع العربي المحافظ مهما حاول دُعاة العلمانية والحداثة الجُدد. ولنا ما حدث في تركيا بالأمس عبرة. فهل نجحت علمانية أتاتورك في تركيا؟! الجواب لا. صوت الشعب التركي على تعديلات دستورية جديدة، وألغى نظام العلمانية التي بناها أتاتورك. لم تنجح العلمانية في تركيا مطلقًا.
يعيد أردوغان اليوم الهوية الإسلامية للشعب التركي، ويصفع الغرب ودعاة العلمانية المقلدين لفلسفة الغرب، ويقول لهم ها هي تركيا رجعت لهويتها الإسلامية. قام الرئيس التركي بعد الاستفتاء على الدستور الجديد بزيارة قبر محمد الفاتح والصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري. ليقول ها نحن رجعنا لهويتنا وثقافتنا الإسلامية، وهي الحل لمشاكلنا ومشاكل المنطقة بأكملها، بل والعالم بأسره. ولذلك، لا يمكن، للعرب الخروج من أزماتهم، إلا بالعودة لهويتهم العربية الإسلامية، وليس المضي على التقليد الأعمى الذي لم يجلب لنا سوى الدمار والخراب.
ثانيًا:
جرّب الوطن العربي حكم الأنِظمة الاشتراكية ذات الفكر الاشتراكي، القومي، ولم تنجح هذه الأنِظمة، وإنّما زادت الطين بِلة. نوضح أكثر، هل نجحت اشتراكية معمر القذافي في ليبيا؟ هل نجحت الاشتراكية في جنوب اليمن؟ هل نجحت الاشتراكية في الجزائر وغيرها من بلدان العالم العربي؟! الجواب، حتمًا، لم تنجح هذه الأنِظمة، وإنّما دمّرت وخرّبت الأوطان. وأخيرًا، كلنا يرى ويسمع كيف حوّل بشار الأسد سوريا إلى ميدان حرب لحركات الفكر المتطرفة من الشيعة والسنة وغيرهما. يُريد بشار الأسد اليوم أنّ يُسلم سوريا على طبق من ذهب لمليشيات قاسم سليماني وكاهن الضاحية الجنوبية، وتناسى كل شعاراته الرنانة التي كان يطلقها في المحافل العربية والدولية باسم العروبة والممانعة وغيرها. مما يعمق الجراح، هو ما نراه هذه الأيام في سوريا وكيف يضرب بشار الأسد شعبه بأسلحة محرمة دولية.
كما أننا شاهدنا نفس السيناريو في اليمن، ورأينا كيف سلم الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، الدولة اليمنية بكل مؤسساتها، لجماعة لا تعرف سوى الحقد المذهبي والطائفي، وهو الذي كان يتغنى بالديمقراطية والعروبة والقومية.
أما العراق فحدث عن جرحها ولا حرج. تقتل مليشيات (….) التي يُديرها قاسم سليماني أبناء الموصل تحت ذرائع واهيةً، ولا نستبعد أنّ ترتكب هذه المليشيات جرائم ومجازر أكثر مما ارتكبته في الأيام القليلة الماضية بحق إخواننا في الموصل، والأيام القادمة مليئة بالصور القاتمة. أمّا النظام العسكري في مصر فكتابة مقال واحد عن جرائمه لا يكفي، بل نحتاج إلى كتابة مجلدات كثيرة كي نظهر حقيقة ظلمه وقمعه للأبرياء في أرض الكِنانة.
ثالثًا:
يريد قادة الفكر والنُخب الحاكمة في الغرب أنّ يلهونا عن قضيتنا الحقيقية وهي قضية فلسطين، والتي هي قضية العرب الأولى. إذا كان الغرب ينادون بحرية الفكر، والمُعتقد، والديمقراطية، والعلمانية، والإشتراكية… إلخ، فلماذا! لم يقبلوا بالديمقراطية العربية في الجزائر ومصر وتونس والمغرب وفلسطين؟! إنّه عالم مقلوب رأسًا على عقب. كل المصطلحات الليبرالية والعلمانية والاشتراكية والقومية والديمقراطية التي يُنادي بها الغرب ما هي إلا نوع من الضحك على الذقون ولا تمت إلى الحقيقة بصلة.
إذن، الحل هو العودة إلى هويتنا العربية الإسلامية وبناء مشروع عربي إسلامي نهضوي، لكن ما زال هناك الكثير من الصعوبات والتحديات تواجه هذا المشروع نورد جزءًا منها.
أولاً:
جزء من الوطن العربي (اليمن، العراق، لبنان، سوريا) ما زال يرزح تحت نير أنظمة ميليشاوية ومذهبية، وبالتالي أصبحت هذه المليشيات المؤدلجة عثرة أمام هذا المشروع؛ مما يعني أنّ الطريق ما زال صعبًا وشاقًا للوصول للحلم العربي.
ثانيًا:
ما زال اللوبي الغربي والإسرائلي يدعم الأنظمة العسكرية والقمعية من أجل تحطيم أي مشروع إسلامي مستقبلي.
ثالثًا:
ما زال أغلب قادة الفكر العربي الإسلامي والمثقفين وحملة الأقلام يقبعون في السجون أو المنافي حتى كتابة هذه السطور، وبالتالي، كيف لهذا المشروع أن يتكلل بالنجاح وأغلب حملة الفكر في غياهب السجون. علاوة على ذلك، هناك صعوبات وتحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تواجه المشروع العربي الإسلامي، ولا مجال لذكرها الآن.
لا يُمكن أن تُحلّ مشاكل العرب اليوم إلا بقيام أنظِمة عربية ديمقراطية، عادلة تستمد كل أفكارها ومبادئها من الثقافة العربية الإسلامية. إذا أردنا أنّ يكون هناك نظام علماني أو ليبرالي، فليكن، ولكن، يجب أنّ يستمد قوتّه من ثقافتنا العربية الإسلامية، وليس من أفكار وفلسفة ماركس ولينين وهيجل وغرامشي وغيرهم.
إذن، ومن كل ما طرحناه سابقًا، يتضح وبما لا يدع مجالاً للشك أنّنا ما زلنا بحاجة إلى ثورة فكرية لتغيير عقلية المواطن العربي قبل الأنظمة، ومن ثم تغيير الأنظمة القمعية، وأعتقد أنّ المرحلة التي نمر بها اليوم سيأتي بعدها جيل لا يعرف سِوى العِزّة بالنفس وبثقافته وهويته العربية الإسلامية، ومن ثم سيتحقق مشروع النهضة العربية الإسلامية. لسنا متشائمين، بل متفائلين، والمتمنى أن يكون تفاؤلنا في محله.
The post المشروع العربي الإسلامي.. التحديات والصعوبات appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست