تتعدد أسباب هجرة المصريين واغترابهم عن وطنهم، وتتنوع محطاتهم ومقاصدهم ووجهاتهم، ولكنها تتصف بأنها حديثة، بعد أن ساهمت الحروب التي خاضتها مصر في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، وتردي الأحوال الاقتصادية والمعيشية وتعسّف أنظمة الحكم إلى دفع المصريين إلى الهجرة والبحث عن مصدر للرزق وربما للعيش في دول تمنح حريات لم يألفها أو يعهدها المصريون في وطنهم الأم.
والاغتراب المصري، يختلف بطبيعته وأشخاصه وظروفه، عن الاغتراب الذي مارسته دول شمال إفريقيا مثلاً، حيث إن المصريين بدأوا رحلة الاغتراب أولاً إلى دول أمريكا الشمالية في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات إما بغرض الدراسة أو العمل، ثم بعد أن أفاقت أوروبا من كابوس الحرب العالمية الثانية، شارك الكثيرون من المهندسين والفنيين المصريين في إعادة بناء أوروبا خصوصًا في دول مثل ألمانيا وفرنسا، ثم بدأت هجرة المصريين إلى دول البترول العربي وأنا أُطلق عليها «الهجرة العكسية»؛ لأن العرب والأوربيين على حد سواء كانوا يحلمون بالسفر والعيش والدراسة والعمل في مصر قبل أن ينقلب الحال وتسوء الأحوال الاقتصادية للمصريين.
ولاشك أن المصريين بطبيعتهم لا يحبون الاغتراب عن مصر إلا في أضيق الأحوال، وإن اضطرتهم الظروف للهجرة فإنهم سرعان ما يعودون لأرض الوطن بعد أن يحققوا مآربهم، ولكن هناك شريحة عريضة من المغتربين المصريين فضلوا البقاء في بلاد الغربة والتجنس بجنسياتها، وبالتالي نمت لدى أقاربهم في مصر الرغبة في السفر للخلاص من أجواء البطالة وتردي الأوضاع الحياتية والاجتماعية والتفتيش عن مستقبل واع كنتيجة طبيعية للرسائل التي يتلقونها من أقاربهم في الخارج في بلدان الاغتراب.
نيجيريا.. جوهرة غرب إفريقيا
عندما كنت صغيرًا، كانت والدتي الحبيبة تصطحبني عند زيارة إحدى صديقاتها التي كانت تعمل في مجال التربية والتعليم، وأذكر أن هذه السيدة الفاضلة كانت تحكي عن زوجها الطبيب الذي سافر إلى نيجيريا في بعثة طبية في أوائل السبعينات، ثم آثر البقاء هناك واقترن بزوجة نيجيرية بغرض الحصول على الإقامة والجنسية؛ حيث كانت نيجيريا في تلك الفترة في طريقها لتتبوأ مكانة مرموقة بين الدول الاقتصادية الكبرى بسبب الاكتشافات البترولية العديدة التي تم الكشف عنها على أراضيها، وبين عشية وضحاها وبعد انتهاء كابوس الحرب الأهلية التي بدأت في منتصف الستينات وانتهت في بداية السبعينات، أصبحت نيجيريا قبلة للأوربيين والعرب من شمال إفريقيا والأفارقة من البلدان الإفريقية المختلفة؛ بسبب ارتفاع معدلات الدخل في تلك الدولة الإفريقية الناشئة والغنية بكل أنواع الثروات.
ونعود لقصة صديقة والدتي عن زوجها الطبيب المهاجر إلى نيجيريا، حيث بقيت هذه القصة بتفاصيلها قابعة في عقلي الباطن حتى سنة 2004 حين رشحتني شركتي المصرية للعمل كمدير موقع في مشروع إنشاء مصنع أسمنت كبير في مدينة كالآبار بمقاطعة كروس ريفر ستيت في الجنوب المسيحي النيجيري «أقول الجنوب المسيحي نظرًا لحالة التنافر التي يشهدها المجتمع النيجيري بسبب هجمات بوكو حرام مما اضطر الأهالي لإبعاد كثير من المسلمين من هذه المناطق إلى مناطق الشمال حيث يكثر المسلمون»، وفي تلك الفترة أصابني الخوف بعد أن حذرني بعض الأصدقاء من الأمراض المنتشرة هناك، ومن طبيعة النيجيريين العنيفة وعصابات المخدرات والتهريب وخطف الأجانب للحصول على فدية، ولكني قررت خوض التجربة أيًا كانت اعتمادًا على تفاصيل قصة صديقة والدتي التي ما تزال قابعة في عقلي الباطن وآن لها أن تخرج إلى الواقع وأن تترجمها العين في الحقيقة، وبالطبع ونظرًا لبعد المسافة بين مصر ونيجيريا، فلم أستطع خلق حالة تواصل مع أي من المغتربين العرب الذين قصدوا نيجيريا منذ زمن للتعرف على آخر المستجدات، وفضلت أن أواجه الحقيقة بدون ترتيبات مسبقة.
رحلة السفر إلى نيجيريا
جدير بالذكر أن نيجيريا شكلّت نقطة الجذب الأولى للمهاجرين من دول عديدة خصوصًا الإفريقية ومن بعض البلدان المصدرة للهجرة مثل تونس والمغرب ولبنان والجزائر، وكانت الجالية اللبنانية في نيجيريا من أكبر الجاليات، حيث تزوج عدد كبير من اللبنانيين من فتيات نيجيريا وأنجبوا أبناء وكوَّنوا عائلات، وتمكنوا من إنشاء الصناعات الحديثة وسيطروا بشكل كبير على الاقتصاد النيجيري، حتى إن الرؤساء النيجيريين كانوا يعينون بعضهم كمستشارين اقتصاديين «من وراء الستار طبعًا»، وحتى إن استثماراتهم شملت كل القطاعات تقريبًا، خصوصًا العقارية، الصناعية والتجارية.
وقد قصدت أن أوضح أهمية الجالية اللبنانية ومدى تأثيرها في المجتمع النيجيري؛ لأن أول من استقبلنا في المطار كان لبنانيًا، وهو الذي أنهى إجراءاتنا بمنتهى السهولة واليسر وهو الذي وفر لنا سيارات فارهة بغرض الانتقال إلى الفندق الفخم الذي يمتلكه ثري لبناني، ونظرًا لتشابه طبيعة المصريين واللبنانيين وثقافتهم، فلم نشعر بالاغتراب في بادئ الأمر!
وشيئًا فشيئًا بدأنا التعود على الطبيعة الاستوائية للجنوب النيجيري، وبعد فترة ترقب وخوف، بدأنا في التآلف مع طبيعة الشعب النيجيري الذي يتسم أبناؤه بالطيبة والبشاشة، وكانت المنطقة التي نقيم فيها في نيجيريا تتميز بالتنوع الواسع لمناطق الجذب السياحي مثل الشواطئ الكبيرة والواسعة للمحيط والأنهار والتي تعتبر ملائمة للسباحة والرياضة، كما أنها كانت تمتاز بطبيعة الحياة البرية؛ حيث يوجد بها مساحات شاسعة من الطبيعة البكر التي تتنوع بين الغابات الاستوائية والشلالات الرائعة، هذا بخلاف أنماط الحياة التقليدية والحرف اليدوية والمتنوعة والمنتجات الأخرى ذات الألوان التي تصور النمط الأصيل للحياة والود الذي يتميز به النيجريون، وعلى الرغم من أنه لم يتم استغلال هذه الطبيعة الخلابة بشكل يليق بها نظرًا لضعف إمكانيات الحكومات المحلية وفقر الحكومة المركزية في أبوجا، فإن المستقبل الواعد ينتظر النيجريين إذا أحسنوا استغلال كل هذه الموارد، ولكن نظرًا لانتشار الرشى والفساد في كل أروقة الدولة، فإني أشك في ذلك!
ومنذ وصولنا إلى كالابار تلك المدينة الرائعة، وهي عاصمة محافظة أو ولاية كروس ريفر في الجنوب المسيحي، شعرنا أننا مميزون للغاية، فالنيجيريون ينظرون إلينا على أننا آلهة أو مخلصون من الفقر المدقع الذي يعيشون فيه، وتختلط مشاعرهم بين التعاطف والاستغلال والتهديد والخوف، حيث إن الرجل الأبيض كان يستعبدهم ويسرق ثرواتهم ويغتصب نساءهم ويعذب رجالهم، ومع ذلك فلم يستطيعوا أبدًا إيذاءه بسبب امتلاكه للثروة والسلاح!
وزاد الطين بلة، الأوضاع الاقتصادية المتردية شديدة الصعوبة التي كان يعاني منها النيجيريون الفقراء بسبب تردي سعر العملة المحلية حتى وصلت قيمة النيرة «العملة المحلية» لأكثر من 140 نيرة للدولار الواحد وقت وصولنا، بل وصلت اليوم إلى أكثر من 305 نيرة للدولار الواحد، رغم أن نيجيريا دولة بترولية غنية وتمتلك ثروات طبيعية، حيث تعد نيجيريا من أكبر الدول المصدرة لزيت النخيل والكاكاو والفول السوداني والمطاط والقطن والجلود، ويعمل عدد كبير من سكانها في التعدين، خاصة استخراج القصدير والفحم والبترول، كما توجد صناعة للمنسوجات، ولكن صراع الجنرالات على الحكم وانتشار الفساد والحروب الأهلية بالإضافة إلى غياب العدالة الاجتماعية وسوء توزيع الثروة، دمر مقدرات تلك الدولة الغنية وخلق أجيال كارهة للسلطة وللحكام وللأجانب الذين يعتقدون أنهم ينهبون ثروات بلادهم ويهربونها للخارج.
ونتيجة لمشاهد الفقر المدقع التي شاهدناها حول الفندق ومقر الشركة، تولدت لدينا حالة من الضيق والخوف، وازداد هذا الموقف حدة، مع قيام بعض الأهالي باحتلال موقع العمل بحجة أنهم يمتلكون أرض الموقع، رغم أن شركتي اشترت الأرض من الحكومة المحلية وتم التوقيع على عقد المشروع في احتفال رسمي وفي حضور محافظ الولاية، ولكن الأهالي كان لهم رأي آخر – وربما كان بالترتيب والتنسيق مع المحافظ نفسه – لأن المسؤولين هناك لا يمكن الوثوق فيهم على الإطلاق طالما أنهم لا يشبعون ولا يستكفون من أموال الرشى!
واستمرت هذه الحال بالتصاعد، ولكن الأوضاع عادت واستتبت بعض الشيء بعد أن وعدناهم بتقديم مبلغ من المال لهم وتشغيل أبنائهم في المشروع، ولكن الأمور لم تعد كالسابق، فالخوف من الابتزاز أصبح يرافقنا أينما ذهبنا، وفعلاً حدث ما كنا نتوقعه حين تم الهجوم صباحًا على مقر الشركة وسرقة سيارات رباعية الدفع ووقوع جرحى وقتلى بين صفوف بعض الموظفين والمارة وهروب الجناة إلى ولاية بنين المجاورة!
وبدأت رحلة الصعاب والمشقات بعد أن واجهتنا صعوبات في توفير كل الاحتياجات اللوجستية التي تعودنا عليها كعرب من طعام وملبس ومشرب، فطبيعة الطعام هناك مختلفة جدًّا، فأكلهم يعتمد على دقيق الشعير وزيت النخيل وبعض الخضروات، مما اضطرنا إلى جلب الخبز والأجبان وبعض المعلبات من لاجوس على بعد 1000 كم عن طريق أحد التجار اللبنانيين، وأحد أهم المشاكل التي واجهتنا هي أنه لا توجد كهرباء حكومية بل الاعتماد يكون على المولدات الكهربائية التي تحتاج إلى ديزل وهو غير متوفر طول الوقت رغم أننا نعيش على أرض دولة بترولية، وأما المياه فحدث ولا حرج فهي موحلة حمراء وعلينا أن نغتسل بها، وطبيعي أن نشتري مياهًا معدنية لأغراض الشرب وعمل الشاي والقهوة، وإن كان مصدرها غير معروف بالمرة!
وفي نيجيريا تلك الدولة الزراعية التي تسقط فيها الأمطار الاستوائية 8 شهور سنويًا، تجد الطماطم والموز مثلاً من أغلى الأصناف بحجة أن النيجيريين هجروا الزراعة واتجهوا للمهن السهلة المربحة مثل بيع السجائر وكروت التليفونات وبيع الخمور وأيضًا تجارة النصب والمخدرات.
هل تشتري حذاء؟
نظرًا لتوافر الجلود في نيجيريا واعتقادي أنني سأجد أحذية وجاكتات جلدية جيدة جدًا وبسعر معقول، قررت الذهاب إلى السوق مع سائقي الخاص الذي لا يفارقني، وذهبنا إلى محل كبير يبيع أحذية جلدية راقية فسألته عن سعر الحذاء فأجابني 7000 نيرة أي ما يعادل خمسين دولارًا، وأعتقد وقتها أن هذا السعر كان معقولاً مقارنة بجودة وتميز المنتج، فأعطيت الفلوس للبائع، ولكن البائع أعطاني فردة واحدة فقط! فلما نبهته إلى خطأه وعدم تركيزه بوضع فردة حذاء واحدة في الكيس، أجابني: السعر للفردة الواحدة يا سيدي! وبالطبع تراجعت عن عملية الشراء بعد أن أدركت أني سأقع ضحية عملية نصب.
مطعم بيروت
اتصلت يومًا بأحد الأصدقاء اللبنانيين وسألته عن مطعم يقدم أصنافًا من المطبخ العربي، بعد أن مللنا من المعلبات والوجبات الجافة والأسماك، فأجابني بأن له صديقًا لبنانيًا افتتح مطعمًا باسم «بيروت» منذ أسبوع في كالابار ويمكنني التوجه إليه مؤكدًا على جودة الطعام وحفاوة الاستقبال، وفعلاً ذهبنا إلى المطعم، وأذكر أني أكلت فتة مصرية ولا أروع «أو ربما هُيئ لي ذلك» مع مشهيات لبنانية ولا أحلى، ونحن نستمع للسيدة فيروز والسيدة أم كلثوم في جو مليء بالفرحة، ثم ختمنا زيارتنا لهذا المطعم بتدخين الأرجيلة وشرب القهوة العربية.
الإسلام في نيجيريا
رغم أن نيجيريا من أكبر الدول الإسلامية كثافة سكانية؛ حيث يبلغ عدد المسلمين فيها حوالى المائة مليون نسمة يعيش معظمهم في مناطق الشمال الغنية بالنفط، ويعيش المسيحيون البالغ عددهم حوالى 30 مليون نسمة في مناطق الجنوب الغنية بمناطق الجذب السياحي ومصادر المياه والتلال الخضراء، ويندر أن تجد مسلمين كثر أو أماكن عبادة إسلامية في أماكن تجمعات المسيحيين، وأعتقد أن العكس صحيح في الشمال، إلا أن إدارة الدولة علمانية، وهي بالتالي تسمح بتداول الخمور وممارسة الدعارة وغيرها من الأفعال التي يجرمها الدين الإسلامي، وقد كانت مدينة كالابار خير مثال على ذلك؛ حيث يتم تداول وبيع الخمور في الشوارع، وتقوم فتيات الليل باحتلال النواصي، خصوصًا نواصي الفنادق التي يقطنها الأجانب، وكذلك ارتياد الملاهي الليلية التي يرتادها الأجانب، وفي بعض الأحيان تكون هذه الفتيات مجرد أداة لصيد الأجانب واختطافهم بواسطة عصابات خطيرة بغرض طلب الفدية أو القتل، والغريب أن معظم هؤلاء الفتيات إما طالبات جامعيات وإما فتيات مدارس، والقانون هناك لا يجرم دعارة الأطفال، لدرجة أنه يمكن أن تجد فتيات في عمر الزهور يحترفن مهنة البغاء في حراسة أقاربهم!
وهنا كانت شرارة وبداية تأسيس الجماعة الإسلامية التي أسسها محمد يوسف في يناير 2002، في كناما، ولاية يوبه، وكان يوسف يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وإلى تغيير نظام التعليم، وعلى حسب قوله: «هذه الحرب التي بدأت الآن سوف تستمر لوقت طويل»، وقد عُرف عن الجماعة في باوتشي رفضها الاندماج مع الأهالي المحليين، ورفضها للتعليم الغربي والثقافة الغربية، والعلوم الأجنبية، وكانت الجماعة تضم قادمين من تشاد ويتحدثون فقط اللغة العربية، ومنذ ذلك الحين تخوض من حين لآخر مصادمات مع قوات الأمن في بوشي ومناطق أخرى بالبلاد. حتى تطور الأمر في 24 آب/أغسطس 2014 حين أعلنت بوكو حرام الخلافة في مدينة غووزا شمال نيجيريا!
كان معكم من نيجيريا/ خالد عبد المنعم السيد إبراهيم
The post حكاية مصري في بلاد إفريقيا! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست