كانت المحنة عظيمة لهذا الحد الذي جعل زيدٌ يتساءل، وقد أحاط به اليأس من كل جانب: ماذا حيالنا أن نفعل يا رسول الله؟!
لكن رسول الله كانت قد أدركته في الحين ذاته رحمات ربه، وأحاطت به عناية الله؛ ليجيب بسكون ويقين عميقين: إن الله جاعل لما ترى يا زيد فرجًا ومخرجًا.
هذا الحوار دار على أعتاب مكة، بين اثنين مطاردين في وطنهما ، منبوذبين في بلاد الجوار، ضاقت بهما الأرض بما رحبت، لم يبتغيا سوى الإصلاح في الأرض!
ترى ماذا كان سيضطر أحدنا أن يفعل إن هو هاجر باحثًا عن بداية جديدة، بعد أن حاصرته جل وسائل التثبيط وحاربته شتى طرق المسير لمدة عشر سنوات متتالية، فإذا بالصدمة تغتاله ليكتشف أن البداية الجديدة تلك ما هي إلا امتداد آخر لطريق خذلان موحش!
الآن لنعلم أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يكن كأي أحد منا، ولم تكن تجربته كتجارب حياتنا التي غالبًا ما تدور حول أنويتنا وذواتنا الشخصية وفقط!
كانت تجربته عظيمة لهذا الحد الذي أرانا أن للحضارة وجهًا آخر!
وكان في ذاته عظيمًا لهذا الحد الذي يجعلنا نقول بثبات: وما فقدَ الماضون مثل محمدٍ، ولا مثله حتى القيامة يُفقد!
لم يكن موقفًا مر فحسب، ولم تكن مجرد تجربة كما قد يتخيل البعض!
كان أصعب يوم مر في حياته – صلى الله عليه وسلم – بشهادة عائشة أم المؤمنين، تخيل معي رجلًا بهذا القدر من الإجلال الذي يجعله في صدر المجالس، تأتمنه مدينته الكبرى على أموالها وأسرارها، يشهد الفصل في القضايا .. ويُقدم رأيه عند الشورى، له حسبٌ أصيلٌ ونسبٌ عريقٌ.
قضى أربعين سنة من حياته لا يعرف للإهانة ولا للإذلال مكانًا!
وفجأة يتبدل كل شيء، يبعثه الله رسولًا لأمته؛ فيطاردونه ويشردونه ويتهمونه بالسحر والزندقة، ويقولون في حقه الأقاويل ، وهو ثابت على مبدئه .. لا يعرف للتواني سبيلًا، ولا للخضوع مكانًا.
ولإصراره على دعوته ..
أراد لها بداية جديدة .. أرض جديدة غير تلك العقيم التي لا تنبت إلا صبارًا علقمًا.
فأحكم خطته وتوكل على ربه وهاجر إلى بلاد الطائف بصحبة زيد بن حارثة مولاه.
وبالرغم من أن بلاد العرب عُرفت بالجود العريض، إلا أن أهل الطائف لم يصدر منهم حينها إلا الخسة والنذالة؛ فأبواْ أن يضيفوهما، فوجدا في الطائف جدار الضلال يريد أن ينق، فلم يخلوا سبيلهما لينقضاه.
ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل تعداه لأن يغروا بهما سفاءهم وصبيانهم، فرموهما بالحجارة حتى دُميت قدامه – صلى الله عليه وسلم – وشُجت رأس زيد بن حارثة مولاه!
لم يكن الأذى البدني عظيمًا كعظم أذاه النفسي – صلى الله عليه وسلم – الذي بلغ حد أن جعله يرتحل إلى بستان قريب، ويجلس في ظل شجرة يداوي جراح نفسه ويطبب آلام قلبه مناجيًا ربه .. يارب ..
اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي .. وقلة حيلتي .. وهواني على الناس ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي .. إلى من تكلني .. يارب؟!
إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك .. أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك!
لكن الله قريب منا حد أن يدركنا برحماته، ويحيطنا برعايته، ويجعلنا نتقلب في نعيمه، ونحن نعصاه ،وكذا ونحن طائعون له ، فكيف بعبده ورسوله وحبيبه ومصطفاه؟!
لم تكن سوى لحظات حتى أرسل الله إليه سيدنا جبريل – عليه السلام – بصبحته ملك الجبال فأقرأه من ربه – جل جلاله – السلام، وقال لو شئت أطبقت عليهم الأخشبين!
فأجاب صلى الله عليهم وسلم: دعهم؛ عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يشهد أن لا إله إلا الله.
كانت عناية ربه ذات معنى أبعد من هذا الذي يبدو عليه، ألم يكن الله قادرًا على إنفاذ أمره بإهلاك هؤلاء دون مشورة نبيه؟! وهو من قبل بإجابة نبيه أعلم، لكنه – عز وجل – أراد أن يسري عن نبيه، ويعلمه علم اليقين بأن قوة الله تحفظه وترعاه، فما بال هؤلاء وما بال أفعالهم وما بال الدنيا وما عليها!
وما قام رسول الله من مجلسه حتى آمن به عداس النصارني وقبل رأسه!
تلك الرسائل التي ألهم بها الله نبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – كانت بمثابة الرحمات التي يعلو بعضها فوق بعض، جعلته ينغمس في عناية ربه – عز وجل – فاطمئن قلبه وهدأت روحه وعلم علم اليقين أن الأمر كله بيد الله وحده، فأورثه ذلك ثباتًا رد به على زيد وهما على أعتاب مكة، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا.
The post قبسٌ من الطائف! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست