ثورة نعيشها في عالم سريع الإيقاع دائم التبدل من حال إلى آخر مع كل حركة لعقارب الساعة في ظلال تقنيات الاتصالات التي فَضّت عزلتنا إلى الاتصال الجمعي، من وحشة الوحدة إلى ضجيج الجموع الغفيرة ونحن في منازلنا نتطلع إلى من حولنا في هذا العالم الذي تقلصت رقعته بلمسات هامسة على لوحة حوار جهازنا «الجمعي» نتجول في عالم متسع اتساع الآلاف من الكيلومترات ضيقت مسافاته تقنيات الاتصال المتعدد الأشكال (مالتيميديا) فنقلتنا من ضيق المكان إلى رحابة العالم المترامي الأطراف، عبر البلدان والقارات، فخففت هذه التقنيات لوعة الشوق وآلام الفراق ودمعة الوداع ولهفة اللقاء، جعلتنا نتواصل بكل تفاصيل اللقاء الإنساني المباشر (رغم بعد من نتواصل معهم) فقربت مشاعرنا وأحاسيسنا أكثر ممن يحادثنا من وراء باب غرفة تواصلنا، وجعلتنا نضع ساعي البريد في جيوبنا وتحت خدمتنا الفورية، يرسل ويستقبل بريدنا المكتوب والصوتي المباشر وبالصوت والصورة الحية في الزمن الحقيقي، متنقلًا بين البلدات والمدن والبلدان والقارات، وبمهام متعددة يمكنها أن تتم في نفس الوقت، يا له من ساعي بريد تفوق على رسل سليمان!
هذا القادم السريع الذي يستريح بين أناملنا أو على سطوح مكاتبنا اقتحم حياتنا بسرعة إيقاع العصر غَيّر طبائعنا وفتح الآفاق أمامنا بلا حدود وأسس لعالم متسع بلا حدود خفيف القيود والرقابة، قيد مقص الرقيب، نتحكم فيه بوصفنا سياسيين، كتابًا، صحفيين، ممثلين، اختصاصيين، وأي مهنة نحب أن نمارسها أو ندعي التألق في أسرارها دونما اعتراض من أحد المهم هو ما نشارك به، نتحكم فيما نكتب أو نرسم أو نقول أو نصمم يشاركنا من نعرفه ومن لا نعرفه، مع من يشاطرنا لهجتنا أو لغتنا وحتى من نختلف عنه لسانًا، كل هذا يجري وحرية القول والاختيار والكتابة هي كل امتلاكنا.
فأي نعمة نعيشها؟ وأي ظلم بحق أنفسنا لغياب كامل عن المشاركة في ابتكار أو إنتاج هذه التقنيات؟
هذا القادم الجديد ضيق متسع خيالاتنا عما يجري خلف امتداد النظر ليمد بصرنا إلى أعماق الغابات وذرى الجبال ودثار الثلوج على القمم العالية، وأعماق البحار والمحيطات، وعلى سفوح الشعاب المرجانية، وأحراش الغابات المطيرة، ومتسع الصحاري، مكننا من السير إثر الهجرات العظيمة التي تسيرها حيوانات السهول المعشبة، وتتبع رواد المحيطات التي تتنقل داخل مسطحات المياه الهائلة، بل مكننا من تقفي سلوكها وآثار تصرفاتها.
هذا القادم العظيم أتاح لنا مشاهدة الانفجارات العظيمة لصدام النيازك مع كوكب المشتري حال ما وقعت، ومشاهدة «الفضول» تهبط على سطح الكوكب الأحمر الذي ألهب حماس أجيال من البشر بعد الوقت الذي استغرقه سفر الضوء القادم إلينا من المريخ مباشرة، لنشاهد بعدها تجوال المركبة على سطحه الموحش، وغاص بنا لنرى أدق تفاصيل ما يجري في قلب الخلية الحية.
يا لها من لحظة فارقة في تاريخ البشرية. إلى أين ستذهب بنا هذه التقنيات؟ لست أدري. إلى أين تتجه بنا التقنية مستقبلًا، هذا الساحر العجيب تطور ونضج وطغى على كل تفاصيل حياتنا نحن البشر في زمن وجيز لا يتعدى حِقبًا قليلة من السنين، فكيف سيكون الحال في المستقبل.
أصبح أرباب هذه التقنيات ينتجون تقنيات عتاد وبرامج بالآلاف تتدفق على مدار الساعة إلى أسواق الاستهلاك لا يسعنا تتبعها وتسلسل إنجازاتها وتشعبها بشكل تجفل له عقولنا، فهناك برامج تُسَيِر حركة الطائرات حول العالم وبرامج تسير حركة البنوك وتربط الآلاف منها والمئات من فروعها بإحكام عبر القارات، وبرامج تشغيل هواتفنا وتطبيقاتها التي صيرتنا دون رأي منا أجزاءً من عالم مفرط في اتساعه جعلت تلك العبارة التي يستخدمها المُعْلِنون حقيقة ناصعة «العالم بين يديك»، إلى برامج تغطي كامل مجالات الحياة إلى برامج عملاقة جمعت البشر من أطراف الأرض وعلى امتداد القارات في محيط واحد متصل متواصل، فهذه ميكروسوفت، وقوقل، وفيسبوك، وتويتر، و و و… التي أعادت تجميع البشر بعد أن تبعثر نسلهم على سطح القارات الست منذ ما يقرب من مئة ألف من السنين.
ولكن أين نحن العرب من كل هذه الإنجازات العظيمة، في أي مستوى نحن من النصف الأسفل من القائمة؟ لا أدري بأي تصنيف يمكن لنا محاكاة الفارق، هل على مستوى التقنيات بينما دومًا لا نسأل عن الفارق في الإنجاز بيننا وبين دول التقنيات لأن المقارنة بين الصفر وأي رقم غيره كبر أو صغر، إنه فقط لا يعني شيئًا! ولا يمكن المقارنة بين الشيء واللا شيء.
أو المقارنة على مستوى ما تصنعه العقول من معارف وما تدونه في مكتباتها وفي فضاء التقنيات، لنأخذ مثالًا الموسوعة الحرة التي تعتمد على النشطاء من المدونين، ويكتب محتوياتها المهتمون والمتخصصون من المتطوعين «ويكي بيديا» المفتوحة المصدر وتنشر موادها بـ294 لغة. تنشر هذه الموسوعة 5.238.299 موضوعًا في نسختها الإنكليزية بعدد 40.175.890 صفحة بينما تنشر 441.984 موضوعًا في نسختها العربية بعدد 2.627.976 ولا يقف الفارق عند الحد الكمي بل إلى ما هو أسوأ، موضوعات النسخة الإنكليزية مكتملة غنية مبسطة واضحة بترتيب أخّاذ وتحرير عالي المهنية لا يحتاج معها الأسترالي أو الأمريكي أو الكندي أن يعمل نسخة وطنية لأن اللغة تجمع الكل، بينما النسخة العربية ركيكة هزيلة المحتوى كثير منها عناوين بلا مواضيع، حتى للأسف المحتويات المتعلقة بميراثنا العظيم، مجتزأ ركيك فقير المحتويات، لقد بلغ بنا الكسل الثقافي حدًا لا نستطيع معه نقل محتوى كتب التراث كما هو بنسخة عصرية إلى هذه الموسوعة!
ولا يحسن منها إلا المواضيع المنقولة (نسخ لصق) عن النسخة الإنكليزية، إضافة إلى أن البعض من أبناء الدول العربية قد حرر نسخته بلهجة محلية عامية فأصبحت مهزلة داخل مهزلة، والمضحك المبكي أن هئولاء يتخيلون أن إنجازاتهم تتوافق ومتطلبات (الموسوعة)، ولا يدرون أن الكتابة بالعامية تضعف وتبهت المعاني والمحتويات وتعزز نشر الجهل، وأن كل الأمم الناهضة تسعى ضمن برامج محكمة بنشر لغتها الفصحى لدى سائر المنتمين لتلك اللغات يا له من جهل مركب!
ماذا حل بنا؟ هل نعيش غيبوبة حضارية في سبات «الجنوب المتخلف» بين اليقظة الغريزية والمنام العقلي؟ متى سنستفيق؟ الله وحده من يعلم؟
لقد استغللنا هذه التقنيات في تكريس التخلف وتأصيله في وعينا الجمعي وأفسدنا الذوق العام وهدم منظومة القيم، فهذه فضائياتنا ازدحم بها الطيف الموجي ومعظمها في سباق محموم من سيقدم «الفيديو كليب» الأكثر بهرجة وإثارة؟والذي يخلو من أي معنى في كلماته أو أدائه وألحانه ولا يملك أي صلة بأي لون من ألوان الفن الرفيع الذي تزخر به المكتبة الموسيقية العربية والمتوازن في معناه ورسالته، سوى «فن» يركز على استعراض الأجساد الطرية الغضة نصف الشفافة، وبهرجة المناظر وخلفيات إستوديوهات التصوير، والتي تدعي الجد في موضوعات بثها؟ إنها تسحق المشاهد من داخله وتشوه وعيه وتجعله في منطقة رمادية لا يستطيع عندها التمييز بين ما هو صح وخطأ، بين الحق والباطل فتبني ثقافة مشوهة مشوشة يرتد أثرها على استقرار المجتمعات وتطورها السليم، والبعض أجاد شحن البغضاء وحقن التطرف بشتى أنواعه والبعض صنع لأجيالنا الناشئة عالمًا متكاملًا متناسقًا من الأوهام وصرف انتباه هذه الأجيال عن الواقع في نماذج من الأفلام والمسلسلات المدبلجة وغيرها من برامج الترفيه التي تعالج في الغالب حياة المترفين، والتي شوهت العواطف والعلاقات الإنسانية بغطاء من رقة المعاملة وفخامة الحياة التي يعيشها أبطال الأفلام والمسلسلات ورغد العيش فجعلوا أولادنا يعيشون في عالم «افتراضي» مسرحه الخيال ونتائجه انفصام عن واقعٍ هو في مسيس الحاجة لإعدادهم للمساهمة في إصلاحه وتطويره بما يحقق المستقبل الآمن والحياة الكريمة، والبعض تخصص في تفسير الأحلام وعلاج ما يسمونه بالْمَس وهلم جرًّا. وفي الجانب الآخر، وعلى سبيل المثال، أنجب لنا العالم «الكافر» كما يسميه البعض شابًا في بداية عشرينيات العمر ليصنع لنا أجمل حلم لم نكن نحلم به أبدًا، برنامجًا نتواصل من خلاله مع من نريد وفي أي وقت نشاء وبأدوات تجسد كل انطباعاتنا، اشتراكنا في الفيسبوك يلحقنا بالملايين من أبناء جنسنا الآدمي لنتواصل معهم بكل سهولة ويسر وبأقل التكاليف وبه نعيش عصرنا، فهل أنجزنا – نحن الأمة – خلال العقد الماضي ما أنجزه هذا الشاب المحترم؟!
نعلم أن إنجازات الأفراد متصلة بإنجازات الأمم التي تحرك مواطن الإبداع وتؤمن البيئة الصالحة والأدوات الملائمة واللازمة. إنها مسيرة طويلة من التطور الخلاق، فقد عرفت هذه الأمم معنى المستقبل فشرعت في بناء الدولة أولًا بوصفها ولاية أمر لا ولاية نعمة ثم حلت المشكلة السياسية بتوافق مكوناتها حول مشروع مشترك رضي به الجميع في بناء وتسيير الدولة. هذا جلب الاستقرار ووضع العربة على سكة السير الآمن وبهذا أسست طريقًا آمنًا نحو المستقبل الذي أمن الحياة والعيش الكريم والكرامة الإنسانية في أبهى تجلياتها والنابعة من عقد اجتماعي متين اُسِسَ أولًا، هكذا امتلكت هذه الأمم قدرة السيطرة على مصيرها وقدرها فصنعت معجزتها والتي نعيش نحن حاليًا على تخوم إنجازاتها الخلاقة بدون مساهمات.
هل لنا أن نحاكي يقظتهم بعد عصورهم الوسطى والتي دام سباتهم خلالها مئات السنين ليكتشفوا أن جيرانهم الأندلسيين ليسوا بـ«كفار» وأنهم بحاجة إلى فهم ركائز قوتهم وتطورهم وإنجازاتهم والتي تلاها عصرهم الذهبي الذي دشنته ترجمة كل التراث الفكري المكتوب لأولئك «الكفار» والذين بعملهم ذلك أحكموا السيطرة على العالم حتى اللحظة، وفي وصف دقيق لأحد مؤرخيهم قال: لقد حول الغربيون الشرق إلى طاولة ترجمة تمتد من دمشق وحتى طليطلة.
ولنا أن نتخيل ذلك الجهد الجبار الذي تطلب إنجازه في ذاك الزمن والجهد الهين الذي نحتاج إليه نحن اليوم، يستطيع أي منا بجهد مريح وفي دقائق نقل مكتبة كاملة وتخزين محتواها في قطعة إلكترونية لا يزيد وزنها عن مئة جرام وسعرها لا يزيد عن خمسين دولارًا ويمكننا ترجمتها بآلات الترجمة الآلية دون مشقة في إتقان لغة أخرى.
متى هي صحوتنا ومتى عصر نهضتنا في هذا الزمن السهل؟
The post عالم من الجمود والتخلف أبعدنا عن العالم المعاصر! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست