السبت، 29 أبريل 2017

ثقفني اون لاين : داعش بيننا

 الأمر أخطر مما قد نتصور، فإذا كانت داعش تجسيدًا للتطرف والدوغمائية العقدية والأيديولوجية اللاهوتية، فبيننا ومعنا من يتقاسم مع هذا التنظيم الدموي نفس الأيديولوجيا الاستئصالية والإخصائية.

الرغبة في استئصال الآخر وإخصائه ليس فكريًا وفقط، بل من حيث هو كائن موجود، ولا حق له في الوجود ما دام لا ينضبط للأفق الميتافيزيقي الذي رسمه هذا التنظيم الدموي.

نجد أحد أعلام السلفية الجهادية – والذي حكم عليه على إثر تفجيرات البيضاء سنة 2003 بـ 30 سنة سجنًا، قبل أن يصدر في حقه عفو ملكي – ألا وهو الشيخ الفزازي، الذي يظهر أن سنوات السجن لم تغير في نفسه شيئًا، وأنه لم يغير منهجه التكفيري سوى بسب المختلفين عنه ومناصرة الفكر الرجعي والدعوة إليه، وتغطية هذه الدعوة بغطاء الدفاع عن ثوابت الوطن … الفزازي الأب سبق وأن وصف ابنه بكونه نكص على عقبيه وأنه في الدرك الأسفل، وأنه بريء منه … فالشيخ بعد خروجه من السجن لا هو سار على نهجه التكفيري والأرثودوكسية العقدية، ولا هو تاب فكريًا وعقديًا.

إن وصفه من طرف والده بالنكوص والتبرؤ منه – الفيديو موثق على قناة يوتوب – جاء نتيجة لموالاته لمن كان بالأمس القريب يوجه إليهم تهمًا بالجور والديكتاتورية ودولة الشعارات، لا دولة الحقوق والمؤسسات، في رسالته الموقعة باسمه وكتبه المظلوم المقهور سجين الدعوة والإسلام محمد بن محمد الفزازي، والتي كتبها كما هو مشار إليه في ذات الرسالة من داخل زنزانته بالسجن المركزي بالقنيطرة.

المطلع بعين فاحصة على فحوى هذه الرسالة سيدرك حجم الضغينة التي يكنها هذا الشيخ للدولة ولمؤسساتها – وللقارئ أن يعود للرسالة فهي متوفرة في عدد من المواقع الإلكترونية – حيث يصف الدولة المغربية بدولة الشعارات الموسمية ويتهمها بتلميع صورتها أمام المنتظم الدولي في حين مازال المغاربة حسب قوله يعذبون في السجون السرية والعلنية من طرف من سماهم بالجلادين … الرسالة التي تروي قصة اعتقال الشيخ عقب تفجيرات الدار البيضاء عام 2003، والتي وجهت له فيها تهم ثقيلة ومختلفة، أبرزها كما تورد رسالة المعتقل أحد أبرز متزعمي ما يسمى بالسلفية الجهادية سابقًا:

التهم حسب نسخة الحكم المثبت في الملف القضائي عدد 875 /5/ 2003 – قرار عدد: 919 بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء هي:

تكوين عصابة إجرامية والمشاركة في جناية المس بسلامة الدولة الداخلية وبارتكاب اعتداءات الغرض منها إحداث التخريب والتقتيل في أكثر من منطقة والمشاركة في القتل المعد مع سبق الإصرار والترصد والمشاركة في الإيذاء العمدي المؤدي إلى عاهة مستدامة والمشاركة في الإيذاء العمدي المؤدي إلى جروح] (صفحة 2 من أصل 134).

الرسالة كما أشرت، مثقلة بخطابات الحقد والرغبة في الثأر، وجاء خطاب المعتقل السابق، في قالب أيديولوجي ديني صرف، فاللغة كما يذهب بعض الفلاسفة تفقد معناها خارج الإيديولوجيا، فهي تتحرك داخل الإيديولوجيا وعبرها، وإلا صارت بلا معنى، الإيديولوجيا الدينية التي تجسدها لغة الرسالة في عبارات من قبيل: هذا يصدق على النيابة العامة أنها نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، محنة آل بيتي، حيث سُب الربّ سبحانه ودينه الحنيف، عاريًا كما ولدتني أمي، يشعر المرء معها بالشماتة والانتقام … من الدين، كل هذا العدوان في سبيل الله، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، كما جاء في الحديث الصحيح… وغيرها من الألفاظ والعبارات المشحونة بأيديولوجيا دينية. والغاية منها ممارسة سلطة إقناعية على القارئ الذي يقاسم الشيخ ذات الأيديولوجيا، ودفعه للتعاطف الأيديولوجي معه، فضلًا عن أن للغة هنا وظيفة تنديدية، هذا التنديد يتوجه بشكل مباشر للدولة ومؤسساتها.

لا يقتضي الأمر أي مجهود حتى نستطيع استيعاب سيكولوجية الشيخ في تلك الأزمة السيكو – سوسيولوجية، ما يجعلنا نفهم سبب وجود تلك الحمولة من مشاعر الحقد والضغينة اتجاه الدولة، لكن غرضنا من الوقوف عند هاته الرسالة ليس هو التماس الأعذار للشيخ التكفيري – على الأقل كان ذلك جليًا قبل دخوله السجن، ورده على موقف والده منه بعد عهد الحرية يوضح هذا الأمر – لنقارن بين مواقف الشيخ من الدولة قبل وبعد السجن.

المتتبع لصفحة الشيخ وتدويناته وكذا تصريحاته، سيستغرب أيما استغراب، من التغير الجذري – على الأقل ما يظهره الشيخ – في خطاباته خاصة في علاقته بالدولة التي اتهمها صراحة في رسالته قائلًا ما مضمونه: بأن عهد سنوات الرصاص وهذا العهد الموسوم بالعهد الجديد ما هما إلا وجهان لعملة واحدة، وأن الدولة ماضية مع جلاديها في تعذيب المغاربة … لنجده اليوم يظهر موالاة باعثة على الشك والريبة للدولة، إلى درجة أنه اتهم عددا من الحركات الاحتجاجية بالمغرب بالمروق عن سلطة الحاكم ووصفهم بالأزلام ومثيري الفتنة، واتهم أمازيغ الريف بالتطرف والخيانة.

ولنا أن نقارن هاته العبارات على الشكل التالي:

الفيزازي في عهد اللاحرية (السجن):

المصدر: رسالة الفيزازي من السجن المركزي بالقنيطرة.

التاريخ: مايو (أيار) 2003.

إنني أنا محمد الفزازي 58 سنة (…)، أعلن أنه قد مورس علي من الاختطاف والإهانة والتعذيب (…) في مخافر الشرطة وقاعات المحاكمات والسجون السرية والمعلنة، لا سيما بعد أحداث 16 مايو (أيار) الدموية والتي لم يحسم في أمر الفاعل بها إلى الآن … فنخلص إلى نتيجة حتمية واحدة هي أن العهد القديم والعهد الجديد ما هما إلا وجهان لعملة واحدة …

الفيزازي في عهد الحرية:

تدوينة بتاريخ 18 مارس (أذار) 2017-04-25

المصدر: صفحة الشيخ الرسمية على موقع فيسبوك.

يعتبر خائنًا لله والوطن والملك كل مغربي نقض البيعة الشرعية لأمير المؤمنين محمد السادس التي أجمع عليها المغاربة وهي بيعة عمرت 12 قرنًا والالتفات لتفاهات سياسوية شرق أوسطية. فنحن كمغاربة لنا شرعيتنا ولنا استقلاليتنا ولنا دولتنا متجذرة في عمق التاريخ …

هذه فقط بعض النماذج التي توضح تغير خطاب وجه من وجوه التيار السلفي الجهادي بالمغرب الذي سار فيه عبر نهج أبيه الشيخ محمد بن الحسن الفزازي، الذي كان لا يخفي دعمه للجماعات المسلحة (الجزائر نموذجًا)، بل كان يمدها بالأموال علنًا، ويجهر بالدعوة لمناصرته، وهو نفس النهج الذي سلكه الفيزازي الابن، عبر توليه الخطابة بطنجة … هذا الشيخ الذي برع في الدفاع عن هذا التوجه التكفيري باستماثة كبيرة، فبرع في المناظرات والسجالات حول مواضيع متعددة: الإيمان والكفر، والموقف من الحكام وطاعتهم والخروج عليهم، فصار حجة في ذلك، مسترشدًا بكتب أبي قتادة وأبي محمد المقدسي وأبي بصير الطرسوسي وسيد إمام … أبرز منظري الفكر التكفيري والجهادي، التي كانت مرجعًا وسندًا له في سجالاته الفكرية.

الغريب في الأمر أن هذا الشيخ التكفيري، كما وجدنا خلال البحث عن سيرته أنه لم يكن في بداية شبابه مهتمًا بطلب العلم الشرعي، بل كان مهتمًا بالغناء والتمثيل وغيرها من الفنون.

خطاب الفيزازي، لم يتغير بالرغم مما نقرأه له من تدوينات، تناصر الديمقراطية التي نعتها في خطبة له، بإحدى الدول الأوروبية، بالديموقراطية ذلك الصنم، وادعاؤه الولاء للنظام الذي طالما انتقده … إن هذا التغير في خطاب الشيخ في نظري، وبحكم متابعتي لتدويناته وخرجاته منذ سنوات، لا يعدو أن يكون سوى ميكانيزم جديد غرضه تمرير أيديولوجيته التكفيرية تحت غطاء ثوابث الدولة والولاء للوطن … فالخطاب التكفيري والدوغمائي ما زال حاضرا في خطابات الفيزازي، هذا الأخير الذي مازال يرفض الاختلاف الفكري والعقدي، وينادي بمجتمع الفكر الأحادي الذي يحكمه الخطاب الرجعي والتكفيري، الذي لن يدع مجالا للحريات الفردية بما فيها حرية الاعتقاد، سواء كان اعتقادًا دينيًا أو لا دينيًا، وحرية الفعل والتصرف بعيدًا عن القيود الواهية التي تفرض باسم الدين، إن فكر الفيزازي ومن على شاكلته يقطع مع أي تصور تقدمي للبلد، ويضعه قاب قوسين أو أدنى من الصراعات والتوترات التي سببها الفكر الدوغمائي الديني، فخطابات الفيزازي المتخفية تحت شعارات الوطنية … لا تختلف عن الخطاب الدموي لتنظيم ISIS الإرهابي، فرفض التنوع والتعدد بشتى تلاوينه داخل نفس المجتمع هو ما تنادي به ما سمي زورًا الدولة الإسلامية في العراق والشام، ورفض الآخر المختلف عنا دينيًا وفكريًا وإيديولوجيًا والرغبة في نفيه زمكانيًا، وإخصائه فكريًا … لهو النهج ذاته الذي يتبعه البغدادي وزبانيته …

إن محاربة خطابات الكراهية والتكفيرية والإقصائية، سوف لن تتم إلا من خلال مواجهة الفكر الرجعي بالفكر التنويري، والأيديولوجيا الدوغمائية، بخطاب يستوعب الجميع، وهذا سوف لن يتأى إلا في مجتمع ديمقراطي ودولة علمانية تضع على عاتقها الإهتمام بكل فرد من داخل الدولة، من حيث هو إنسان تجمعنا معه الإنسانية،باعتباره كما يقول كانط غاية في ذاته وليس مجرد وسيلة، بغض النظر عن الإعتقاد – يهودي، مسيحي، مسلم، بوذي، ملحد أو لا ديني … – وتمنح لكل فرد ممارسة حرياته دون أية وصاية دينية …

فإما وطن للجميع وليس لأحد، وإما أن ننتظر تحقق ذلك في المقبرة الكبرى للجنس البشري كما عبر عن ذلك كانط في حديثه عن تيمة السلام الدائم. ولعل هذه المقبرة الكبرى هي ما تشرع الآن ما سمي زورًا بالدولة الإسلامية في العراق والشام في وضع آخر اللمسات عليها.

The post داعش بيننا appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست