أتشعر بذلك الضيقٍ المُتكرر والذي لا تجد له أي تفسير؟ أتواجهك تلك الصعوبة في التنفس مِن وقت إلى آخر وعندما ذهبت إلى طبيبك أخبرك بأن جهازك التنفسي بأفضل حال؟ أتعاني من مُشكلة في إنجاز فروضك ومهامك اليومية، وتأتي في آخر كل يوم لتلقي اللوم على قُدراتك الذهنية أو حتى على من حولك؟ وبالطبع أنت أيضًا تُخزن كثيرًا من الدورات والمساقات في متصفحك إلى أن تتفاجأ بعد ذلك بفقدانها بعد أن تعيد تثبيت نسخة «ويندوز» جديدة!
إذا كنت ممن يجيب بـ«نعم» على مُعظم ما سبق، فستكون أيضًا ممن يشعرون بفقدان الطاقة بعد وقت قليل جدًا من انخراطهم بأي عملٍ ما يتطلب مجهودًا ذهنيًا كان أو بدنيًا بدون أي تفسير طبي لذلك!
الأسطر القليلة السابقة هي ببساطة الوصف القصير والمختصر لأعراض يمُر بها معظمنا – نحن الشباب – في الوقت الحالي. والسبب؛ هو ذلك الكم الهائِل من «المعلومات والُمشكلات والقضايا والتساؤلات» اللامتناهية والمتزايدة بسرعة هائلة نتيجة التطور التكنولوجي والمعلوماتي الضخم والتي نرفض – أو لا نبالي – اقتحامها أو الاقتراب منها، ونذهب في معظم الأوقات إلى تأجيل مناقشتها ليوم آخر… يأبى أن يأتي!
لنقرأ سويًا تلك السطور القليلة القادمة والتي أسردها عليك بحكم تجربتي الجامعية والتطوعية لكي تتفادى أخطائي السابقة ولنتعرف معًا على تفسير لتلك الأعراض ونأتي بأسبابها الجذرية لنستشف منها الحلول اللازمة للتخلص من تلك الحالة التي تعوق دون إنجازنا لكثير من الأمور المهمة والضرورية.
لنبدأ بلعبـة صغيرة.
فَكر كما لو كُنت الحاسب الآلي الخاص بك
أتتذكر تلك اللحظة التي يكون بها جهاز الحاسب الآلي الخاص بك عاجزًا عن تنفيذ أي أمر من أوامرك بسبب ضغط أوامرك الشديد عليه أو بسبب فتحك الكثير من النوافذ التي لا تحتاجها؟ تلك اللحظة التي تكون بها أنت عبارة عن «شعلة من الغضب»، مع أنك قد تكون المُتسبب الرئيسي في ذلك!
أكاد أجزم أن كل من يقرأ هذا المقال الآن قد تذوق ذلك مرارًا وتكرارًا وقد يكون ذلك منذ دقائق معدودة فقط وقد يكون ذلك الآن وأنت تنظر لتلك الكلمات! ولذلك فلن أسهب في تذكيرك بتلك اللحظة كثيرًا، فأنت تتذكرها بالفعل. ولكني سأطلب مِنك شيئًا واحدًا فقط.
أريدك أن تستخدم خيالك الخصب وتستحضر تلك الميزة التي خَصك الله بها عن كافة الكائنات والتي يسميها علماء النفس والتربويون بـــ«نظرية العقل» وهي باختصار شديد: «القدرة على تخيل ما يدور في عقل الآخر، أو القدرة على تقمص شخصية الغير».
تخلص الآن قليلًا من «الأنا» الخاصة بك وكُن مكان حاسوبك لبرهة. اعتبره كائنًا حيًّا يفكر ويشعر. فكر بما يفكر به واشعر بما يشعر به. يا ترى لو كُنت أنت حاسوبك، بماذا كنت ستشعر في تلك اللحظة التي تُفتح بها كم كبير من النوافذ ويُعطى لك ذلك الكم من المهام؟ أظنك الآن علمت شعور حاسبك الآلي. حتمًا يشعر بضيق شديد تجاه ما يحدث، يكاد يفقد عقله بتلك النوافذ المفتوحة بدون أي سبب! والآن هو من يتحول لشعلة من الغضب.
عقلك كذلك يا صديقي! لا يستطيع أي حاسب آلي بالعالم تحمل هذا الكم من الملفات التي تفتح كل ثانية ولا تُغلق. فتلك النوافذ المفتوحة هي ببساطة شديدة كل مُشكلة صغيرة تمر بها وتتجاهلها ولا تُغلقها. وكل موضوع تفتحه أو يفتحه أحد أصدقائك في جلسة ودية وينتهي بكم الحديث بدون الوصول لنهاية ذلك الموضوع. وكل تساؤل يأتي لك وتتركه – خشيةً أو تكاسلًا – بدون استشارة متخصص أو البحث عن إجابة له. وهو أيضًا تلك المنشورات اللا متناهية على مواقع التواصل، والتى لا تعنيك كثيرًا بالمناسبة. وهو أيًا مستقبلك المبهم الذي تطيل التفكير به بدون وضع خطة له. وغير ذلك من الأشياء الكثيرة التي تُفتح ولا تُغلق.
كل هذا الكم من الموضوعات اللامتناهية يحجز مكانه فورًا داخل عقلك بدون وعي منك تمامًا. بعد ذلك تتعرض لمثيرات تُنشط تلك الملفات شبه المفتوحة بعقلك اللاواعي، ثم تفكر بها جزئيًا كعادتك وتتركها بدون غلق! ثم تنتقل للأخرى وهكذا إلى أن تصل لهذه المرحلة السيئة. وهكذا تتراكم الصغائر لتصبحك كبائر وبالتالي يُخلق ذلك الضيق الذي لا تعرف سببه. فتشعر به وتعبر عن ذلك بـ«إني مرهق. أشعر بضيق ولكني لا أعلم لماذا».
هل علمت لماذا الآن؟
بعدما علمنا السبب دعنا الآن نلقِ نظرة على مجموعة من الحلول والنصائح المُقترحة والتي قد تُساعدك على تخفيف شِدة ذلك الشعور، وربما عدم الشعور به مطلقًا، على الرغم من أن التعود على ذلك يحتاج إلى مجهود كبير وخبرة حياتية طويلة.
أولًا: اعرف قدر نفسك جيدًا وتعايش معها
الكثير من الضُغوط التي يشعر بها الناس لا تأتي مِن وجود ذلك الكم الكبير من المَهام التي يجب القيام بها. إنما تأتي من عدم الانتهاء من المهام التي قد بدؤوا بها بالفعل. (ديفيد ألين).
كثير منا يضع كل يوم خُطة طويلة ويأتي في آخر اليوم ليجد أنه لم ينفذ إلا جزءًا ضئيلًا منها أو ربما لم ينفذ منها شيئًا أصلًا. ومن هنا تأتي المُشكلة. يجب أن تعرف قدر نفسك جيدًا، ولا تحملها ما لا طاقة لها به. ولذلك يجب أن تعيد ترتيب أولوياتك من جديد. واترك آخر أولوياتك تمامًا إذا لم تجد الوقت ولا المجهود لإنجازها. لا تُعطها مساحة من عقلك! اتركها ولا تشعر بأي ذنب.
اتركها «بضمير مرتاح».
ثانيًا: اترك كل ما لا يعنيك
يوجد إلى جانب فن إتمام الأعمال فن ترك بعض الأعمال الأخرى دون إتمام – مثل صيني قديم.
إذا كنت لا تستطيع تحمل أعباء حياتك، لا تُدخل نفسك في حياة الآخرين حتى لو لم يكن ذلك بالعمد. لا تفتح مواقع التواصل عندما تستيقظ مباشرةً. فأنت في غنى عما يفعله غيرك. تعود ألا تقرأ الأخبار الإلكترونية ولا الصحف اليومية بالصباح الباكر. عش لنفسك أولًا لتستطيع بعد ذلك العيش للآخرين.
ثالثًا: أزِح الستار عن المجهول
تلك الأفكار والتساؤلات الوجودية التي تأتيك بغتة. لا تؤجلها إلى وقت آخر ولا تخشَ البحث عنها، فلا شيء يعالج بالترك، وإذا لم تستطع العثور على إجابة فاسأل مُتخصصًا. وتلك المواد الدراسية المُعقدة التي دائمًا ما تعطيها أكبر من حجمها وحين تُنجزها تظن أنك عقبري ولا تحتاج كم الوقت الذي يحتاجه الآخرون. والحقيقة هنا أن تلك المواد كانت تنتظر إزالة الستار عنها فقط لتتبين على حقيقتها البسيطة. فقط اقتحمها الآن.
وأيضًا تلك المشاكل الصغيرة التي تحدث بينك وبين زملائك في العمل أو أسرتك والتي تتراكم لتصبح غير قابلة للحل والتي تخشى طرحها للنقاش. من الأفضل أن تُجهز عليها من أول صغيرة! ارفعها كلها فوق المنضدة!
رابعًا: لا تبدأ حديثًا لا تستطيع إنهاءه
تلك الجلسة الودودة مع أصدقائك والتي تتعالى بها الضحكات، لا تجعلها تنسيك أن تغلق كل موضوع يفتحه أحدهم. ولا تدع أحدًا يتطرق إلى أي موضوع آخر إلى حين الانتهاء من الموضوع الذي تم فتحه للتو.
قد ترى ذلك شيئًا بسيطًا، كقطرة في محيط. وما المحيط غير قطرات.
خامسًا: ضع كل شيء على الورق
كل مشكلة تؤرقك، كل فكرة تخطر ببالك، ضعها على الورق فورًا. اكتب ثم اكتب ثم اكتب. اكتب عن أي شيء يحدث لك وانتهِ منه ثم ارمِه بدرج مكتبك. خطط لكل صغيرة وكبيرة على الورق.
لا تدع شيئًا للصدفة ولا تسمح لعينيك أن ترى ضبابًا قط. ارتدِ نظارات عالية الجودة بوضع خطة لكل شيء!
سادسًا وأخيرًا: عش لحظة «الآن»
إذا انتهيت من وضع كل شيء على الورق لا تفكر به ثانيةً. لقد خططت له بالفعل ووضعته على الورق وانتهيت منه. عش لحظتك، استمتع بكل لحظة. واعلم أنه لا توجد لحظة فارغة. ولا توجد لحظة لا يوجد بها أي شيء. دائمًا ما يوجد ما يستحق الاستمتاع به. تستطيع أن تحقق أي شيء إذا وضعت نفسك بالكامل في لحظتك بدون الندم على الماضي أو التفكير بالمستقبل. لا تفكر بأي شىء بغير وقته وعندما تفعل ذلك ستتفاجأ بما تستطيع فعله. وستبدأ حياتك بالفعل. وسأضرب مثالًا قريبًا لنا الآن بما أننا متابعون جيدون لكرة القدم بالوطن العربي.
ما حدث من فترة ليست طويلة في المباراة الشهيرة التي كانت جمعت «برشلونة وباريس». حينما اعتمد فريق «باريس» على مباراتهم الأولى وهي (الماضي) وأخذوا أيضًا بالتفكير في المبارة التالية لهم وهي (المستقبل) وظنوا بأنهم تأهلوا إلى الدور التالي بعد إحرازهم هدفًا على أرض المنافس، فانهزموا شر هزيمة! والعكس ما حدث مع «برشلونة» فقد تركوا الماضي واستجمعوا قواهم ووضعوها في لحظتهم فحققوا مبتغاهم.
وبالنهاية لا يسعني غير التمني لي ولك بتحقيق مبتغانا أيضًا يا صديقي وأن نعيش حياتنا بحياتنا بدون أي ضيق أو قلق، فهذا أقل حلم يمكن أن يتمناه كلٌّ منا.
تحياتي.
The post عَــقـلـك نِـظـام «ويـنـدوز»! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست