السبت، 11 مارس 2017

ثقفني اون لاين : قراءه في كتاب «الأناركية» لدانيال غيران

أول ما صدر هذا الكتاب وضعته على قائمة الكتب المطلوب الحصول عليها وشراؤها؛ فأنا لدي فضول كبير لمعرفه أكثر عن الأناركية، وتاريخ نشأتها وتطورها وأفكارها، وبالفعل حصلت على الكتاب، ولكني تكاسلت عن قراءته ووضعته على الرف، إلى أن عثرت عليه وأنا أرتب مكتبتي، وقررت البدء فيه وقراءته، الكتاب مشوق إلى أقصى مدى، وترجمته ممتازة، وكما يقول التصدير: إنه من أفضل الكتب التي تتحدث حول حركة الأناركية.

وتكمن أهميته أنه يناقش حركة من أهم الحركات التي أثرت في تاريخ العالم، والتي لدي رغبة في فهمها والتعرف عليها، كما تكمن أهميته القصوى بالنسبة لي في أنه يناقش كيف أن الديمقراطية والدولة الحديثه ليست شيئًا مسلمًا به في الغرب، وأن هناك من يرفضونها ويعارضونها حتى في موطن نشأتها، فما بالك بنا نحن الدول العربية الإسلامية التي فرض عليها هذا المنهج فرضًا، فهذا الكتاب بمثابة محطم لأصنام كثيره ترسبت وتكلست في عقولنا من أن الديمقراطية هي المسار الأفضل، وأن الدولة الحديثة هي أفضل صور الدولة والحكم. فهذا كتاب جيد استفزني جدًا، ودفعني إلى التفكير ومراجعة بعض الأفكار التي كنت آخذها على أنها مسلمات لا يجوز الاقتراب منها أو المساس بها.

كثيرًا ما سمعنا عن كلمة أناركية، وهي مرتبطة في أذهاننا بالفوضى والعشوائيه والتخريب، لقد ارتكب المترجمون أخطاء كبيرة في ما يتعلق بترجمة المصطلح؛ فالمصطلح خاص بمجتمع آخر وبتجربة أخرى بعيدة عن مجتمعنا، ولا يوجد لها شبيه في مجتمعنا العربي أو الإسلامي، وهم ترجموه عن جهل بدلالاتهما التاريخية.

الأناركية هى شكل من أشكال الحكومة أو الدستور يكفي معه الوعي الجمعي والفردي الذي يتشكل عبر تطور العلم والقانون وحده للحفاظ على النظام وضمان كل الحريات، ونتيجة لذلك تتقلص السلطة ومؤسسات الشرطة وأدوات القمع والبيروقراطية والضرائب إلى حجمها الطبيعي. برودون.

لذلك فإنها كلمة لها سمعة سيئة في العقل الجمعي العربي، إلا أننا كلما نقترب منها نجدها غير ذلك؛ فهي حركة ثورية ضد الرؤية الغربية للإنسان، فالرؤية الغربية، سواء المسيحية أو العلمانية منها تقوم على أن الإنسان كائن مدنس، وأن الخطيئة غالبة على تكوين الإنسان، إلا أن الأناركية تقوم على خيرية الإنسان بوصفها أصلًا تتشكل منها كل التصورات، فالأناركية هي حركة مضادة للدولة الحديثة والاقتصاد الرأسمالي، اللذين يراهما الغرب وأذنابه أفضل وأسمى صور التنظيم الاجتماعي والسياسي , فالأناركيون يرون أن العلمانيه الغربية ما هي إلا خدعة كبيرة، فهم يرون أنها غيرت الإله ونقلته من الكنيسه إلى الدولة، ومن ثم إلى السوق.

الكتاب يتكون من ثلاثه أقسام وملحق، القسم الأول يتحدث حول الأفكار الأناركية الرئيسة، والقسم الثاني بعنوان: بحثًا عن مجتمع جديد، والقسم الثالث بعنوان الأناركيه في الممارسات الثورية، وسنتناول كل قسم من هذه الأقسام في مقالنا هذا.

القسم الأول: الأفكار الأناركية الرئيسة

مصطلح أناركية يتكون من كلمتين: آن، وآركي، وهما كلمتان يونانيتان، ومعناها أقرب إلى غياب السلطة والحكومة، فالناس لديهم فكرة مسبقة أنه لا يمكن العيش بدون سلطة. اما برودون، فيرى أن الحكومة هي المسئولة عن الفوضى، وأنه بإمكان المجتمع إعادة تأسيس النظام الطبيعي، واستعادة الانسجام الاجتماعي، إذا صار بلا حكومة. فالأناركية هي تيار هاجسه الأساسي هو الحرية المطلقة، والتوق إلى إزالة الدولة باعتبارها مصدر كل الشرور والفوضى والتسلط والوصول إلى حالة انسجام جماعي بحيث لا يحتاج البشر إلى حكومة لتنظم حياتهم، بل هم ينظمون حياتهم بانسجام.

طالما ظل هنالك أغنياء وفقراء، متسلطون ورعايا، سادة وخدم، قياصرة يعلنون الحروب، ومقاتلون يواجهون المنايا، فلن يبقى لذي لب إلا الاصطفاف إلى جانب الأغنياء والسادة والتزلف إلى القياصرة

فالأناركي هو فرد ثائر رافض للمجتمع، وكل أشكال الوصاية عليه، فهم يرفضون كل القيم، وكل ما هو مقدس؛ بغرض الوصول إلى الحرية الكاملة، كما أنهم أيضًا يرفضون كل النخبة الرسمية ومعهم الفلاسفة ورجال الدين والأكاديميين والقضاة والصحافيين والبرلمانيين؛ بسبب أن كل هؤلاء يرون الشعب وحشًا يجب ترويضه كما يروض الحيوان.

إن سبب هذا الاستعداد الذهني لتقبل فكرة الدولة وإحاطتها بهذه الهالة من السحر لوقت طويل، إنها طالما قدمت نفسها بوصفها الجهاز الطبيعي الذي يحقق العدالة ويحمي الضعفاء

يرى الأناركيون أن الدولة هى تجسيد للاستبداد، سواء كان استبداد فرد أو طبقة، وأن هدف الدولة هو محاصرة الفرد وتقييده باستخدام نظم المراقبة والمعاقبة، وجهاز الشرطة، وهي ترى القمع أحد واجباتها، بل إنها تمارسه كغريزة بقاء

حكم الإنسان للإنسان ليس سوى عبودية، وكل من يحاول أن يحكمني هو ديكتاتور مغتصب، لذا اعتبره ديكتاتور مغتصب. برودون

فهم يرون أن الدولة خطر كلما اتسعت صلاحياتها، وتغولت بيروقراطيتها، ويرون الدولة أنها وهم يفترس حياة الشعب، وهي مقبرة ضخمة يدفن فيها الشعب وتبدد طاقاته.

ينقسم الأناركيون في موقفهم من الديمقراطية إلى رافض لها رفضًا مطلقًا ومن يعتبرونها أخف الضررين، فالرافضون لها يرون أن عملية الاقتراع ما هي إلا خدعة، يجدد فيها الشعب عبوديته كل خمس أو أربع سنوات، وأنها لا تجدي مع الشعب المجهل، ويذهب بعضهم أن النظام الدستوري لا يشكل ضمانة للشعب بأي حال، بل يشكل أرستقراطية حكومية، ويضمن لها الوجود الدائم في مواجهه الشعب، فبعض الأناركيين يدعون إلى مقاطعه الانتخابات

إن الاقتراع العام خدعة ومناورة، صمام أمان وقناع تختفي خلفه السلطة الاستبدادية الفعلية للدولة، سلطة قوامها البنوك والشرطة والجيش

فالاقتراع عند الأناركي عمل متخاذل وغير منطقي وتواطؤ مع نظام فاسد، الاقتراع العام هو ثورة مضادة

وكما ذكرنا من قبل، فإن بعض الأناركيين يرون أن الاقتراع والممارسة الديمقراطية هي أخف الضررين، وهذا هو حال بعضهم في إسبانيا عندما تحالفوا مع أحزاب الديمقراطيه البرجوازية لقلب نظام حكم الديكتاتور ميغيل دي ريفيرا.

إن ورقة اقتراع بين يدي شعب تم تجهيله عمدًا، هي خدعة عملية لا يفيد منها، إلا غير تحالف السادة من الملاك والتجار والصناعيين

كما أن لهم أيضًا رأي رافض للاشتراكية، فهم يعتقدون بكذب ادعاء أن مجموعة من الأشخاص يملكون الفكر والروح والإراده التي تقود وتوحد الحركه الثورية والتنظيم الاقتصادي للعمال، ويرون أنها هرطقة منافية للفطرة السليمة؛ لأنهم في الأساس يكرهون أي تنظيم للتحكم أو التسلط، فما بالك بالشمولية الشيوعية.

من أهم الأفكار أيضًا التي تناقشها الأناركية هي فردانية الإنسان، فكل إنسان في نظرهم هو حالة فريدة من نوعها، ولا يجوز أن يأتمر بأمر أحد، ولا أن ينساق لأحد، وأخذت الأناركية على عاتقها تحرير الفرد من دواليب الصناعة والخضوع للمجال العام.

لا حرية إلا تلك التي ينتزعها الفرد بنفسه، فالحرية التي تمنح ليست حرية، بل بضاعة مسروقة

وفي نظر الأناركيه أنه حتى يتحرر الفرد، لابد له من تصفيه كل الأفكار التي لقنه إياها ابواه ومعلموه، ونزع القداسة عن كل ذلك، فيقول شتيرنر: إننا تشربنا الأحكام الأخلاقيةة منذ طفولتنا، حتى صارت الأخلاق قوة داخلية لا يمكن تجاوزها، حيث ذلك نتيجة الدفع بالشباب والراشدين إلى المدارس، كالقطعان، وتلقينهم أقوالًا قديمة، ويعلن شتيرنر أنه محطم الأصنام، سواء كان الدين أو الوعي أو القوانين، فهو يراها مجرد حماقات حشيت بها نفوسنا وعقولنا، كما ينتقد أيضًا الأحزاب؛ لأنها تضيع الفرد وتجبره على الموافقه على أشياء قد تكون ضده وضد تفكيره كفرد، بل يذهبون إلى اعتبار الجريمة مرضًا، وعقوبتها علاج لها، وليس بعقاب يسلطه المجتمع على المجرم، بل يذهبون إلى حرية الفرد في عدم الخضوع للعقوبة المفروضة.

كما أنه أيضًا قوه الجماهير ترجع إلى الجماهير أيضًا فالثورة الاجتماعية لا يمكن تنظيمها أو قيامها بإملاءات من أعلى، بل لا يمكن أن تشتعل وتتطور، إلا من النشاط الطبيعي للجماهير، فعنصر المفاجأة في الثورات أشبه باللص الليلي.

أما القسم الثاني من الكتاب فهو بعنوان: بحثًا عن مجتمع جديد، ففي مطلع هذا القسم من الكتاب يقول المؤلف: إن الأناركية تسعى لبناء واقع جديد وترفض اعتبارها طوبيا، ويرى أن الثورة الفرنسية سرعت بالتقدم نحو الأناركية، ثم أيضًا الثورة الصناعية التي جعلت للاقتصاد أولوية على السياسة ولم تعد الحكومة قادرة على منافسة المنتجين، بل تحولت إلى مجرد تعبير عن علاقات المصالح المختلفة يقول باكونين: إن الثورة الفرنسية قوضت مبدأ السلطة في ذهن الجماهير إلى الأبد، وصار النظام المفروض من أعلى مستحيلًا .

وأيضًا ينفي الأناركيون أنهم يسعون للفوضى أو أن الأناركية تسعى نحو الفوضى، بل يقولون إنهم أيضًا يسعون إلى التنظيم، ولكن التنظيم الطبيعي، وليس المفروض من أعلى.

الأناركية ليست هي الفوضى، بل النظام. النظام الطبيعي في مواجهه النظام المصطنع المفروض من أعلى. برودون

إن الأناركية هي الوحدة الحقيقية ضد تلك المزيفة التي يتمخض عنها تسلط وقمع الدولة.

يذكر الإيطالي إريكو مالاتيستا أن الجماهير تظن أن السلطة هي جوهر التنظيم، وأن لا تنظيم بلا سلطة، وأنهم لذلك يلجأون إلى سلطة تقمعهم وتحاصرهم، فيما أنه يعتقد المفكر أنه هناك أساليب أخرى للتنظيم غير السلطة والتسلط والتحكم.

يقول فولين: إن التصور الاناركي لا يعني غياب التنظيم، فهم ليسوا معنيين بذلك أصلًا، بل إنهم معنيون بالتنظيم الطبيعي الذي ينشأ من أسفل إلى أعلى، لا ذلك الذي ينشأ من وجود مركز يحتل، ويستولي على مجموعة بشرية، ويفرض عليها نظامه وقيمه الخاصة.

ويناقش هذا الفصل أيضًا مجموعة من المفاهيم، منها الإدارة الذاتية، وقواعد التبادل والمنافسة والمركزية والتخطيط والكوميونات والأممية لا يتسع المجال لمناقشتها تفصيلًا في هذه المراجعة.

في القسم الثالث من الكتاب يناقش تاريخ الحركة الأناركية في العالم، من الثورة الروسية إلى الحركة في إيطاليا إلى إسبانيا، ليس هناك مجال لعرضه بالتفصيل هنا.

في الختام لا يسعني إلا أن أشكر دار تنوير والقائمين عليها على هذه الإضافه الرائعة الماتعة للمكتبة العربية، أنصحكم جميعا بقراءته؛ فسوف سيفتح أمامكم آفاقًا جديدة لم تلتفتوا لها من قبل، كما أنها ستحطم بعض الأفكار الراسخة في أذهانكم.

The post قراءه في كتاب «الأناركية» لدانيال غيران appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست