الخميس، 30 مارس 2017

ثقفني اون لاين : العلمانية على محك النقد

عند النظر إلى فكرة معينة أو تبنيها عليك بالرجوع إلى أساسها الذي بُنيت عليه. العلمانية هي أكبر نظام فكري منتشر في العالم الآن.. لماذا؟ هذا يعود إلى المنشأ الذي قامت عليه في الأساس. عندما رأى الفيلسوف هيجل تناقضات المسيحية، وأنها مخالفة للعقل، قرر فصل العقل عن الدولة. والدولة في ذلك الوقت عند المسيحين كانت تبرر جميع الإسقاطات والاضطهادات باسم الدين.

فقام هيجل بفصل الدين عن العقل؛ كي لا يخسر قيمته كقسيس، ولا يخسر أتباعه العقلانيين. فقرر بشكل دراماتيكي أن يفصل الدولة الدينية عن الدين، وذلك بجعل الحقيقة حقيقتين، حقيقة لاهوتية عبارة عن المحبة وعدم التفكير، وحقيقة علمية تؤمن بالعقل التجريبي فقط.

وحقيقة الفكر العلماني كما جاء في بعض الموسوعات الأجنبية أن العلمانية هيرفض أن يكون للدين أو أي أمر آخر مقدس مدخل في الحكم على الأشياء، وفي أي قرار من أمور المدينة.

وبهذا يتضح للقارئ أن العلمانية تدعو لنزع جلباب الدين عن جوانب الحياة بالكلية، وجل عندهم الدين محصور في طقوس كهنوتية فقط لا علاقة لها بتشريع وتنظيم جوانب الحياة العامة.

من المنظور الشمولي الذي تدعو له العلمانية من التروج للديمقراطية والمساواة والحرايات، تكون العلمانية عبارة عن جوهرة الحرية والتحرر من جميع القيود مما فيها القيود الدينية، لكن في الحقيقة أنها معارضة للعقل بكليته؛ لأنها ادعت تعدد الحقائق، وهذا كفيل بتناقضها!

فهل من الممكن أن يتصور الذهن حقيقتين مختلفتين ومتضادتين في نفس الوقت؟

هذا التصور ينتج أحد أمرين بالضرورة، إما أن الدين متناقض، فيجب التخلي عنه، وتركه لأنك في هذه الحالة تفرض على نفسك الخضوع اللا واعي للكهنوت الديني. أو أن العقل العلماني متناقض، فيكون الركض وراءه سفسطة لا داعي لها.

أما الذي استدل به البعض من المناصرين للعلمانية في العالم الإسلامي على نجاح العلمانية في تنظيم المجتمع الغربي وتوفيرها للمناخ و التعايش والمساواة – ودليلنا على ذلك وجود المسلمين في فرنسا وأمريكا ينعمون بحريتهم وآرائهم التي يتبنونها – ولاشك أن استدلالهم ضعيف جدًا وهش كذلك. لأنه على سبيل المثال يوجد أمريكيون وفرنسيون يعيشون في البلاد الإسلامية أفضل وأرفه معيشة من الممكن أن يعيشها الشخص!

لكن السؤال: هل يوجد مناخ صالح للدمقراطية أو تطبيق للمساواة أو للحريات في البلاد الإسلامية في الوقت الراهن؟ بل لو تمعنت البحث في الدول التي تتبنى الفكر العلماني لوجدت تناقضات مخالفة للأسس التي قامت عليها العلمانية من الترويج للحريات. وقد توجد نظم علمانية تمنع الدين، كنظام الاتحاد السوفيتي في أثناء الشيوعية، ولم يكن ديمقراطيًا، بل كانت علمانية ملحدة ومتطرفة بشكل كبير تمنع أي مظهر منافي للمعتقدات الإلحادية في الشيوعية. إننا نلاحظ مظاهر الاضطهاد في كثير من الدول الأوروبية، ومنع المسلمين من إقامة شعائرهم، فبالأمس القريب في فرنسا نشاهد المرأة التي نزعوا الحجاب عنها عنوة على الشاطئ مع أن فرنسا بلد الحريات!

ولقد قامت قناة غولي الفرنسية بمنع الطفل جزائري الأصل إسلام بلال الذي يبلغ من العمر 9 سنوات من المشاركة في أحد برامجها الخاصَّة بتسلية الأطفال، على الرغم من دعوته إلى هذا البرنامج من إدارة القناة، بسبب اسمه!

وليست أمريكا بلد الحرية والتسامح كذلك بعيدةً من جارتها فرنسا، فتجد مظاهر الاضطهاد والعنصرية ضد المسلمين منتشرة كما ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن دراسة حديثة أظهرت أن الأطباء المسلمين يتعرضون لتدقيق أكثر فى أماكن العمل من نظرائهم وشكى بعضهم وصف المرضى لهم بالإرهابيين، لكن هل العلمانية توفر الحماية الفكرية للأفراد والمجتمع بغض النظر عن دياناتهم وأعراقهم حقًا.

وماهو مصدر الأخلاقيات في العلمانية؟

ربما كان رأي الأغلبية هو المرجعية الأخلاقية في العلمانية، لكن هذه المرجعية كفيلة بسقوط العلمانية لتجردها من المبادئ والقيم، فعلى سبيل المثال فإن هذا المبدأ ساعد في انتشار المثلية والشذوذ في أوساط المجتمعات العلمانية كنوع من حرية الرأي والفكر.

ونلاحظ انتشار العلمانية في البلاد الإسلامية، على يد بعض من المفكرين الإسلامين الذين تأثرو بالفكر الغربي، كنوع من النهضة والتجديد على حسب قولهم، ونلاحظ مقولة الشيخ محمد عبدو التي مهدت للعلمانية عندما صاغ المادة الخامسة من برنامج الحزب الوطني حول الأسس الوطنية، حيث قال: الحزب الوطني سياسي لاديني، فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة …إلخ.

وكذلك الاستعمار ساعد بشكل مباشر في انتشار العلمانية في البلاد الإسلامية كنوع من الاستبدادية والطابع  الاستعماري الغربي. ولانستغرب من بعض المسفسطين عندما يحاربون من أجل نشر الفكر العلماني بدعوى أننا إذا أردنا مواكبة العصر فعلينا إيجاد نظام كفيل بنشر حرية الرأي وضمن الحقوق للفرد والمجتمع، وعلى حد قولهم ليس هنالك نظام متكامل يوفر هذه المطالب غير العلمانية.

هل العلمانية نظام متكامل؟ لكن السؤال هل نحن مضطرين للعلمانية كنظام متكامل يوفر مايتطلبه العصر؟ بكل تأكيد سيكون الجواب: لا! لأننا نملك منهجية النظام الإسلامي الكفيل الشامل لمناحي الحياة، فهو يراعي جميع الضروريات ومتطلبات العصور، لأن نظرة الإسلام شاملة لجميع المخلوقات والجمادات.

فإن النظام الإسلامي يحرم أي تلوث للبيئة ومن ذلك قطع الأشجار والنباتات، لغير مصلحة ضرورية، فلم يذكر على مر تاريخ البشرية أن المسلمين قطعوا غابة كاملة! وعلى العكس ترى قطع الغابات في الأنظمة العلمانية لغير ضرورة تذكر، بل ربما كانت هواية فقط.

وكذلك النظام الإسلامي هو أول نظام ساعد في انتشار وتطوير العلومَ كالتفسير والقراءات، وعلم الحديث والفقه، وعلم الكلام، وعلوم اللغة: كالنحو والصرف والشعر والبيان، الفلسفة والطب، وعلم النجوم والكيمياء والتاريخ والجغرافيا والموسيقى والرياضيات. وكذلك من مميزات النظام الإسلامي حرية الرأي والأفكار، والحوارات الفكرية المتعددة والمناظرات والمناقشات التي يحث عليها دائمًا.

وكذلك فإن النظام الإسلامي يحد من الطبقية بعكس العلمانية وغيرها من الأنظمة، لأنه يمنع التكدس، وذلك بفرض الزكاة وتحريم الربا، وتقسيم الورث علي الورثة وتحريم الوصية بأكثر من الثلث فهو يحرص على عدم احتكار اشخاص معينة للمال دون غيرهم، وعلى هذا تكون حقيقة الثروة في النظام الإسلامي أنها قائمة على الجهد والعمل والتعب، وليست في المال بعينه!

وكذلك إن التركيب الأهم في الإسلام هو عدم مخالفة القضايا العقلية لأسس الدين الإسلامي وكذلك الحماية الفكرية التي يوفرها الإسلام، ولهذا لايمكن فصله عن العقل بأي نوع من أنواع الفصل.

والخلاصة: إن النظام الإسلامي يشمل جميع الجوانب للحياة من القضايا السياسية والاقتصادية والعلمية والأخلاقية والاجتماعية والحاجية والفكرية، فهو النموذج المتكامل للحياة الإنسانية، في الماضي والحاضر والمستقبل.

لكن عدم تطبيق هذا النموذج المتكامل في الوقت الراهن ليس دليلًا على فشله وعدم مصداقيته وتناقضه، ولا يستلزم كذلك التمسك والتشبث بالعلمانية ريث ماتطبق نموذجية الإسلام!

فإن عدم استعمالك للدواء الصحيح لا يجوز لك استعمال الدواء الخاطئ.

The post العلمانية على محك النقد appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست