الخميس، 30 مارس 2017

ثقفني اون لاين : من أين لكم هذا؟

الغني تفرض عليه ثروته مسؤولية الاعتناء بمن هم في حاجة، لكن الأكثرين قد شغلتهم الدنيا؛ حتى استكثروا على قومهم فلسًا وأرهقتهم مداراة القصور، والنفس تضعف، وكم من غني لم تعضه سوء الخاتمة.

فهل يتعلم رؤساء وملوك الدول العربية هذه المسؤولية بدل انشغالهم باقتناء الطائرات والسيارات، فإن إغراءها يفتر، وعبئها يثقل، وإن أقرب التسميات اللائقة لهم أن يقال عنهم إنهم مثل القافلة تمضي عازمة في طريق الزور والشر وتستمع إلى أغاني الغافلين، و هم كَعوُدٍ به اعوجاج تدخل لتقويم الاعوجاج فتغرق في تخبطاته.

عندما كنت صغيرة كنت أرى الدنيا بأعين بريئة فعندما تتجول العين في قصور أشاهد الجمال والرونق حينها يخطر على البال أن حياة الخيام لا تحلو لسكان القصور، أتعجب وأندهش وتداهمني التساؤلات وحيدة فتكبل من الحيرة حتى أني لا أجد إجابة لسلسلة منها.

هل يمكن أن يعيش هنا بشر مثلنا؟

لا بد أنهم يتكلمون شعرًا، وينطقون دررًا، ولا بد أنهم ملائكة يحلمون باستعلاء، ولا بد أنهم يفكرون حتى تروى أفكارهم العطشى، ولا بد أنهم لا يخطئون أبدًا.

وعندما كبرت فهمت أنه ليس صغر سني، هو الذي لم يجعلني أدرك، بل أيقنت أنهم ربما كانوا لصوصًا من قصص ألف ليلة وليلة، فلا تغرنك حماسة مرتجلة وإباء مصطنعًا، فإن الطغيان هو أقدم النظم السياسية، ونحن في ذلك محكومون بقدر من الله مقدور علينا، ولقد علمتنا الأيام دروسًا من خلال قصة طاغيه تجاوز كل حدود المنطق.

كاليجولا حاكم روما، طاغية البلاد ومتقمص التاريخ، نموذج الرجل المتمرد و رجل الارادة المطلقة التي تريد أن تتحدى الآلهة، مبتكر الأهوال ومستفز الشعوب.

كانت تستبد به فكرة أنه إله على الأرض وملك هذا العالم بأسره يفعل ما يحلو له، فذهب ذات مرة يسعى في طلب القمر، لا لشيء، سوى أنه من الاشياء التي لا يملكها كما أجبر أشراف روما على حرمان ورثتهم من الميراث، وكتابة وصية بأن تؤول أملاكهم إلى خزينة روما بعد وفاتهم، وكان يبرر هذا بعبارة شهيرة جدًا: أنا أسرق علنًا؛ لأنه يرى أن السرقة علنًا شيء مباح، والصمت يزيد الظلم.

هذه العبارة لم تكن حكرًا عليه، بل انتقلت عدواها إلى الكثيرين من حكامنا الذين هم أيضا تقمصوا التاريخ، يلعبون جميع الأدوار الرئيس والزعيم والقائد والمدير ، سيد واحد لملايين البشر يكتفي بعقله ويلغي عقول الشعوب، فمهما باعدت بينهم مسافات الزمان والمكان فهم إخوة بالرضاعة يلتقون في نقطة، وهي القدرة على تخنيث الشعوب.

لذلك نجد أوطاننا على اتساعها وامتدادها سجونًا مظلمة وأقبية للفساد والخراب ويكثر السحرة فيها كل يخرج من قبعة الديكتاتورية أرنبًا اسمه الديمقراطية، يتقافز على طاولة حالة الطوارئ وتزييف الانتخابات والتعددية الحزبية الواهمة.

يكفي أن نتذكر خواتيم أمثال لويس السادس عشر والحجاج بن يوسف وهتلر وموسوليني وبينوشيه و تشاوشيسكو والقذافي وزين العابدين بن علي، وغيرهم من طغاة التاريخ، ممن أركسهم الله بتسلطهم على شعوبهم فلا غالب إلا الله.

تحرير الشعوب يكون دائمًا في مقدمة تحرير الأوطان، فلا يمكننا الحديث عن تحرير الأوطان، وإسقاط الطغاة، ودم العبودية يسري في عروقنا، وما دام الشعب سلبيًا وخانعا ومطيعًا إلى درجة الإذلال، وما دمنا أمة نتكلم كثيرًا ونطبق قليلًا.

حكام يكنزون الذهب والفضة و ا ينفقونها في سبيل الله، ثرواتهم تتكدس يفتحونها لكل هدر عربي صهيوني؛ لأن الجيب عربية واليد غربية، فهم وزبانيتهم السبب في فقر دولنا وتخلفنا كشعوب وفشلنا في كل مناهج الحياة باستثناء الإرهاب وأشكاله، وللأسف لا قيمة للبشر في الدول العربية فحقوق الكلاب في الغرب أفضل بكثير من حقوقنا نحن العرب في الدول العربية أمام واقع عربي غارق في معارك الكفاح لاستمرار الحياة فقط.

وكل هؤلاء لا يستطيعون الإجابة عن سؤال واحد: من أين لكم هذا؟ هل ارتفاع نسبة العنوسة يأتي من فراغ؟ هل عندما ينصرف الشباب عن تحصيل العلم يأتي من فراغ؟ هل عندما نقول إن إسرائيل يحكمها رجال أنظف ممن يحكمون العرب نقول هذا من فراغ؟ هل عندما ندافع عن حقوقنا في أزقة الشوارع ندافع من فراغ؟ لماذا نصب جاه غضبنا على حكامنا العرب على الأقل هم حققوا المراكز الأولى في شيء ما في حين نحن كشعب فشلنا في الدخول إلى مضمار السباق لاحتلال المراكز.

واقعنا يحتم علينا أن نرفع رؤوسنا عاليًا حتى تصل أنوفنا سقف السماء ففوز حكامنا من حيث الثروة هو نجاح لنا جميعًا، ولو كنا نحن أفضل مما نحن عليه لصار حكامنا أفضل مما هم عليه، وإلى الآن هم أفضل منا على أية حال؛ لأنهم لا يزالون يحافظون على المراكز الأولى، فيجدر إذن أن نترقب اليوم الذي يكتمل فيه رشد حكامنا.

وما هكذا تنكل إنجازات حكامنا يا عرب، ولا تسألوهم عن مال؛ فالله سائلهم يوم القيامة. إن الحكام يجب أن يكونوا أغنياء، لكن هل هذا يعني أن يكون العرب كلهم فقراء؟ ثروة من تحصيل الاستخفاف بالشعوب والبلطجة وسطوة الكراسي وساعدهم في ذلك شياطين الإنس والجن، وإن تواجد الطغاة في صفوفنا إنما جاء نتيجة لاختيار خاطئ متكرر نمارسه في كل مرة.

ثم أين هم الذين يتشدقون بدين خلفائهم الراشدين الذين قالوا: لو أن شاة في بلاد الإسلام عطشت سئلت عنها يوم القيامة. اين هم من ذوي الفاقة والفقر المدقع؟ أين هم من زكاتهم؟

يحتكرون جهودهم وفنهم وحتى دينهم في الاعتراض عن بعض آداب السنة جهلًا أو تقليدًا، وأننا لا ننكر الخير الذي يذهب إليه بعضهم، ولكننا نخشى أن يحرفوا الدين بمقدار الحاجة، وفي جو من التآخي والتحاب والدراهم.

الحقيقة أننا عرب، ولا نخجل مما وصلنا إليه، فقد تعودنا أن نسير بجانب الجدار لم نحقق شيئًا يذكر في بلادنا، فهل كثير علينا أن نحقق سبقًا في فساد الحكام العرب الذين يرفعون رؤوسنا في الأعاصير والمحافل الدولية، يتعاطون متعة غناهم في كل لحظة، لكن يبدو أن متعتهم لا تكتمل إلا إذا اجتمع حولهم فقراء أكثر.

فهل يستمتع الحكام بفقر الفقراء؟ فهل استمرار الفقر ضروري لاستمرار غناهم؟

جل الأنظمة العربية هي أنظمة استبدادية، وبالتالي لا يوجد مبرر لثروات الحكام واللبيب يفهم من الإشارة، ولقد صدق من قال إن وعظهم بألفاظ صريحة يقوي أمامهم مغريات الفسوق، فلا ترى غير أنظمة الحكم العرجاء، وردة الفعل الشوهاء.

The post من أين لكم هذا؟ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست