تابعنا وما زلنا نتابع تداعيات الاختلاف الداخلي في جماعة الإخوان المسلمين التي تُمثل العمود الفقري للثورة المصرية، والحياة المدنية المصرية، إن كانت ثمة حياة في مصر المنكوبة بانقلاب دموي غاشم.
اعتراف
قبل أن تنسكب أفكاري مع مداد لوحة كتابة الحاسوب، وقبل أن تستعد النفوس المريضة لتتلقف كلماتي على محامل العداء والشقاق والبغضاء، قبل كل هذا يجب أن أعترف أنني أدين بعد الله عز وجل إلى جماعة الإخوان المسلمين ولأساتذتها الذين أختلف مع بعضهم، أدين لهم بعد الله بكل ما قد يظنه الناس حسنًا في شخصي الضعيف، وتكويني الفكري والثقافي، فلا مجال بحال للتهمة والنقيصة، فعرضهم عرضي، وهم أولى بي من نفسي، ولأنني تعلمت على أيديهم أن أراجع نفسي دائمًا وأحاسبها، وألا أخجل من بيان خطئي وعيبي إن حدث، وأن أسعى جاهدًا لمعالجته وتصويبه وتغييره نحو الأفضل لذا كانت هذه المحاولة.
محاولة للفهم
مما يتربى عليه الإخوان في كل وسائل التربية أن الفهم أولًا، ومما يتعارف عليه دارسو الشريعة أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، لذا أحاول في هذه السطور أن أترفع فوق الجزيئات والأحداث الدقيقة، وصولًا إلى الجذور أو الكليات، محاولًا فهم الخلاف من منظور آخر غير هذا الذي يتداوله الطرفان في الإعلام ، فبعد أن كانت هناك محاولات إنكار من طرف د. عزت، أصبح هناك اعتراف بالاختلاف على استحياء، ثم التقليل من أهمية ذلك أو حجمه، وكل ذلك في ظني لا يصب في مصلحة الجماعة ولا الدعوة ولا الثورة والوطن. فما هي المشكلة؟
هل المشكلة داخل الإخوان تنحصر في خلاف بين جبهتين؟
هل المشكلة تتوقف على د. محمود عزت، ود. حسين، ود. طلعت، وأ. إبراهيم منير؟
هل المشكلة سلمية أو نوعية؟
هل المشكلة مستحدثة أم هي قديمة؟
هل المشكلة إجرائية (تحقيق وقبول نتائجه وتوقيف وفصل مؤقت، أو تجميد وخلافه)؟
هل المشكلة في اللائحة كنصوص؟ أم فيمن يطبقها كشخوص؟
أعتقد في ظني الشخصي أن المشكلة تكمن في تصور القيادة للجماعة، والنسق التنظيمي المتبع منذ التأسيس، والذي أصبح لا يتناسق ولا يتفق مع المستجدات في مصر الثورة. أعتقد أنه كما أن هناك في الشعب المصري من يتمنى أن الثورة لم تقم، وأن تخمد وتموت فكرتها للأبد، فإن بداخل الإخوان من يتمنى ذلك أيضًا بلسان الحال، أو حتى بلسان المقال (مع الاختلاف الشاسع بين الفريقين في الدوافع والأغراض).
صورتان متباينتان
– التصور المستقر في نفوسنا يعتمد على أن الجنود ملك للقيادة، فهم سهام كنانتها ترمي بهم حيث شاءت، وربما يصلح هذا التصور في عصور غابرة ولكنه حتمًا يحمل في طياته فكرتين لازمتين:
الأولى أن القيادة ملهمة (بكسر الهاء وفتحها) فردية، سابقة، تُلهِب المشاعر، وتنير الدروب.
والثانية أن الجنود أرقام وجمادات لا يحق لهم الاعتراض، ولا يعتبر إجماعهم ملزمًا.
وبالتالي بناءً على هذا التصور إذا ما قدم الأفراد تصورات ونصائح ومشاريع للقيادة لا تعبأ بها، ولا يأتيهم منها رد، ولا يتم النقاش حولها، ومقارعة الحجة بالحجة، ولكن فقط الكلمة المأثورة (إخوانا اللي فوق عارفين كل حاجة).
أما مع الثورة، وتعاظم فكرة الحرية، والشعور بقدرات الفرد وأهميته، كان يجب على الجماعة أن تجدد دماءها بإعلاء قيمة الأفراد فيها، فتنعكس الصورة لتصبح:
– القيادة ملك للصف، وليس العكس، فتكون القيادة أُذن الصف ولسانه وعقله، تستمد رؤيتها مما يراه، وتسعى لتحقيق أمانيه.
ولعلنا استبشرنا خيرًا حين قام ملتقى شباب الإخوان الأول في الإسكندرية، وبدأ ملف تطوير الجماعة الذي حمله المهندس خيرت فك الله أسره، وكوَّن له موقعًا، وتلقى اقتراحات واقتراحات حول شكل التنظيم واللائحة وطريقة العمل المثلى في الظروف الجديدة، وأبدع الإخوان وفكروا، وقدموا كنوزًا.
ثم ماذا حدث؟
للأسف بددتها القيادة بسوء تصرف، والله سبحانه وتعالى يأمرنا «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم»، والسفيه هو كل من لا يحسن التصرف، والمال ككل الموارد التي يمتلكها البشر، لا بد من حكمة وكياسة في إدارتها، ولا يجوز تمليك هذه الموارد لمن يسيء إدارتها.
سؤال حائر
مَن الذي أوقف ضخ الدماء الجديدة وترك الشريان مفتوحًا تنزف الجماعة من دمائها وأموالها وعقولها حتى أوصلنا لانقلاب دموي قذر؟
مَن الذي أغمض عينه وصم أذنيه ولم ير ما يراه جنوده، ولم يسمع بآذانهم، ثم أرسل إليهم وضوح رؤية أقرب للعمى؟
هل يحق لمن بدد كل هذه الكنوز أن يقول اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم؟
The post الإخوان تحتاج نقل دم appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست