الخميس، 2 فبراير 2017

ثقفني اون لاين : «فوبيا» القرار الإداري 

«الفوبيا» مصطلح يُقصد به حالة الهلع والخوف الشديدة، الخوف لدرجة الوصول لحالة مرضية تستدعي التدخل والعلاج، وتتباين حالات الهلع «الفوبيا» فكما أن هناك فوبيا من الأماكن المرتفعة أو المغلقة أو الحشرات أو غير ذلك فلدينا في «مصر» فوبيا من نوع جديد وهي فوبيا القرار، ونقصد بها بشكل خاص القرار الحكومي الإداري، فمشكلاتنا تكمن وراء هذه العلّة، ومأساتنا بوصفنا دولة تبدأ وتنتهي بفوبيا القرار .

فوبيا القرار الإداري: النشأة

عندما يفتقر المسئول للمهارة والقدرة على صناعة القرار واتخاذه بشفافية والدفاع عنه، تظهر أعراض الفوبيا ويصبح المنصب مغنمًا ومجرد واجهة وظيفية اجتماعية، يحصي المسئول الأيام والساعات التي يقضيها حتى خروجه من المكان (سواء أكان خروجًا طبيعيًا لبلوغه السن القانونية للإحالة للمعاش أو بالطرد)، في خير وسلام بعيدًا عن مشكلات القرارات الملقاة على عاتقه حتى تنتهي خدمته و يبلغ مأمنه.

قديمًا كان البشر يمتلكون مقدرة على صناعة الأوثان وعبادتها ولا تزال هذه العادة المقيتة موجودة وإن اختلفت في الشكل وبخاصة في مصر، فكم من الأوثان التي صنعناها وأنزلناها منزلة مقدسة في النفوس والأفئدة ونستهجن ونعادي من يحاول نقدها.

من تلك الأوثان مفهوم الإدارة وأنها منزّهة عن الخطأ لا يأتيها الباطل من بين يديها، ونتجاهل عمدًا أن غالبية مشكلات المجتمع المصري إنما نتجت عن تلك الطغمة التي تمارس الإدارة العامة بمصر وتتدثر خلف قدسية المصطلح .

كم من قيادات إدارية مرضى نفسيين أو مضطربين عقليًا، ونعلم ذلك وندركه يقينًا ونعي أنهم لا يصلحون للعمل العام وأن تصرفاتهم ومسلكهم يغلب عليه الهوى ولا يمكن أن تردعهم شخصيًا أو تأتي على ذكرهم دون أن تجد القانون الإداري وفقهاءه يقفون لك بالمرصاد .

صنع لنا الفقهاء صنمًا ووثنًا نشعر به من تصرفاته الخرقاء ولا نراه، فقط نعي ونعلم جيدًا أن الإدارة العامة مجرد بضعة بشر من الناس يجري عليهم ما يجري على باقي البشر من الأهواء وتغليب الخاص على العام وتسخير المرفق وما فيه وبمن فيه لخدمة فكر وفكرة الشخص وتصفية الحسابات مع من لا يسير على هواهم أو من لا يألفونه، دائمًا أخطاؤهم تُنسب للمرفق العام، ولا ندري كم من المصائب والكوارث التي يتحملها المرفق العام جرّاء أخطاء يرتكبها بعض الحمقى .

وحيث إن الشيء بالشيء يُذكر،فينبغي التعريف بمفهوم «القرار الإداري».

رغم أن فقهاء القانون الإداري قد استقروا على تعريف القرار الإداري بأنه : إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة طبقًا للقوانين واللوائح، إلاّ إنه تعريف جميل يوحي للقارئ بأن الإدارة شيء مستقل تمامًا عن أصحابه، وهي منزّهة عن العيوب خالية من الأدران التي تعتري البشر عمومًا وتهوي بسلوكياتهم لأسفل سافلين في كثير من الأحيان، رأى هؤلاء ومن خلال أبراج عاجيّة احتموا بها أو من خلال أفكار مستوردة من بلدان استقرت مجتمعيًا وسياسيًا واتخذت من الشفافية والنزاهة معيارًا حياتيًا حاكمًا.

رأى هؤلاء الفقهاء أن الإدارة العامة تملك دائمًا أمرها، قادرة على الفصل في الأمور الشائكة التي تعترض طريقها، ودائمًا الصياغة القانونية منّمقة ورشيقة المعنى لكنها صياغات وتعريفات لا تصمد أمام التطبيق العملي، فلم أر طوال تاريخي الوظيفي أن هناك إدارة ما كانت قادرة على فرض إرادتها الملزمة .

فما سبب «فوبيا القرار» الإداري؟

برغم أن الإدارة الحكومية بمصر تتدثر وتتحصن بترسانة كبيرة من التشريعات واللوائح والفتاوى وغيرها، برغم هذا فيد صانع القرار دائمًا مرتعشة خائفة ووجلة (المفارقة اللطيفة والمحزنة في آن واحد أن يكون صانع القرار مصاب بفوبيا القرار)، لكن عندما تغيب المعايير الواضحة في الاختيار ونتجاهل الجدارة والكفاءة، و نلهث وراء خيارات تقوم على مبدأ «أهل الثقة» والمحاباة، فمن الطبيعي أن يتعطّل قانون الانتخاب الطبيعي ولا يأتي إلاّ الأسوأ، الأكثر اضطرابًا والأقل مهارة و جاهزية على العمل، فتنشأ «فوبيا القرار».

The post «فوبيا» القرار الإداري  appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست