الأربعاء، 1 فبراير 2017

ثقفني اون لاين : أن تكون كبيرًا

كثيرًا ما نفهم الحكاية بشكل خاطئ!

تحدثنا نفوسنا عن الأثر الذي سنخلفه، وعن العالم الذي سنعيد إليه البهاء. ننظر إلى الصورة من نهايتها، نبحث عن البريق الأخير الذي يُظهر إنسانًا أثمرت دعوته، أو متطوعًا تفجرت ينابيع العطاء على يديه، أو حتى صادقًا جاءت خاتمته كما تمنى تمامًا. نبكي على أنفسنا لأننا لسنا منهم، ولأن الأرض التي ألقينا بها بعض البذور ما زالت جافة متشققة، لا أثر للحياة فيها. نلوم عجزنا وضياع همتنا حينًا، ونلقي أحمال الغضب حينًا على من لا ينتبهون لنا، لا يقدرون جهدنا، ولا يرفعون أسهمنا بدعمهم وتشجيعهم.

وعلى العكس من ذلك كان من نريد أن نقتفي آثارهم، لا تشغلهم صفحات التاريخ ماذا ستخط عنهم غدًا، ولا يتحدثون كثيرًا عن مواهبهم الضائعة.

ما الذي كان يشغلهم حقًّا في تلك الأزمان والأمكنة المختلفة، من أتى منهم في زمن الانحطاط أو زمن الرفعة والمجد. أفكر في الشيء الذي كان يؤرق نفوسهم فيدفعهم إلى بذل الجهد من أجله، هل كانت أمجاد الآخرين تحثهم على المنافسة والتفوق؟ هل كانت الرغبة في تحقيق الذات، أو ترك أثر وإضافة ما يكون سببًا في أن يكتب الاسم في سجل الأعلام البارزين؟

غير أنني حين حلقت قليلًا مع الغاية الأسمى، غاية أن تكون كبيرًا، ولكن في سجل آخر، وعالم مختلف، وجدت النفس التواقة العاملة التي ترى في الحياة ساحة اختبار مؤقتة عليها أن تتفوق وتنجز حتى تعبرها إلى مكانها الأصلي، وموطن إقامتها الدائم. نفسٌ ترى ذاتها صغيرة، وتذوب خجلًا من خالق يغرقها بالنعم، وهي لا تحسن شكرًا ولا وفاءً، سباقها مع الخلق في مدى الإخلاص، وفي معاناة الاحتراق للوصول إلى غايتها البعيدة، وليس في البروز للناس وكسب رضاهم بأعمال وآثار، مهما عظم شأنها، وبلغ تأثيرها.

وجدت أن هذا الدرب يريدك أن تكون في خلوتك وحيدًا، متذللًا، صغيرًا ثم أن تعرف شيئًا تود أن تفعله، تعرف الطريق إليه وتحارب من أجله، الشيء الذي تفني نفسك، تتناساها، تتجاهلها من أجله.

نعم، في لمحة خاطفة شعرت أنني أرى ذلك الإنسان، الإنسان الذي يتعلم لا ليصير اسمه العالم فلان، أو حتى لأنه يريد أن يترك بصمة يذكره الناس بها، بل لأنه يرى أنه بهذا العلم يؤدي مهمته التي خُلق من أجلها، واجبًا دعاه إليه خالقه حين منحه القدرة على الفهم والبحث والاستنباط، أو الذي رأى ثغرًا لا يقوم عليه إلا قلة لا تفي فيندب نفسه ويحرضها على استفراغ الجهد والإخلاص فيه؛ لأنه مما تفرضه حاجة الأمة، ويدعو إلى أدائه الدين الذي ينتمى إليه.

الإنسان الذي يسير في طريقه وحيدًا لكن قويًّا مؤمنًا أن هذا طريقه الذي هيأته له الملكات والطاقات التي رُزقها، الإنسان الذي تفتح له عبرات الليل نوافذ الرؤية فيبصر عندها خطواته، ويعرف ما عليه أن يفعل فيحث خطاه ويجتهد وسعه أن يبلغ المدى في مجاله.

هؤلاء لا أظنهم يعنون بأوراق تسجل عنهم غدًا في التاريخ، وإن كانوا يستحقون ذلك وأكثر، فما يعنيهم أن يؤدوا أمانة الاستخلاف، وشكر النعم التي وُهبوها، وربما أهمهم أكثر الذكر عند من يرتجون الأجر منه، فكان لهم ما أرادوا، ذُكروا عند خالقهم فذّكر خلقه بهم.

ربما كان هناك غيرهم ممن نعرف وتبهرنا آثارهم ممن تتطلع أنظارهم إلى المستقبل ماذا سيتركون فيه من أثر، وأي إنجاز ستستذكره به أجيال الغد. لكن الصنف الذي أظنه أولى بالاقتداء والمتابعة هم أولئك الذين ينفردون في ليلهم بربهم، ويسألونه المعونة والتوفيق ثم لا يعنيهم ما وراء ذلك.

The post أن تكون كبيرًا appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست