الأربعاء، 1 فبراير 2017

ثقفني اون لاين : الغربة وقسوة القلوب

أخبرت صديق لي بأن أحد أقاربه قد وافته المنية منذ قليل، فأردف قائلًا (الله يرحمه)، دون أثر حزن أو ضيق على فراقه أو فقده كحبيب وقريب، فتعجبت منه: لماذا لا يرى عليه أثر الحزن أو الضيق لفراق أحد أفراد عائلته؟ فقال لي بلامبالاة، إنه هنا في بلاد الغربة منذ ثمانية أعوام، قد اعتاد على فراقهم، فأصبح الأمر عاديًا بالنسبة له، وأصبح غيابه أمرًا عاديًا بالنسبة لهم أيضًا، بل عندما تطول أجازته في زيارتهم قد يستشعر بالثقل عليهم، بالرغم من أنه في داره، ولكن اعتيادهم على بعده أصبح مألوفًا.

إنها الغربة يا صديقي التي قست القلوب؛ لأن البعد أورث الجفاء فيها، والبعيد عن العين بعيد عن القلب، فأصبحت معتادًا على البعد، وفراقهم ومتوقع لأي خبر يأتي إليه؛ لأنه ببساطة الغريب كالميت، ولكن بشكل آخر.

هذا طبعًا بخلاف من أُخرجوا من ديارهم بغير حق، فليست الغربة لهم اختيارًا، وإنما اضطرار، وهؤلاء لا تورثهم الغربة إلا عزًا وقوة.

لا شك أن للسفر فوائد، ولا شك أن بداية الغربة كانت مختلفة، فقد كنت أتوقع أن أجلس عامًا أو عامين فقط، وأعود إلى وطني، ولكن العام زاد إلى عامين، والعامين إلى ثمانية، وأنا أتوقع أن أعود مُحمّلًا بالأمراض، ولكني أعود بالأموال التي أجمعها من الغربة، لكي أعالج هذه الأمراض التي أورثتها الغربة والوحدة القاتلة.

في كل الحالات يا صديقي لا أحد يعجبه حاله، المقيم في وطنه يحسدك على ما أنت فيه من نعم بخروجك فقط من وطن يعج بالمشاكل والفوضى، وأنت تغبطه على وجوده بين أهله وأولاده، وكلاكما يصارع في صمت.

هل تعرف يا صديقي أن أغلب مشاكلنا أننا نعيش في المستقبل ولا نعيش الحاضر، دائمًا نعبر الجسر دون أن نأتيه دائمًا قلقون من المستقبل، بالرغم من أنه لم يأت بعد، نعيش بطول أمل غريب جدًا، بالرغم من أن حوادث الموت أمامنا تقول غير ذلك، كأننا نجري وراء سراب نحسبه ماء؛ لأننا ظمآى لا يروى عطشنا قط، صراع مستمر مع الحياة لا يملأ الحمد قلوبنا، حتى ولو ملأ ألسنتنا، ولكن القلوب لم تحمد بعد.

حال المغترب يا صديقي كحال المسوف لبعض أعماله، كل يوم يقول قد اقترب اللقاء، وسأستمتع قريبًا بالحياة، ولكنه في سباق مستمر لا يقف لكي يستمتع بالحياة كل يوم يمر عليه يقول غدًا سأقف وأرتاح وغدًا لن يأتي أبدًا، وتمر منه السنين دون جدوى، ويرى نفسه أمام نهاية المطاف، ولا يحمل إلا القليل من الماء، والكثير من الأمراض، غير أنه خسر الكثير من الأشياء، خاصة إذا تربى أولاده بعيدًا عنه، وأصبحوا عنه غرباء، وأصبحت زوجته معتادة بعده، فعند حلول العودة يتعجبون من ذلك الغريب في بيتهم.

أصعب إحساس تجده بعد طول غربة أن تشعر أيضًا بالغربة في وطنك، وكأنه ليس هو الوطن الذي تركته منذ سنين، والناس تنظر إليك نظرة مختلفة، وكأن بينك وبين الوطن جدار وعازل كبير، تحتاجون لسنين أخرى كي تعتادوا على بعضكم البعض، هذا إن استطعت أن تعيش فيه.

إن قسوة القلوب لا تبنى على حالة أو حالتين أورثتها الغربة قسوة وألمًا، وإنما البعض مهما زادت الغربة بهم شدة زادت قلوبهم رحمة، وبعدهم عن أبنائهم ما زادهم إلا اشتياقًا، وإنما نتحدث عن البعض الذي أثرت عليه الغربة بالسلب، فترك نفسه لها فأصبح أسيرًا لها.

وهنيئًا لمن تعلم من حال المغتربين وقارن نفسه واستقرأ مستقبله بعد الغربة قبل القرار والفرار من الأوطان وجمع شمله مع أولاده، حتى وإن إضطر للغربة، فلابد أن يحملهم معه، فقد يكون هذا أقل الأضرار ، أصلح الله لنا أوطاننا وجمع شملنا وألّف بين قلوبنا والسلام.

The post الغربة وقسوة القلوب appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست