(موش أنا يا معلمي)..الكوميديا السوداء، التديّن بالفطرة، السينما المصرية في أربعينات وخمسينات القرن العشرين،
تعكس السينما عمومًا، ومنذ نشأتها، طبيعة الفكر والثقافة الموجودة بالمجتمع، حتى ولو اتخذت طابعًا فكاهيًا هزليًا، فتظل في النهاية مرآة لما يحدث، وتقبّل الناس (الجمهور) للفيلم بأحداثه يؤكد على المعاني الكامنة به، ويقوّيها أو يعززّ تكرارها فيما بعد..سنقف هنا أمام مشهد واحد فريد من نوعه، وفرديته أدت لتكراره كثيرًا، وتميّزه قُصد به التأكيد على متلازمة الورع والإثم معًا.
ومن أحد وأطرف المشاهد بالأفلام المصرية القديمة، والتي واجهت بعض مخرجي أفلام الحركة والمغامرة المصرية في بدايات النشأة، أن يحتوي المشهد على بطل الفيلم، مختفيا عن أنظار العصابة الإجرامية، وربما يكون في مقر العصابة ذاتها (تحت طاولة اجتماعاتهم) أو مكان قريب، للتنصت لحديث أفراد العصابة، ورغبة في إحكام الحبكة الدرامية وتسارع الأحداث.
يلجأ المخرج لحيلة قديمة تكررت كثيرًا، ومثلّت مخرجًا وحلًا جيدًا، كي تحدث المواجهة سريعًا بين البطل وأفراد العصابة، أو لإنهاء المشهد، ومن وراءه الفيلم ذاته.
العطسة هي الحل، في تلك اللحظة الفارقة، والبطل يتنصت لحديث أفراد التشكيل الإجرامي، وبينما الكل مشغول، وإذ فجأة تأتي، العطسة، وتنتاب البطل الرغبة الشديدة في العطس، و لا يملك أن يسيطر عليها، وهي المحفّز الموضوعي للحركة في الفيلم كله، فتصدر عنه مدوّية.
ولأن أفراد العصابة، بما فيهم زعيمهم، أتقياء بالفطرة ومؤمنون حتى النخاع، لذا لا غرابة أن نجد زعيمهم يقطع حديثه الهام، ملتفتًا لأقرب الأتباع قائلًا له: يرحمك الله، كنوع من تشميت العاطس، فيرد هذا بالعبارة الخالدة: موش أنا يا معلمي!) وهو نفي لوقوع الحدث من جانبه، وليس نفيًا للحق في العطس، والفارق بينهما كبير.
لا يكتفي الزعيم المجرم الآثم، بهذا الرد، بل يترك ما بيده من جليل الأعمال الإجرامية التي يخطط لها، مصرًا على تشميت التابع التالي، فيؤكد له هذا من جديد (موش أنا يا معلمي)، وهكذا في حوار عبثي، حيث يصر الزعيم على تشميت صاحب العطسة، ويصر المجرمون واحدًا تلو الآخر على عبارة واحدة (موش أنا يا معلمي!) في النهاية يخلص الزعيم لنتيجة منطقية: (يبقى فيه حد غريب هنا).
كنت أقف طويلًا أمام تقوى وإيمان وورع الزعيم، وإصراره على تشميت العاطس من رجاله المجرمين الأبرار، وأستغرب من حالة التحوّل والانقلاب في مسلكهم هذا، ما بين ضراوة في الاجرام إلى إصرار على إتبّاع السنةّ النبوية الشريفة في (تشميت العاطس).
وهي حالة درامية درج عليها غالبية مخرجي أفلام الحركة خلال فترات طويلة في حياة السينما المصرية، وبغض النظر عن غرابة الحيلة، إلاّ أنها بنت الواقع، ورديف للفكر السائد، فلم تكن بأية حال فكرة وافدة من الخارج.
وتقبّل الجمهور والنقّاد للحيلة الدرامية دليل على تكرارها في أفلام كثيرة، وكلا الأمرين دليل على ازدواجية متأصلة، وذلك بحكم أننا شعب متديّن بالفطرة.
المدهش أن المجرمين الأفاضل (العصابة بكاملها) بدورهم كانوا يرفضون ادّعاء حدوث عطسة غير حقيقية، فبالرغم من كونهم مجرمين، لكن لديهم حدًا أدنى من المعايير الأخلاقية، وهي معايير نفتقدها الآن للأسف، على العموم الحيلة ساذجة بمعايير العصر الحالي، لكنها كانت مقنعة وقتها؛ إذ كانت المَخرج والحل لمأزق معين.
بعض الحلول قد تكون منطقية في وقت ما، لكنها الآن من السذاجة أن تُطرح من الأساس، ومن الأفضل أن تظل حبيسة الصدور.
The post «موش أنا يا معلمي» الكوميديا السوداء appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست