ككل شباب مصر حلمت أن أكون شيئًا ما، ليس له علاقة بمهاراتي وقدراتي وهوياتي، ولكن بالوراثة غير التوجيهية، فهناك الوراثة التوجيهية التي توجهك فيها العائلة – مباشرة – أو أحد أفرادها أبًا كان أو أمًا، وهناك الوراثة غير التوجيهية والتي تكون بالإيحاء والإغراء غير العلني.
حلمت أن أكون مهندسًا مثل والدي، لأن هذا يسهل لي العمل تحت بند (خدمة أبناء العاملين) في وزارة الكهرباء، وما سيتبع ذلك من بداية حياتي المادية التي تقربني من حلمي الآخر الجميل الرومانسي، شريكة حياتي التي أعيش معاها قصصًا وروايات قرأتها، وشعرت بدفء مشاعرها وارتواء غرائزها، حياة كلها دفء وعشق وهيام، مع مناكشات الحياة التي تضفي عليها قدرًا أعظم من القيمة، أحلام وردية مثالية قد تكون حمقاء، وما الجُرم في أن تكون حمقاء، وكيف تكون أحلامًا ولا تتصف بالمثالية والشطح والطيران في الهواء.
وعلى صخرة الثانوية العامة تكسر أول مجداف في سفينة أحلامي، وكنت كالسفينة التي ضربها الموج وفقدت بوصلتها ولا تدري أي طريق تسير، فحطت مرساتي طبقًا لتوجيهات غير مباشرة من أهلي على كلية المُحطًمين – كما يسميها أستاذي محمد النزلاوي فك الله أسره – كلية العلوم، حالمًا بأن أكون دكتورًا بها، ليس لحبي لهذه المهنة، ولكن تعويضًا لخسارتي التي كنت أظنها فادحة، لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل تكسير المجاديف، بل وتحول مسار السفينة بعيدًا.
دخلت قسمًا بحثًا عن وظيفة بعده مربحة براتب مغر، مع أمنيات من أهلي أن فلان الذي يعمل في نفس مجال تخصصك له علاقة بنا ممتازة ويساعدك في العمل، وستكون من الحاصلين على آلاف الجنيهات، وهذا ما لم يحدث أصلًا، لا أصبحت دكتورًا إرضاء لغروري، ولا أصبحت من أصحاب الدخول العالية، ولا هذا الفلان تدخل لي، بل قال لي «روح قدم في الشركات وربنا يعينك»، عندما عرف أني خريج في نفس تخصصه.
ومع بداياتي الدراسية وتوسع مطالعتي أتضح لي أن مكاني ليس العلوم، أنا أعشق القراءة والكتابة والتحليل السياسي، كنت في هذه الفترة أشتري كل الجرائد التي من الممكن أن تُقرأ، وألخص محتواها وأربط فيما بينها، كنت أدخر من مصروفي لأشتري كتبًا من معرض الكتاب، عشقت القرضاوي والعوا وعمارة والغزالي والبشري والمسيري وبلال فضل وإبراهيم عيسى وبهاء طاهر ورضوى عاشور وغيرهم كثير، اعتقدت أن مهنتي المحببة هي أن أكون باحثًا سياسيًا، لكنه كان اعتقادًا بلا عمل.
أأترك كليتي هذه والوظيفة المنتظرة والدخل العالي؟ وقد كان يبدو لي أن كل هذا من باب الحقائق لا الأحلام، تعثرت في دراستي تعثرًا شديدًا لا لشيء محدد ولكن لأسباب عدة، أغلبها من نفسي، ومع نصح الناس لي الذي كان يبدو أحيانًا كثيرة مؤلما مما كان ينفرني منهم.
وبحكم بيتي الإخواني ارتبطت بهم في الجامعة، ونشطت معهم أيّما نشاط، كان لا هم لي سوى العمل الجامعي والحركة والنشاط والجري هنا وهناك، كنت أهرب من فشلي الدراسي لأحقق نجاحًا في مجال ما، لكنه كان نجاحًا زائفًا، ما وجدت أحدًا من أساتذتي الجامعيين الإخوان يوجهني في دراستي، أول يقول لي كفى، وما كان يجب عليّ أصلًا أن أنتظر منهم شيئا، فهذا مستقبلي لا مستقبلهم، ما كنا أصلًا نراهم إلا كل حين وعلى حرج.
غرقت في بحر الجماعة، اندمجت ذاتي وزاغت في ذواتهم، أنا لا أتهم أحدًا بشيء، هم ما فرضوا عليّ شيئًا ولكني ما فهمت ولا هم أتعبوا أنفسهم بالبحث.
خرجت من الجامعة بعد مرارات وآلام وقمة الفشل، حالمًا بالعمل والزواج وعلاقات أبي الإخوانية والعملية، لتتكسر كل هذه الأحلام مع حدوث الانقلاب ودخولي الجيش جنديا في القوات المسلحة.
خرجت من الجامعة خالي الوفاض إلا بعلاقات كنت أظنها قوية، لكن مع الانقلاب الكل يفكر في نفسه وأهله، ما عادت الروابط التي كانوا يباهون العالم بها موجودة، حتى ظننت أنها لم تكن موجودة أصلًا وكانوا يروجون لنا أكاذيب، إذا عطس أحدهم في أسوان شمته الآخر في الإسكندرية.
قتلت زهرة حياتي الطلابية لا أعرف في ماذا؟ تخرجت بلا قدرات علمية ولا عملية، بلا دورات ولا كورسات، بلا تقدير ولا تعليم، حتى الكتابة والبحث السياسي كان شغل هواة لا شغل محترفين، كانوا من الممكن أن يساعدوني في هذا ويصقلوا مهاراتي وقدراتي، ولكني لا أعيب عليهم بل على نفسي، لماذا لم أسع أنا ولا أنتظر من أحد؟
أليس من حقي عليهم كما استهلكوني أن يشحننوني مرة أخرى لأكمل الحياة والمسيرة؟ ولكن هل طلب منك أحدهم أن تبذل كل شحنك في منطقتهم؟ أنت من فعلت طواعية، ألف سؤال وجواب يدور في عقلي حتى أحيانًا أكاد أن أُجن، فأضع سماعات الرأس في أذني وأبحث عن أغنية صاخبة تصم أذاني حتى لا أسمع مناظرات عقلي.
بعد الانقلاب تعثر كل شيء معي ومع أهلي، تضررنا كما تضرر غيرنا، واضطررنا أن نلهث في بلاد الله عن رزقنا ومساعدة أهلينا، تكسرت كل المجاديف، وما عاد للسفينة وجهة، لم يبق غير هيكلها تصارع به وحدها علها تجد شاطئا تستريح به وتعيد صنع مجاديفها ولكن أين لها بهذا؟ وكيف لها بهذا؟ ومتى لها بهذا وهي تقارب الثلاثين؟
ما كنت حسودًا ولا حقودًا، وما كنت أنظر لشيء ما في يد غيري، ولكن تغيرت نفسي مع تقلبات الحياة، أرى أحدهم لست أقل منه في شيء، ولكن بسبب علاقات والده الإخوانية والتي استطاع أن يحافظ عليها بعد الانقلاب ببراعة الذئب يعمل معدًا في قنواتهم، وكاتبًا صحفيًا في مواقعهم، ومحللًا سياسيًا في برامجهم.
الآخر بقدرات والده المادية ترك تخصصه في الطب وتفرغ للعلوم السياسية وحصل على منحة محترمة في دولة أوروبية، ووالده يرعاه ماديًا حتى الآن، ليخرج علينا بعدها دكتورًا، وكلما ناقشناه في عقليته التي أظن عطنها نابذنا وعايرنا بعلمه، ومعه حق في ذلك، فمن معه دكتوراه لا يستوي بهاوٍ، وهذا الذي يدرس الماجستير في ماليزيا بمساعدة إخوانية، وهذا الذي يعمل في مركز أبحاث سياسية تابع لهم، وهذا وهذا وهذا.
القصص كثيرة ولن تنتهي ولا يحويها سوى مذكراتي الشخصية، ولكن لماذا أقول لكم هذا الكلام؟ أكيد ليس لأشتهر بينكم ولا لأفضح أحدهم، ولكنها مرارات أظن أن هناك من يستطيع أن يستفيد منها.
أياك أن تسمح لنفسك أن تذوب في كيان يلغي ذاتك ويعطل طموحاتك، متى وجدت كيانا يسحبك في تياره وحتى لو كان هذا هواك أن تسير معه، ضع لنفسك طوق نجاة، واصنع لنفسك مسارك، ففي النهاية لن يرفعوا من قدرك إلا إذا نجحت في حياتك العملية وحققت طموحك، قد يستغلونك ولكن عند التفضيل والتصدير سيبحثون عن واجهة براقة، لا عن عامل متسخ بتراب أرض الملعب.
هرول وراء حلمك باكرًا ولا تنظر انتهاء الكلية أو بداية العمل، غير مسار سفينك باكرًا، اترك كليتك أو ابق فيها واجعلها اهتمامًا ثانيا بعد طموحاتك، اعلم أن الطموح يتطلب ألا تفكر إلا في نفسك وفقط – للأسف – أحيانًا كثيرة تكون الأسرة عائقا بلا قصد منها وخاصة عند سوء الأحوال، أأركض وراء حلمي وأرضى بقليل المال الذي يكفيني؟ وأسرتي التي تحتاج مني المساعدة والعون؟
المال الذي أعيش به كريمًا لكني أكره العمل ولا نية عندي للتطور إلا بما يزيد علي المال ويساعد أهلي، أم حلمي وهوايتي التي لا مال في بدايتها ولا مساعدة لأهلي؟ اللهم إلا قوت يومي وسكني.
الكلام كثير وما أريد أن أوصله يحتاج لكلام أكثر وأكثر ومساحات أكبر وأكبر، هذه قصة أعلم أنها قد لا تفيد أحدًا، ولا تجلب إلا وجعًا، ولا تنكأ إلا جُرحا، وما كنت أريد إلا أن أشارككم التعبير عن ألمي وحزني على حلمي، وخوفي أن يقع غيري في حفرتي، ولعل يكون بينكم متعظ، ودمتم حالمين طامحين.
The post ألمٌ يعتصر قلبي appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست