السبت، 30 يوليو 2016

ثقفني اون لاين : شيوخ الـ mp3

قامت وزارة الأوقاف المصرية في سابقة هي الأولى من نوعها على مستوى العالم وعلى مر العصور بتوحيد خطبة الجمعة على مستوى الجمهورية، ولم تكتف الوزارة بما أقرته سابقا بتوحيد مواضيع خطب الجمعة، بل إنها ألزمت الشيوخ بنص محدد يرسل لهم من الوزارة ليكتفي المشايخ بدور الـ mp3 الذي تقرر الحكومة المحتوى الذي يذاع من خلاله.

محاولات السيطرة على الخطاب الديني أخذ منحًى خطيرًا للغاية من قبل السلطة المصرية التي تظن بدورها أنها بذلك تحكم السيطرة على الخطاب الديني، ولكن في الحقيقة العكس هو الصحيح، فهي لا تعلم أنها تُفقد خطبة الجمعة أهميتها، فبدلا من أن تحث الحكومة على استغلال واستخدام الخطاب الديني للارتقاء بالمجتمع وسلوكه وأخلاقياته بما يخدم مصالحها أيضا، اختارت الحكومة المصرية الاستسلام والاعتراف بفقدان السيطرة على المساجد، وإجبار الشيوخ على الالتزام بما تحدده هي بالقوة، وهو ما سيصب في صالح المعارضة الإسلامية التي تتهم الحكومة باستهداف الدين الإسلامي مرارا وتكرارا، وقرار الحكومة الأخير يبرهن على ذلك حتى وإن كانت الحقيقة على غير ما يظهر للعيان.

فمن وجهة نظري توحيد خطبة الجمعة لا يمكن أن يخرج عن ثلاثة تفسيرات رئيسية:

  • الاعتراف بأن الدين الإسلامي دين يحض على الفوضى والإرهاب، لذلك فإن الدولة تحاول السيطرة على خطابه.
  • أو أن الدولة في صراع مع المشايخ وتحاول السيطرة عليهم.
  • أو أن الدولة لا تثق في ثقافة وقدرة الشيوخ واختارت الحل الأسهل وهو إسكاتهم بالقوة.

لذلك فلو كان توحيد خطبة الجمعة للسبب الأول فإنه يعني أن الحكومة ضعيفة وتخشى الدخول في مواجهة دينية ومصارحة شعبها بوجود مشاكل في المعتقدات الدينية يجب إصلاحها، أما إن كان الدافع هو السبب الثاني فإن دخول الدولة في صراع مع دين ما – بغض النظر عن كونه – هو صراع عبثي ستخسره الدولة في النهاية، لأن التجارب التاريخية علمتنا أن نفس الأديان أطول بكثير من نفس الدول والحكومات، خاصة عندما يكون الدين بحجم الدين الإسلامي الذي يتبعه أكثر من مليار و 300 مليون حول العالم، إضافة إلى أنه الديانة الأكثر انتشارا في مصر، ناهيك أن الدولة المصرية تعيش في أضعف لحظاتها ولا قبل لها بمعركة بمثل هذا الحجم، أما (السيناريو الثالث) فلو صح فإنه يعني استسلام الدولة التام والكامل وفقدان الأمل في المشايخ، وبالتالي تفقد الدولة مصداقيتها الدينية لدى المواطن وبالتالي مصداقية المشايخ التي تعينهم في مساجدها، لأن الجميع يعلم أن الخطبة التي يسمعها هي خطبة يكتبها الحاكم أو من ينوب عنه، وعاجلا أم آجلا سيزداد لجوء المواطنين للمشايخ غير الرسميين أو المغضوب عليهم أو مشايخ الخارج، وهو أمر في غاية الخطورة إذا ما تحدثنا عن أبجديات اللعبة السياسية عبر التاريخ.

وبالرغم من أن الحكومة – كما كان متوقعا – تلاشت الحديث في السياسة في خطبها الموحدة، ولجأت للحديث عن قضايا متفق عليها، كالنظافة والعفة وحسن الخاتمة وغيرها من هذه القضايا، ولكن الخطورة الحقيقية لن تظهر في الخطب الأولى، ولكنها ستظهر عندما يكون الحاكم في حاجة إلى إقناع مواطنيه بشيء ما لغرض ما.

فلو افترضنا أن خطب الجمعة  كانت موحدة في مصر إبان ثورة يناير، فقد كانت الخطبة الموحدة التي ستوزع في 25 يناير تتحدث عن تكفير الخروج عن الحاكم، أما إن كانت الخطب موحدة قبل 30 من يونيو فقد كانت ستدعو إلى الخروج على الحاكم الظالم! وهكذا، وهو ما يعني أن الحكومة التي ترفض إقحام الدين في السياسة أصبحت هي الوحيدة المحتكرة لهذا الحق «إذا ما دعت الضرورة لذلك» وهو أمر في غاية الخطورة.

العجيب في الأمر أن توحيد خطبة الجمعة بالرغم من خطورته، إلا أنه لم يلق صدى إيجابيا أو سلبيا لدى الشارع، بعد أن نجح النظام في تكسير أي معارضة سياسية حقيقية أو إرادة شعبية مستغلا حالة الجمود السياسي وقانون التظاهر، لكن ذلك لم يمنع هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف من رفض القرار، وهو ما ينذر بتصاعد الأزمة بين الشيوخ ووزارة الأوقاف.

دعونا نخرج قليلا من المربع المصري، ونتخيل سويا أن جميع دول العالم قد اتبعت النهج المصري وقامت بتوحيد خطب الجمعة، فماذا سيحدث؟!

  • سنجد أبا بكر البغدادي يتحدث من خلال مشايخ دولته المزعومة في العراق والشام بوجوب الجهاد ضد الكفار ومن عاونهم من المرتدين من الحكومات العربية والإسلامية المعادية له، وبالطبع سبي نسائهم وقتل رجالهم ونهب ثرواتهم.
  • على الجانب الآخر سنجد مساجد بشار الأسد تدعو السوريين للصمود في وجه المؤامرة الأمريكية الصهيونية التي تدعمها دول الخليج، وبقتال أعداء سوريا وذبحهم على أبواب دمشق.
  • وإذا ما اتجهنا جنوبا سنجد أن السعودية ستزيد الشحن الطائفي وتدعو الشعب السعودي للوقوف صفا واحدا، لحماية الإسلام من المد الشيعي في سوريا واليمن والعراق وغيرها.
  • وإذا ما اتجهنا شرقا سنجد شيوخ إيران يهتفون بكل قوتهم داعين ميليشياتهم والشيعة في أنحاء العالم للوقوف ضد المؤامرة الغربية وعملائها من آل سعود.
  • أما إذا ما توجهنا غربا إلى فلسطين فسنجد السلطة الفلسطينية تدعو الفلسطينيين لإسقاط حماس في غزة، بينما مشايخ القطاع سيدعون مواطنيهم لإسقاط فتح في الضفة.
  • وإذا ما توجهنا إلى تركيا فسنجد مشايخها يطالبون بالاصطفاف وراء أردوغان وإعادة أمجاد الخلافة العثمانية.
  • وستكون النتيجة أكثر كارثية إذا ما اتبع الغرب نفس المنهج وخرج مشايخ المسلمين في الولايات المتحدة بأمر من أوباما يدعون إلى احترام المواطنة ومحاربة من حولوا الدين الإسلامي إلى دين يدعو ويحرض على القتل والكراهية في العالم العربي!!

السيناريوهات لن تنتهي ولكنها في النهاية ستتسبب في كارثتين، الأولى هي استغلال الدين الإسلامي أسوأ استغلال وتمزيقه بين الصراعات السياسية بين الدول، الثانية هي تدمير الفكرة التي بني عليها الإسلام بأنه دين غير كهنوتي، فسيتم تحويل الإسلام بذلك إلى عشرات وربما مئات المؤسسات الكهنوتية حول العالم التي لكل منها منهجا وأهدافا مختلفة ستتقاطع وتتعارض مع المؤسسات في الدول الأخرى، وهو ما قد يؤدي إلى تفتيت الديانة الإسلامية إلى عشرات ومئات المذاهب الأخرى، ولك أن تتخيل النتيجة.

The post شيوخ الـ mp3 appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست